معلمة من غزة تؤسس مدرسة للأطفال النازحين في مصر

هديل أحمد

06 أكتوبر 2026

6

معلمة تشرح للاطفال في الفصل

في 5 أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم بـ«اليوم العالمي للمعلمين»، تقديراً لمن يحملون مسؤولية بناء الأجيال، لا بتلقين المعرفة فحسب، وإنما بالإسهام في تشكيل الإنسان وصون قدرته على التعلم والنمو في مختلف الظروف.

وقد اختير هذا التاريخ لإحياء ذكرى اعتماد توصية منظمة «يونسكو» و«منظمة العمل الدولية» بشأن أوضاع المدرسين عام 1966م، وهي وثيقة أرست معايير تتصل بحقوق المعلمين ومسؤولياتهم، وإعدادهم وتدريبهم، وتوظيفهم، وظروف التعليم والتعلم.

ومنذ عام 1994م، أصبح هذا اليوم مناسبة عالمية للتذكير بمكانة المعلم، وضرورة توفير الدعم الذي يمكّنه من أداء رسالته وإطلاق طاقاته المهنية.

لكن بعض المعلمين يواجهون ظروفاً تتجاوز حدود الفصل الدراسي، فيتحول التعليم بالنسبة إليهم من مهنة إلى مسؤولية إنسانية، ومن درس إلى وسيلة لحماية ما يمكن حمايته من حياة الأطفال واستقرارهم وهويتهم.

الحرب اقتلعت الأطفال من مدارسهم!

تجسد قصة المعلمة الفلسطينية هديل زعرب هذا المعنى بصورة لافتة؛ فبعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023م، اضطرت هديل وعائلتها إلى مغادرة القطاع والاستقرار في مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء المصرية.

وكغيرها من الأسر الفلسطينية النازحة، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته الحرب؛ أطفال فقدوامدارسهم، وتقطعت صلتهم بمحيطهم التعليمي، وحُرم كثير منهم من انتظام الدراسة بسبب النزوح والظروف الاقتصادية وصعوبة الوصول إلى التعليم الإلكتروني.

بدلاً من أن تتوقف عند خسارة المدرسة، بدأت هديل، بالتعاون مع معلمين فلسطينيين نازحين، بتدريس عدد محدود من الأطفال في مبنى مستأجر، ومع اتساع الحاجة، تحولت المبادرة إلى مدرسة مجانية أصبحت تخدم نحو 400 طالب وطالبة تتراوح أعمارهم بين السادسة والثامنة عشرة، بعد أن بدأ العدد بنحو 150 طالباً في عامها الأول.

وهكذا نشأت في العريش مساحة تعليمية لا تقدم الكتب والدروس وحدها، بل تمنح الأطفال شيئاً فقدوه مع الحرب.

التعليم في مواجهة النزوح

تشير تقديرات «يونيسف» إلى أن أكثر من 14 ألف طفل فلسطيني في سن الدراسة نزحوا إلى مصر منذ اندلاع الحرب، وقد وصل بعضهم إلى البلاد للعلاج من إصابات تعرضوا لها، بينما قدم آخرون مع أسرهم بحثاً عن مكان أكثر أمناً، في وقت يحتاج فيه كثير من الأطفال إلى الرعاية الطبية أو التأهيل بعدما مروا به.

وتزداد صعوبة الوصول إلى التعليم بالنسبة إلى بعض الأسر بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم امتلاك الأجهزة اللازمة، أو صعوبة تحمل تكاليف الاتصال بالإنترنت، وفي مثل هذه الظروف، يصبح توفير مدرسة فعلية أكثر من خدمة تعليمية؛ إنه تدخل عملي يحول دون أن يصبح النزوح سبباً إضافياً لفقدان مستقبل الأطفال.

وتغطي تكاليف المدرسة ومستلزماتها بدعم من مؤسسة مصر الخير، بما يسمح باستمرار المبادرة وتقديم التعليم للأطفال دون تحميل أسرهم أعباء إضافية

المعلم حين يحمل رسالة تتجاوز المهنة

يأتي اليوم العالمي للمعلمين هذا العام ليذكّر بأن قيمة المعلم لا تقاس بما يقدمه داخل الصف وحده، بل بما يستطيع أن يصنعه في حياة طلابه حين تضيق الظروف.

فالمعلم في أوقات الأزمات قد يكون أول من يعيد للطفل إحساسه بالاستقرار، وأحد من يساعده على استعادة ثقته بنفسه، وحارساً لذاكرته وهويته، وجسراً يربطه بالمستقبل بعدما حاولت الحرب أن تقطع صلته به.

ومن هنا، فإن دعم المعلمين في مناطق النزوح والحروب ليس ترفاً ولا قضية مهنية منفصلة عن الواقع الإنساني، إنه جزء من حماية حق الأطفال في التعلم، ومنع الأزمات الطارئة من التحول إلى خسائر تمتد آثارها لسنوات.

لقد فقد هؤلاء الأطفال بيوتاً ومدارس وأماكن ألفوها، لكن مدرسة صغيرة في العريش تفتح أمامهم باباً آخر؛ أن يبقى التعليم ممكناً، وأن تظل الطفولة قادرة على الضحك، وأن يتحول المعلم، في أحلك الظروف، من ناقل للمعرفة إلى صانع للأمل.

الهوامش
  • 1 منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، اليوم العالمي للمعلمين – 5 أكتوبر.
  • 2 الجزيرة نت
  • 3 اليونسكو، Recommendation concerning the Status of Teachers (1966)
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة