في حضرة أ.د. أحمد إبراهيم درويش.. النقد حين يصير إبداعاً
الحديث عن أ.د.
أحمد إبراهيم درويش وقوفٌ في حضرة علمٍ صاغ الذائقة، وربّى الوعي، وأعاد للنقد
الأدبي بهاءه حين يصير بياناً، ويتوهّج إبداعاً، ففي حضوره العلمي تلتقي صرامة
المنهج بفتنة اللغة، ويصافح العقلُ القلبَ، ليُولَد درسٌ لا يُنسى، وأثرٌ لا يزول.
إن أ.د. أحمد
درويش، أستاذ النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن في كلية دار العلوم بجامعة
القاهرة، عَلَمٌ سامق من أعلام الدرس الأدبي العربي؛ حيث جسَّد في شخصه أنموذج
العالِم الراسخ الذي وفّق بين العمق النظري والنبض الإبداعي، فجمع بين صفات الباحث
الدقيق والمثقف المتوقد، وشاعرٍ يقارع النصوص، ويحييها بحياةٍ جديدة في أذهان
القراء والمتذوقين، فلم يكن ناقداً يكتفي بالتشريح والتحليل، بل كان صاحب ذائقة
نافذة، ينفذ إلى روح النص، ويوقظ جمالياته، ويعيد تقديمه بوصفه كياناً حياً نابضاً
بالدلالة والإيحاء.
انطلق في رحلته
العلمية منذ نال درجاته من جامعة القاهرة، ثم شقّ دروب النقد الحديث بجرأة مبدعة
ووعي رصين، فكان لعمله في الساحة النقدية العربية أثرٌ بالغ في تطور الدراسات
الأدبية، وتوسيع آفاقها المنهجية والجمالية.
وقد وضع أسساً
فكرية متينة في ميادين الأدب والنقد والبلاغة، فتصدّرت بحوثه ومؤلفاته –التي
تجاوزت 40 كتاباً– حقولاً متنوّعة، من «النص والتلقي»، و«بناء لغة الشعر واللغة
العليا»، إلى «الأدب المقارن»، و«متعة تذوّق الشعر»، فكان لكل كتاب منها بصمته
الخاصة في إثراء الفكر الأدبي، وتعميق فهم الإنسان للغة والإبداع، ولم تكن هذه
المؤلفات مجرّد إضافة عددية إلى المكتبة العربية، بل كانت فتحاً جديداً في قراءة
النصوص، وتحليلها، وردّها إلى سياقها الحضاري والفكري والإنساني.
ولم يكتفِ د. درويش
بالإنتاج العلمي وحده، بل امتد عطاؤه إلى أروقة الجامعة، وإلى الطلاب والباحثين،
فكان مرشداً دؤوباً، وعضواً حاضراً في لجان الدراسات العليا، ومصاحباً للأجيال في
مشوار المعرفة، ينقل لهم من خبرته المتراكمة، ومن ثراء أدواته النقدية، ما يضيء
لهم سبل البحث الرصين والتميّز العلمي.
كما أسهم
بفاعلية في الحركة الثقافية العامة، عبر مقالاته ومداخلاته التي أغنت الحوار
الأدبي، وعمّقت التأمل في قضايا النقد واللغة، والجمع بين التراث والمعاصرة، كونه
حاصلاً على الدكتوراة من جامعة السوربون، والوعي بين الأصالة العربية والمدارس
الغربية على وجه ينطلق من التراث دون انغلاق، وينفتح على العطاء المعاصر بمدارسه
المختلفة دون ذوبان.
وكان لي –ولله
الحمد– شرفُ الاستماع إليه، والتتلمذ عليه في النقد الأدبي بكلية دار العلوم في جامعة
القاهرة، حيث درسنا على يديه أكثر من عام دراسي في الفترة من عام 1993 - 1997م،
فكان مجلسه العلمي مدرسة في الفهم، ومحراباً للذوق، وفضاء لتربية الذائقة الأدبية
والنقدية قبل أن يكون قاعةَ درس.
ومن الكتب التي
صحبناها معه كتابه الفائق «الكلمة والمجهر»، ذلك السفر النقدي الذي تنضح عناوين
موضوعاته بالأدب المفلق، وتفيض صوره وأخيلته بإيحاء أخّاذ، ومن عناوينه التي ما
زلت ذاكرتي تحتفظ بها بعد مرور هذه السنوات كلها «الحواس المستنفرة في شعر عنترة»،
و«درجات امتزاج العناصر الأولى في غزل العقاد»، و«كيمياء التعبير والتصوير في شعر
محمود حسن إسماعيل»، وغير ذلك من عناوين يشعر معها القارئ أنه أمام نقد يتنفس شعراً،
وبحث يتوهّج ذوقاً، ومنهج يمسك النص بصرامة العالم وشفافية الفنان في آن واحد.
وكان –إلى جانب
ذلك كله– متدفّقاً في حديثه، سيّال العبارة، تسمع له فتتعلّم من لغته قبل أن
تتعلّم من أفكاره؛ لغة صحيحة في مبناها، جميلة في إيقاعها، رفيعة في بيانها، كأنها
درسٌ حيّ في البلاغة العربية وهي تمشي على قدمين، فكنا نخرج من محاضراته محمّلين
بأساليب جديدة، ومفردات بديعة، وتراكيب موحية، وذائقة لغوية أصفى وأعلى، ندرك معها
أن النقد الأدبي ليس تحليلاً جافاً ولا تفكيكاً آلياً، وإنما فن لغوي رفيع، وأن
الأستاذ الحق هو الذي يعلّمك بعلمه ولسانه، وبفكره وبيانه معاً.
وينتمي د. درويش
إلى دفعة عام 1967م، تلك الدفعة المتميزة في تاريخ كلية دار العلوم، التي أنجبت
كوكبة من الأعلام الكبار، وحصل أكثر من 150 من خريجيها على الماجستير والدكتوراة،
ورافقه فيها أ.د. حامد طاهر، عميد دار العلوم، نائب رئيس جامعة القاهرة، رمز
الوقار العلمي والإداري، كما رافقه فيها أ.د. محمد حماسة عبداللطيف، اللغوي الكبير،
نائب رئيس مجمع اللغة العربية، الذي مات رحمه الله قهراً بعد عزله من وظيفته أستاذاً
في الكلية، في واقعة مؤلمة ستظل شاهداً على ما قد يلقاه بعض العلماء من جفاء
المؤسسات، رغم رسوخهم وسمو عطائهم ونقاء رسالتهم.
وقد تُوِّجت
مسيرة د. درويش العلمية بالحصول على جائزة الدولة التقديرية في الآداب، وجائزة
البابطين، وأكثر من 5 دروع تكريمية من إسبانيا وعمان وإسلام آباد والكويت، وغيرها
من التكريمات، وهي ليست إلا اعترافاً مستحقاً بجهوده الكبيرة في خدمة العربية
وعلوم أدبها ونقدها، وترسيخ حضورها في محيط الفكر العربي والعالمي، وقد أثبت من
خلال ذلك كله أن الناقد الحقيقي ليس قارئاً للكتب فحسب، وإنما صانع للفكر، ورافد
لا ينضب في نهر الثقافة والمعرفة.
إن الحديث عن أ.د.
أحمد درويش حديث عن مدرسة نقدية، وتجربة علمية عميقة، وذائقة أدبية سامقة، وشخصية
جمعت بين الهيبة والتواضع، والعمق والإشراق، فكان أستاذاً يُعلِّم، وناقداً يُنير،
ومربّياً يترك أثره في العقول والقلوب معاً، وتبقى بصمته راسخة في ذاكرة دار
العلوم، وفي وجدان من تتلمذوا عليه ونهلوا من علمه وتشرّبوا من لغته وبيانه.
فاللهم اجزه عن
العربية وآدابها ونقدها خير الجزاء، وبارك في علمه وأثره، وارفع درجته في الدنيا
والآخرة، واجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأدم ذكره العاطر في طلابه ومحبيه،
واجعل آثاره العلمية مناراتٍ هاديةً، ما بقي للأدب لسان، وللنقد بصيرة، وللعربية
إشراق.
اقرأ أيضًا:
د. حلمي القاعود.. فارس الهوية والأصالة
سادن العربية ومجمع البحرين.. قراءة في فكر د. سعد مصلوح ومنهجه البلاغي
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً