بعد أن فضحته «طوفان الأقصى»..
الانحياز الأعمى للكيان الصهيوني يعجِّل بنهاية القرن الأمريكي
بضربة إستراتيجية
موفقة، أذهلت العالم وأفقدت الأعداء توازنهم، شكلت «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر
2023م، أهم نقطة تحول مركزية في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين في الشرق
الأوسط والعالم، فقد أعادت ترتيب أغلب أولويات القوى الإقليمية والدولية، هذا
الحدث لم يكن مجرد فعل مقاوم أذهل الجميع وأفقد العدو المتغطرس توازنه في أقل من
24 ساعة، بل كان اختباراً مباشراً لمدى التزام واشنطن اللاأخلاقي المطلق بأمن
الكيان الصهيوني، وهو التزام دفعها إلى الانخراط الفوري مع الكيان الصهيوني في رد
فعل متهور وغير محسوب سياسياً وعسكرياً؛ ما أثار جدلاً واسعاً، في داخل أمريكا
وخارجها.
أولاً: الخلفية التاريخية.. من الحرب الباردة إلى «التحالف العضوي»:
بدأ التحالف
الأمريكي-«الإسرائيلي» يأخذ طابعاً مقدساً بعد حرب عام 1967م، ففي خضم الحربالباردة، رأت واشنطن في الكيان الصهيوني وكيلاً قوياً قادراً على كبح جماح النفوذ
السوفييتي وحلفائه من القوميين العرب، من أمثال جمال عبدالناصر في مصر وزعماء حزب
البعث في سورية والعراق، في تلك الحقبة، تبلورت في السياسة الأمريكية عقيدة «التفوق
العسكري النوعي»، والتزمت الولايات المتحدة بموجبها قانونياً بضمان تفوق الكيان
الصهيوني العسكري على جيرانها كافة.
ومنذ عام 1973م،
وقع تحول أخطر؛ حيث انتقلت أمريكا من دعمها للكيان من المستوى الأخلاقي إلى الإستراتيجي
الشامل، وأصبح الكيان أكبر متلقٍّ للمعونات الخارجية الأمريكية على مستوى العالم،
حيث تلقى منذ عام 1946م أكثر من 158 مليار دولار، وفقاً لتقارير خدمة أبحاث
الكونغرس، وهو ما يفسر التدخل الأمريكي المباشر لحماية الكيان عندما ادعى بوجود
تهديد وجودي من جهة إيران.
ثانياً: مَن يسيطر على مَن؟
هل «إسرائيل» الولاية
الأمريكية رقم 51، أم أن واشنطن هي المرتهنة للسياسة «الإسرائيلية»؟ هذا السؤال
كان يتردد سراً وبهدوء في كواليس السياسة الأمريكية منذ زمن طويل، ولكنه أصبح
يتردد بنبرة أعلى وأكثر تحدياً بعد «طوفان الأقصى»، وللإجابة تبرز 3 زوايا رئيسة:
1- نظرية الذخر
الإستراتيجي: يرى فريق أن واشنطن تستخدم الكيان الصهيوني كقاعدة أمامية لحماية
مصالحها النفطية ومواجهة أي نفس للمقاومة داخل وخارج فلسطين، وفي هذا السياق، تُعد
الحرب الحالية على إيران وحلفائها وسيلة أمريكية لإدامة الهيمنة عبر وكيل قوي.
2- سطوة
اللوبيات: يجادل باحثون مثل جون ميرشايمر، وستيفن وولت في كتابهما «اللوبي
الإسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية»، بأن جماعات الضغط الموالية للكيان
تمارس ضغطاً هائلاً على الكونغرس والإدارة؛ ما يجعل خروج أي سياسي عن الخط «الإسرائيلي»
بمثابة انتحار سياسي.
3- الاختراق
الاستخباراتي: برغم التحالف الإستراتيجي، يبرز الاختراق الاستخباراتي كشرخ في جدار
الثقة، فالعلاقة ليست مبنية على الطمأنينة المطلقة، بل على صراع نفوذ خفي؛ وتعد
قضية جوناثان بولارد (1985م) المثال الأبرز، ولم يتوقف الأمر عند الحرب الباردة،
ففي عام 2019م كشفت تقارير عن زرع أجهزة تنصت بمحيط البيت الأبيض، واتُّهم الكيان بالتجسس
على مفاوضات أوباما النووية مع إيران لاستخدامها كأداة ضغط سياسي داخل الكونغرس، وقد
كشفت «وثائق سنودن» أن واشنطن تصنف الكيان الصهيوني كتهديد استخباراتي مضاد رغم
التعاون الوثيق.
ثالثاً: تآكل القوة الناعمة والانتهاكات الحقوقية:
واجهت صورة
الولايات المتحدة كحامية للديمقراطية وحقوق الإنسان ضربة قاصمة بسبب انحيازها
المطلق لـ«إسرائيل» في مواجهة الانتهاكات التي تجاوزت حتى الإبادة الجماعية في فلسطين
المحتلة، يرى الشارع العربي والإسلامي تناقضاً صارخاً بين الموقف الأمريكي المندد
بالعمليات الروسية في أوكرانيا، ودعمها العسكري والسياسي للجرائم «الإسرائيلية» في
غزة والضفة الغربية.
هذه الازدواجية
السافرة في المعايير أدت إلى نتائج كارثية على النفوذ الأمريكي، فبحسب استطلاعات «البارومترالعربي» (2024م)، يرى أكثر من 70% من مواطني المنطقة أن الولايات المتحدة طرف
منحاز للباطل الصهيوني وغير محايد، ووصلت نسبة المشاعر السلبية تجاه واشنطن في بعض
الدول العربية إلى أكثر من 80% بعد رد الفعل الصهيوني الإجرامي المدعوم أمريكياً،
على «طوفان الأقصى»، على مدار عامين.
رابعاً: التحولات الإستراتيجية وتأثير الحرب على إيران:
لم تعد الدول
العربية تتعامل مع واشنطن كقدر لا مفر منه، فقد دفع هذا الانحياز الحلفاء
التقليديين إلى تنويع خياراتهم، وبرز ذلك في مسارين:
1- سياسة تصفير
المشكلات: اتجهت دول الخليج نحو المصالحة مع إيران (بوساطة صينية)؛ ما أضعف إستراتيجية
واشنطن القائمة على بناء تحالف عربي-صهيوني ضد طهران، فمحاولة أمريكا جر المنطقة
إلى حرب مفتوحة ضد إيران لحماية «إسرائيل» قوبلت بحذر عربي شديد.
2- الفتور في
العلاقات: برز توتر واضح في العلاقات السعودية الأمريكية في ملفات الطاقة والأمن، فقد
أصدرت وزارة الخارجية الكويتية، في أغسطس 2025م، بياناً شديد اللهجة ضد تصريحات
نتنياهو حول رؤية الكيان الصهيوني الكبرى، معتبرة إياها تهديداً لسيادة الدول
العربية، وصرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في أكثر من مناسبة أن الانحياز
الأمريكي يعرقل أي جهود لإحلال السلام العادل.
خامساً: صعود المنافسين وتحدي الهيمنة:
بينما تنغمس
واشنطن في مستنقع الحرب الصهيوأمريكية ضد إيران، تجد نفسها في الوقت نفسه أمام
ساحة شرق أوسطية متعددة الأقطاب:
1- روسيا: تحاول
استعادة دورها كلاعب أساسي في سورية، وإقامة علاقات متوازنة مع كافة الأطراف،
مستغلة الانحياز الأمريكي لتقديم نفسها كبديل عقلاني.
2- الصين: تدخل المنطقة
بحكمة وحنكة من بوابة الاقتصاد والدبلوماسية الهادئة، مقدمة نفسها كبديل لا ينحاز
لطرف ضد طرف؛ ما يمنحها مصداقية بعد نجاحها في الوساطة بين الرياض وطهران.
3- القوى
الإقليمية (إيران وتركيا، باكستان، مصر): كشفت «طوفان الأقصى» ارتهان القرار
الأمريكي للأجندة الصهيونية؛ ما حوَّل واشنطن من وسيط إلى شريك عسكري في مواجهة
استنزفت رصيده السياسي؛ ما أدى لتآكل القوة الناعمة الأمريكية.
وفي ظل هذا
الفراغ، برزت القوى الإقليمية (تركيا وباكستان والسعودية ومصر) لتحاول تبني نوع من
الاستقلال الإستراتيجي؛ حيث رفضت الرياض والقاهرة الانخراط في أحلاف أمنية تخدم
الكيان على حساب أمنهما القومي، بينما عززت أنقرة وإسلام آباد مواقفهما كلاعبين
موازنين يرفضان الوصاية الأمريكية؛ ما جعل النفوذ الأمريكي يواجه مأزقاً تاريخياً؛
إذ فشلت القوة العسكرية في تعويض الهيبة السياسية، وتبدو واشنطن عاجزة عن حماية
مصالحها دون كبح جماح التهور الصهيوني في نظام عالمي لم يعد أحادي القطب.
سادساً: نهاية الوسيط النزيه:
ظلت واشنطن
لعقود تحتكر ملف عملية السلام، واليوم، تتبخر هذه المصداقية تماماً نتيجة الانحياز
الهيكلي للكيان الذي تجسد في نقل السفارة للقدس، وتشريع المستوطنات، والسكوت عن
الإبادة الجماعية وتدمير غزة، ويحذر خبراء مثل جون الترمان (مركز الدراسات الإستراتيجية
والدولية) من أن واشنطن باتت تعتمد على أدوات القوة العسكرية أكثر من النفوذ
السياسي، هذا الفشل في ممارسة دور الوسيط يخصم من رصيدها الإستراتيجي ويجعل
الأطراف تلجأ لوسطاء جدد مثل قطر ومصر أو قوى دولية كالصين وروسيا.
سابعاً: سيناريوهات المستقبل.. هل من تغيير؟
لا شك أن
السياسة الأمريكية تتعرض لضغط داخلي غير مسبوق، فوفقاً لاستطلاع مؤسسة «غالوب»،
هناك تحول جيلي واضح؛ حيث يميل «جيل Z» والأجيال
الشابة في الحزب الديمقراطي إلى التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من «الإسرائيليين»،
ويرفضون التورط في حروب استنزاف ضد إيران لصالح اليمين المتطرف في «تل أبيب»، والعالم
الذي ينشد التغيير يتوقع أحد سيناريوهين:
الأول: استمرار
الصلف الأمريكي: قد يبقى الوضع على ما هو عليه؛ ما سيؤدي لمزيد من العزلة
الأمريكية في الجنوب العالمي وتراجع نفوذ أمريكا الاقتصادي والسياسي أمام التمدد
الصيني الكاسح.
الثاني: إعادة
الصياغة: ربما تدرك واشنطن أن حماية أمن الكيان تتطلب كبح جماح التهور الصهيوني،
والعودة لمبدأ التوازن السياسي للحفاظ على ما تبقى من مصالحها في منطقة لم تعد
تقبل الهيمنة الأحادية.
إن التزام أمريكا
بأمن «إسرائيل»، الذي اعتبرته يوماً ركيزة استقرار لمصالحها، أصبح اليوم العامل
الأبرز في تقويض هيبتها الدولية، فالحرب الصهيوأمريكية على إيران وضعت واشنطن في مأزق
إستراتيجي؛ حيث تدافع عن كيان يفقد شرعيته الأخلاقية يوماً بعد يوم، بينما تخسر هي
حلفاءها التاريخيين ومكانتها كقوة عظمى تقود العالم بالقيم، إذا لم تنجح واشنطن في
إيجاد توازن بين دعم حليفها المتغطرس وحماية مصالحها الإستراتيجية مع العالم
العربي والإسلامي.
يبدو أن القرن الأمريكي في الشرق الأوسط قد بدأ يطوي صفحاته الأخيرة لصالح نظام عالمي جديد أكثر تعدداً وعدلاً.
الهوامش
- 1 استطلاع «الباروميتر العربي» (2024-2026): قياسات الرأي العام في الشرق الأوسط.
- 2 ميرشايمر ووولت: اللوبي الإسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية.
- 3 خدمة أبحاث الكونغرس (CRS): تقارير المساعدات العسكرية للكيان الصهيوني.
- 4 مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS): تحليلات جون الترمان ودانا سترول.
- 5 مجلة السياسة الدولية: تقارير حول الصراع الإيراني-الإسرائيلي (2024).
- 6 بيانات رسمية: وزارة الخارجية الكويتية، وتصريحات الأمير فيصل بن فرحان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً