الجريمة والعدالة في الفضاء الدرامي العربي

تتجاوز الجريمة في جوهرها الدرامي كونها فعلاً يتجلى خارج سياقات القوانين فهي في يقيني زلزال يضرب بنية المجتمع، تاركاً وراءه انكسارات لا تلتئم إلا بتدخل العدالة، سواء كانت هذه العدالة إلهية أو قانوناً وضعياً، فالعدالة شهقة الحياة لذلك الإنسان المسحوق على مدار رحلته الأزلية في البحث عن الإنصاف.

ومن هنا، فإن حضور الجريمة والعدالة في الدراما العربية مهم إلى حد كبير، فنحن حينما نكتب عن المجرم، فنحن في واقع الأمر نكتب عن الضحية التي تتوارى وراءه، وحين ننادي بالعدالة، فنحن نبحث عن ذلك التوازن المفقود بين الحق والواجب، وبين مطرقة السلطة وسندان الضعف الإنساني الشفيف!

المسرح.. المحاكمة فوق الخشبة

ما يزال المسرح المعبر هو الأول الذي تجسدت الجريمة على خشباته بأشكالها المتعددة جاء أكثرها معنوياً كفعل صادم استطاع خلخلة أمن الجماعة الإنسانية، فقد شهدت بداياته في مصر، حيث اكتفت بدور الواعظ، جعل من الجريمة فعلاً شريراً يعاقب عليه في نهاية العرض بانتصار الخير الفطري.

في مسرحية «لوكاندة الفردوس» (مصر، 1964م) التي غاصت في كواليس الجريمة والمطاردات، ومع صعود تيار الواقعية في منتصف الستينيات، أصبحت الجريمة جزءاً لا يتجزأ من المجتمع؛ ما جعل مسرحيين مثل سعد الدين وهبة، ويوسف إدريس، وألفريد فرج، يدركون أن الجريمة الكبرى تزييف وعي الإنسان واستلاب حقوقه، وهو ما ظهر في مسرحية «سكة السلامة» (مصر، 1964م)، حيث وجدنا الجميع مجرمين وضحايا في ذات الوقت؛ فالجريمة هنا جريمة الزيف الاجتماعي والهروب من مواجهة الذات، أما العدالة، فلم تكن حكماً قضائياً، بقدر ما كانت لحظة كاشفة واجه فيها الإنسان عوراته.

وبالانتقال إلى المسرح الخليجي، نجد ارتباط الجريمة بالخروج عن روح الجماعة الشعبية أو تغول الجشع بفعل الطفرة المادية؛ فمنذ السبعينيات اتخذت الجريمة في موضوعات المسرح الكويتي النصب والاحتيال الصريح كما في مسرحية «بني صامت» (الكويت، 1975م)، لتناقش نهب حقوق الآخرين، و«قاضي الفريج» (الكويت، 1981م).

أما في المسرح المعاصر، فنشير إلى مسرحيات مثل «عنق الزجاجة» (الكويت، 2013م)، و«مجاريح» (الإمارات، 2019)، و«من زاوية أخرى» (الكويت، 2025م) حيث تُعرض جرائم القهر الاجتماعي والنظرة الطبقية والظلم المباشر، لتتحول الخشبة إلى قاعة محكمة كاملة الأركان، تبحث عن عدالة تتجاوز القضبان لتصل إلى تطهير النفس من دنس الفعل الإجرامي سواء كان ذلك صريحاً أو مُكنى عنه.

الشاشة الصغيرة.. محكمة العدل اليومية

إذا كان المسرح يمثل نخبوية المواجهة، فلا نكون مبالغين حين نقول: إن الدراما التلفزيونية تمثل ديمقراطية العدالة، فعبر هذا الوسيط الأليف، تغيرت طبيعة الجريمة وتحولت من عرض اجتماعي أو حدث عابر إلى مرض مزمن؛ ما دفع صناع الدراما إلى أن يجعلوا منها قضية أمن قومي.

وواضح جداً كيف تبدو الجريمة بمعناها الحرفي (قتل، سرقة، اتجار بالقيم، الأخلاق، المخدرات والأعضاء البشرية)، لتصبح هذه القضايا الخيط الدرامي الذي يربط المشاهد بالشاشة في فترة الثمانينيات وما بعدها.

ففي الدراما المصرية، صاغت أعمال أسامة أنور عكاشة مفهوم العدالة كحق اجتماعي وتاريخي؛ ففي «الشهد والدموع» (مصر، 1983م) كان شاهداً على جريمة أكل مال اليتيم والمحرك الفعلي للوجع الإنساني، وتحقق العدالة في النهاية، بالتطهير النفسي والندم ورد الأموال المغتصبة.

و«ليالي الحلمية» بأجزائه الخمسة (مصر، 1987 حتى 1995م) الذي ركز على جريمة الانفتاح الاقتصادي الذي يدهس القيم، أما العدالة؛ فقد جسدها في المحاولات المستميتة لاسترداد حقوق الطبقة المتوسطة والمهمشة.

ويأتي مسلسل «البريئة» (لبنان، 2021م) ليعالج الجرائم الاجتماعية كتشويه السمعة والطموح القاتل لينتهي بإنصاف العدالة للأمومة، أما في الدراما التلفزيونية الخليجية فالوضع مختلف؛ فالجريمة في المنتج الدرامي الكويتي الكلاسيكي تمثلت في معاني العقوق، والجشع، أو تفتيت وحدة الأسرة، أما العدالة فاتخذت الطابع الأبوي الذي يجتهد في تصحيح ما أفسدته الحياة العصرية.

ومع تطورها، بدأت الجريمة تأخذ أبعاداً أكثر جرأة؛ فطرحت نماذج من جرائم مسكوت عنها؛ كظلم المرأة، أو تهميش بعض الفئات، أو الفساد الإداري، لتصبح العدالة مواجهة؛ ولا تكتفي بإلقاء المجرم في السجن، بل تعريه أمام مجتمعه، فالدراما الكويتية المعاصرة أدركت أن العدالة المنقوصة جريمة في حد ذاتها، فانتهت كثير من الأعمال بتساؤلات معلقة لتبقي أثرها في ذهن المشاهد حول مسؤوليته كفرد في تحقيق العدالة داخل محيطه الصغير. 

فقدمت «خرج ولم يعد» (الكويت، 1982م) لمناقشة جريمة النصب المادي، و«الغرباء» التراثي (الكويت، 1984م) الذي رصد جريمتيّ النهب والقتل تحت وطأة الاحتلال المتخيّل للمدينة، و«كحل أسود قلب أبيض» (الكويت، 2017م) الذي تناول جرائم التهريب، ومسلسل «أمنيات بعيدة» (الكويت، 2019م) وناقش جرائم الخطف والتزوير.

أما في العقدين الأخيرين، فظهرت مسلسلات ترصد الجريمة الجنائية المنظمة المعروفة بجرائم القتل المتسلسل «ريا وسكينة» (مصر، 2005م)، و«سجن النسا» (مصر، 2014م) الذي تعرض لجرائم القتل العمد، ولا ننسى الجريمة الاجتماعية في «تحت الوصاية» (مصر، 2023م) الذي رصد سرقة الحقوق والوصاية على الأبناء.

وثمة ملاحظة مهمة، وهي أن الدراما في كافة الأقطار العربية اشتركت في تقديم نمط «المجرم الضحية»، الذي تدفعه الظروف لارتكاب أفعال يرفضها قلبه ويجرمها القانون، فتقف الدراما لتشرح الدوافع، وتتحول العدالة هنا من قاضٍ يحكم بالقصاص إلى مبضع جراح يفهم ويعلل ويرشد ليظل السؤال: كيف يمكن للقانون أن يتسم بالعدالة إن لم ير بعين قلبه الدوافع التي شكلت تلك الدوافع؟

السينما.. نافذة المواجهة

في رصد هذه القضية، ظهر تحول المفهوم من ميلودراما الجزاء إلى واقعية المواجهة في السينما المصرية، بخاصة في أعمال عاطف الطيب، وصلاح أبو سيف، التي قدمت الجريمة كنتاج اجتماعي، بل إن فيلماً مثل «جعلوني مجرماً» (مصر، 1955م) الذي رصد أثر الجرائم الجنائية على حياة مرتكبها بعد نيل جزائه، استطاع تغيير القوانين وتدخّل في تعديل بنية العدالة الجنائية.

ومع صعود تيار الواقعية الجديدة، تحول مفهوم الجريمة باتجاه فساد المؤسسة نفسها، ففي فيلم «البريء» (مصر، 1986م)، نجد مفارقة جداً موجعة؛ حيث يتحول حامي العدالة إلى أداة لارتكاب جريمة قمع باسم القانون.

أما في أفلام وحيد حامد؛ «الإرهاب والكباب» (مصر، 1992م)، و«طيور الظلام» (مصر، 1995م) صار الفساد السياسي هو الجريمة، والعدالة حلماً مستحيلاً لا يتحقق إلا بالتمرد.

أما السينما الخليجية، فقد بدأت بصرخة العدالة المدوية في فيلم «بس يا بحر» (الكويت، 1972م) الذي أدان مبكراً استغلال الفقراء وقسوة المنظومة الاجتماعية، و«وجدة» (السعودية، 2012م) الذي رصد جريمة قهر الحقوق الإنسانية البسيطة للفتاة، و«تورا بورا» (الكويت، 2012م) الذي ناقش جريمة الإرهاب، و«سيدة البحر» إنتاج مشترك (الإمارات، السعودية، العراق، 2019م) الذي عرى جريمة التضحية بالبنات في جو خرافي، كعدالة رمزية تكمن في قدرة الضحية على المواجهة وانتزاع الاعتراف بجرائم المجتمع تجاهها، كما تضع السينما الخليجية المعاصرة المجتمع في قفص الاتهام، وتعتبر الصمت على الظلم جريمة كبرى عبر «شيابني هني» (الكويت، 2023م).

بأي حال، السينما العربية لم تقدم ما يتم تدوينه حرفياً في محاضر الشرطة، فحاولت معالجته درامياً في محاكمات أخلاقية بوضع الجريمة تحت مجهر الكاميرا بكل قسوتها، لتبحث عن عدالة القصاص، سواء كان بقانون تنفذه الشرطة، أو قدر ينهي حياة المجرم بنفس سلاح جريمته، فتعيد تعريف الجريمة كفعل يشوّه إنسانية الإنسان، والعدالة بوصفها محاولة مستميتة لاستعادة تلك الإنسانية.



اقرأ أيضاً:

الدراما والدين.. الوقوع في فخ النمطية!‏

صورة رجل الدين في الدراما والسينما العربية

التحول السلبي لشخصية التاجر.. بين الشرف والنفوذ في الدراما العربية

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة