أحمد الهواري.. راهب في محراب العلم وحارس ذاكرة النهضة

يعد الأستاذ الدكتور أحمد إبراهيم الهواري نموذجًا يُحتَذى في الدأب والمثابرة والجدية المتناهية، قَلَّ أن تجد له نظيرا بين أقرانه ومعاصريه؛ فهو مثال للناقد المخلص والأمين، وصاحب المنهج الواضح والرصين، الذي لم يَحِدْ عنه في كل ما كتب، فهو لا يلفق ولا يتعجل ولا يكتفي بالعناوين ورؤوس الموضوعات، كما أنه يمتلك لغته وأدواته النقدية ببراعة، وقد انعكس ذلك على إنتاجه القَيِّم والغزير من الدراسات الرائدة والأعمال الموسوعية الكبرى، التي ربما تعجز مؤسساتٌ بأكملها عن القيام بها؛ إذ رفد المكتبة العربية بما تحتاج إليه بالفعل، وبما يسد العجز والنقص في جوانب كثيرة، وقد شهد له القاصي والداني بأصالته وتفرده وجديته.

الهواري إنسانًا ومعلمًا

سمعتُ بالدكتور أحمد الهواري لأول مرة حين شرعتُ في تسجيل رسالة الماجستير عن "استلهام التراث في روايات جمال الغيطاني"، كما استعنتُ بما كتبه عن نقد الرواية ومصادر نقد الرواية في أثناء إعداد رسالتي للدكتوراه عن "الرواية المصرية في ضوء المناهج النقدية الحديثة"، ثم توطدتْ علاقتي به بعد العمل معه في جامعة الكويت ورجوعي إليه في كثير مما أكتب، فكنتُ أستشيره في كثير من الموضوعات التي تستحق عناء الدراسة والبحث، ولم أخرج مطلقا خالي الوفاض عقب تلك الحوارات الممتدة.

كان يتأكد لي في كل مرة أنني أمام ناقد حصيف وحارس أمين، يُنَقِّب في صبر عجيب عن التاريخ المجهول للأدب المصري المعاصر، الذي طمره وأخفاه استعجال الباحثين والتلفيق والسير على خطى السابقين، هذا إلى جانب ما تمتاز به شخصيته وتعاملاته الإنسانية؛ فهو شديد الحدب على طلابه خاصة من كانوا يدرسون عنده من القارة السمراء، وهو شديد الحب والانتماء والعشق لمصر، ويرى أن هذا الحب لا يكون بالكلام فحسب، وإنما يجب أن يترجم إلى أفعال وإنتاج وعمل، وهو ما قام به بالفعل خلال مسيرته الممتدة.

كما يعد الدكتور أحمد إبراهيم الهواري أحد النقاد الأكاديميين القلائل الذين عُرفوا بالجد والمثابرة، وقد أمد المكتبة العربية بعشرات الكتب والدراسات المهمة والرائدة في بابها والتي تدور في أغلبها حول نقد الرواية وتاريخ الأدب، وهو أستاذ جامعي مرموق قضى معظم سني حياته في التدريس للطلاب، في جامعات مصر والجزائر والإمارات واليمن والكويت، وحسبه ما وصفه به الأستاذ الدكتور حسين نصار عميد كلية الآداب جامعة القاهرة الأسبق بأنه صورة مشرفة ونموذجية للأستاذ الجامعي والباحث الرصين كما ينبغي أن يكون. (انظر: كلمة الدكتور حسين نصار، دراسات وبحوث مهداة إلى الدكتور أحمد الهواري، تحرير: د. وجيه يعقوب ود. خالد فهمي، الوادي للثقافة والإعلام، الطبعة الأولى، 2021م.)

حارس ذاكرة النصوص

والدكتور الهواري - بإنتاجه الغزير في نقد الرواية وتاريخ الأدب - يُمثّل وحده مؤسسة بتمامها وكمالها؛ فما قَدَّمَه من مؤلفات وتحقيقات ودراسات معمقة ربما تنوء بحملها قدرات بحثية لفريق عمل بحثي أكاديمي كامل، وهو في كل ما قدم لم يكن ممولا على المستوى المادي من أية جهة، ولم يكن يشغله طوال رحلته العلمية الممتدة الحصول على تكريم أو مكافأة أو جائزة، وإنما سعى بكل جدية ومثابرة إلى كشف اللثام عن مناطق مجهولة في تاريخ الأدب المصري المعاصر، وقد انصب اهتمامُه على حقبة مهمة في تاريخ الثقافة المصرية؛ هي نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والذي يطالع مشروعه الفكري (من ذاكرة النهضة)، يجد أن اهتمامه بنصوص تاريخ الفكر يمثل اختيارا إستراتيجيا بالنسبة له؛ حيث تظل النهضة هي المثال الملهم الذي يتطلع إليه، ومن ثم فهو يسعى إلى تقديمها إلى الأجيال الحالية بصورة دائمة، فالنهضة هي المعيار الذي يجب أن نقيس عليه النصوص إذا كنا نتطلع إلى الكمال، وكأن الهواري هو الحارس الأمين لذاكرة النصوص التي تحيل على النهضة، من أجل التغيير في أوساط جيلنا المعاصر. (انظر: الدكتور مجدي عبد الحافظ: أحمد إبراهيم الهواري والرهان على الواقع، دراسات وبحوث مهداة إلى الدكتور أحمد الهواري، ص 25).

التاريخ والوعي دعامتا بناء ذاكرة النهضة

يقوم المشروع النقدي للدكتور أحمد الهواري –كما يقول الدكتور إبراهيم زيد- على دعامتين أساسيتين هما: التاريخ والوعي، وقد استطاع من خلال منجزه الفكري والنقدي أن يكشف اللثام عن تاريخ الأمة المصرية، وتقديم قراءة واعية وعميقة لتاريخ الأدب في مصر؛ حيث لم يعتمد على التاريخ المكتوب والمدون فحسب، وإنما امتد اهتمامه بالتاريخ الوجداني للشعوب والمسكوت عنه، وهو ما جعله يسلط الضوء على أعمال جيل النهضة الذين لم يأخذوا حقهم من البحث والدراسة مثل: إسماعيل أدهم، وإسماعيل مظهر، ومحمد أمين فكري.

 وفي دراسته للرواية اهتم الهواري بالبعد التاريخي والجمع الاستقصائي، الذي حاول من خلاله إماطة اللثام عن الروايات والأعمال الفنية التي لم ينتبه إليها كثير من النقاد أو أغفلوها عمدا. (د. إبراهيم زيد: التاريخ والوعي، دراسة في القراءات الحرة للدكتور أحمد الهواري، دراسات وبحوث مهداة إلى الدكتور أحمد الهواري، ص9)، وكأني بالدكتور الهواري وهو ينصف هؤلاء الأدباء والنقاد المنسيين، ينصف نفسه أيضا وكل من يعمل مخلصا لوجه العلم.

الريادة البحثية في نقد النقد

ويعد الدكتور الهواري من أوائل من لفتوا الانتباه إلى حقل نقد النقد؛ ويُعنَى به النظر في طبيعة التلقي لهذا النقد عند الدارسين وتحليل مفاهيمهم، كما أنه – وفق شهادة صديقه الدكتور سليمان الشطي - قد راد منطقة في البحث لا يُعرف أحدٌ سبقه إليها، وإن كان ثمة أحد قد سبقه فهم قليل، وهي منطقةُ بعثِ أبرزِ منجزات جيل النهضة المتميزين، الذين جارت عليهم دعواتُ الردة والتخلف، فأصبح إنتاجهم مهجورا، وقد تقدم الهواري لدراسة هذه الموضوعات بصبر وجلد ودقة. (انظر: د. سليمان الشطي: أحمد الهواري إنسان تحبه ورجل علم تحترمه، الكتاب التذكاري، ص 357).

لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى القول بأن الدكتور الهواري هو مجرد مؤرخ للأدب، بل هو في كل ما كتب ناقد بصير متذوق للنصوص الأدبية، يوظف معرفته بالتاريخ والسياقات المختلفة لإضاءة النص والكشف عن جوانب الجمال فيه وفق المنهج الاجتماعي، دون أن تستعبده المصطلحات أو يكون أسير التطبيق الحرفي للمنهج.

التكوين العلمي والمحطات المهنية

وُلد الدكتور أحمد الهواري في الخامس من شهر نوفمبر عام 1941م في مدينة القنطرة شرق، التي كانت تابعة لمحافظة سيناء آنذاك والتابعة لمحافظة الإسماعيلية في الوقت الحالي، وحصل على الليسانس في الآداب من قسم اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1964م، وحصل على درجة الماجستير من الكلية نفسها عام 1971م تحت إشراف الأستاذ الدكتور شكري محمد عياد، كما حصل على درجة الدكتوراه في الآداب عام 1976م بإشراف الأستاذ الدكتور عبد المحسن طه بدر، وناقشه كل من الأستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي والأستاذة الدكتورة سهير القلماوي، وقبل تعيينه أستاذا بالجامعة كان يعمل مديرا لمكتب رئيس جامعة القاهرة حتى عام 1976م، ثم عُيِّن مدرسا للأدب في قسم اللغة العربية بجامعة الزقازيق في العام نفسه، وبعد حصوله على درجة أستاذ للأدب والنقد عام 1987م، شغل منصب رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الزقازيق في العام نفسه، ثم سافر بعدها للعمل في عدد من الدول العربية منها: الجزائر واليمن والإمارات والكويت، وعاد إلى مصر بعد بلوغه سن التقاعد، ليواصل عمله ومشروعه الفكري.

النشاط المؤسسي والأثر العلمي

حصل الدكتور الهواري على عضوية عدد من الجمعيات الأدبية في مصر وخارجها منها: عضوية الجمعية المصرية للنقد الأدبي، وعضوية الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وعضوية لجنة الثقافة والإعلام باللجنة المصرية لتضامن الشعوب الآسيوية الإفريقية، وعضوية اتحاد الكتاب بمصر، وعضوية الهيئة الاستشارية لمجلة الدراسات الإنسانية والاجتماعية، واختاره مجلس قسم اللغة العربية بجامعة الكويت ليكون عضوا في لجنة الكتاب التذكاري الذي أصدره القسم عن كل من: الدكتور محمد رجب النجار، والدكتور إبراهيم عبد الرحمن، والدكتور أحمد مختار عمر، والدكتور مصطفى النحاس، والدكتور عبد الله العتيبي، كما شارك في العديد من البرامج الثقافية والفكرية بالإذاعة المصرية، وقام بتحكيم عدد من البحوث العلمية في مصر والكويت والإمارات، وأجريت معه العديد من اللقاءات الفكرية والنقدية للصحف المصرية والعربية، وأسهم في تحرير وكتابة المادة العلمية لعدد من الأدباء والنقاد ضمن كتاب: قاموس الأدب العربي الحديث الذي أصدره الدكتور حمدي السكوت. (انظر: د. حمدي السكوت: قاموس الأدب العربي الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2015م)

وقد أشرف الدكتور الهواري على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في مصر وخارجها؛ ومنها: العناصر التراثية في روايات نجيب محفوظ، ومحمد حسين هيكل ناقدا، وشكوى الزمن في شعر الشريف الرضي، ومسرح عبد الرحمن الشرقاوي، وبلاغة التوقيعات في العصر العباسي، وتطور فن الأرجوزة، وشعر محمد إبراهيم أبو سنة: دراسة في بلاغة النص، وأثر الثقافة الفرنسية في النقد العربي الحديث في مصر، وشعر الحياة اليومية عند العقاد، وغير ذلك من الرسائل العلمية المهمة.

كما شارك في العديد من المؤتمرات العلمية في مصر وخارجها منها: مؤتمر النقد الأدبي بصنعاء مارس 1980م، ومؤتمر الأصالة والمعاصرة: قراءة في تخليص الإبريز جامعة المنيا بمصر يناير 1884م، ومؤتمر توفيق الحكيم حضور متجدد ديسمبر 1998م، والمرأة العربية الكويتية: رؤية العالم في المتخيل السردي قراءة استشراقية، ضمن ندوة الأدب في الكويت خلال نصف قرن من 1950 – 2000م في شهر يناير 2002م، والمؤتمر الإقليمي: تقاليد الاختلاف في الثقافة العربية بجامعة الكويت 2002م، وندوة الرواية الخليجية بين التأسيس والتجريب كلية الآداب جامعة الكويت، بالتعاون مع مؤسسة سلطان العويس مايو 2014م، وقد حصل على جائزة الدولة التشجيعية في النقد الأدبي عام 1993م من المجلس الأعلى للثقافة بمصر، عن دراسته: إسماعيل أدهم ناقدا مع جمع تراثه وتحرير النصوص والتعليق عليها.

الحصاد الفكري والنتاج المقالي

أصدر الدكتور الهواري العديد من الكتب والدراسات المهمة منها: الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث بالاشتراك مع الدكتور قاسم عبده قاسم، دار المعارف، مصر، 1977م، ونقد الرواية في الأدب العربي الحديث في مصر، دار المعارف بمصر عام 1978م، ومصادر نقد الرواية، دار المعارف، مصر، 1978م، والبطل المعاصر في الرواية المصرية، دار المعارف، مصر، 1979م، ونقد المجتمع في حديث عيسى بن هشام، دار المعارف بمصر عام 1981م، والفكرة العربية في عودة الروح، دار المعارف، مصر 1983م، والمؤلفات الكاملة للدكتور إسماعيل أحمد أدهم، دار المعارف، مصر، 1984م، وشكري عياد: جسور ومقاربات، دار عين، مصر، 1995م، وأساليب التعبير الأدبي (بالاشتراك)، دار الشروق، عمان 1997م، والمؤلفات النثرية الكاملة للشاعر والناقد عبد الرحمن شكري، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1998م، ومن ذاكرة النهضة: منهل الوراد في علم الانتقاد تأليف قسطاكي الحمصي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1999م، والكتابة العربية مهاراتها وفنونها (بالاشتراك)، مكتبة العروبة، الكويت، 2001م، وسليمان الشطي ورحلة البحث عن المعنى، رابطة الأدباء، الكويت، 2005م، ورواية عذراء الهند أو تمدن الفراعنة لأمير الشعراء أحمد شوقي، دار عين القاهرة، 2006م، وجماليات الأدب العربي (بالاشتراك)، منشورات مجلس النشر العلمي بالكويت، 2007م، ومن ذاكرة النهضة: محمد أمين فكري بك: إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا، دار عين، مصر، 2008م، ومن ذاكرة النهضة: الأعمال الكاملة للأستاذ إسماعيل مظهر، دار عين، مصر، 2014م.

هذا بالإضافة إلى عشرات المقالات والدراسات والمتابعات النقدية المنشورة في الصحف والمجلات المصرية العربية، ومنها: مرايا نجيب محفوظ، روجر ألن، مجلة فصول، المجلد السادس عشر، 1997م، رواية الرفاعي لجمال الغيطاني، أدب ونقد مارس 1988م، بين التاريخ والفلكلور مراجعة نقدية، مجلة الفنون الشعبية يوليو 1994م، مراجعة نقدية لكتاب ماهية الحروب الصليبية مجلة القاهرة، مايو 1995م، رحالة عربي من القرن التاسع عشر، مجلة الجسرة الثقافية، قطر، العدد الثالث، 1999م، بين الرواية والمسرحية، البيان الإماراتية، 23 مارس 1996م، في زمن الإنترنت ماذا يجب أن نقرأ؟ الخليج الإماراتية، 6 نوفمبر، 1998م، المستشرقون والمنهج المقارن في اللغة، البيان الإماراتية، 27 أبريل، 1996م، خليل مطران والمسرح الشكسبيري، مجلة البيان، الكويت، مارس 1998م، الخيال بين المؤرخ والروائي، البيان الإماراتية، 29 فبراير 1996م، العروبة في عودة الروح مجلة الهلال 2007م، ديوان فرائد القصائد لعبد العزيز مصلوح الأهرام وشعرية الترجمة 2003م، وغير ذلك من المقالات المهمة والجادة.

 


اقرأ أيضا:

في حضرة أ.د. أحمد إبراهيم درويش.. النقد حين يصير إبداعاً

د. حلمي القاعود.. فارس الهوية والأصالة

العلَّامة د. صابر عبدالدايم في ركب الخالدين


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة