عاشوراء في الذاكرة الشعبية والأدبية.. ليلة في حب موسى والحسين

عاشوراء في الذاكرة الشعبية والأدبية.. ليلة في حب موسى والحسين

يتوهّج يوم عاشوراء في الذاكرة العربية والأدب العربي بحضور قوي منذ صدر النبوة بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه صيانة لذكرى نجاة موسى عليه السلام من سهام فرعون، ثم تأكدت كرامة ذلك اليوم وجلالته في عاطفة المسلمين بموافقته استشهاد الحسين رضي الله عنه حفيد النبي صلى الله عليه وسلم على يد ظالميه. 

ولاعتبارات سياسية متضاربة، تم سحب الذكرى الطيبة لليوم إلى ميدان الحزن والعزاء مرة، وإلى ميدان الفرح المُكايِد مرة أخرى. لكن مع الزمن استطاعت الروح الشعبية العامة، خاصة في مصر، إعادة اليوم إلى فضائه النقي، واستقر حضوره كرمز للنجاة والبركة والبطولة والسخاء، وصار مزاحمًا لمواسم الأعياد والوقفة وهلال رمضان وغير ذلك من فضاءات الاحتفاء بنجاة موسى وبطولة الحسين.

 ومع الوقت تركزت الذاكرة الذهنية الجمعية أكثر في اتجاه ذكرى الحسين رضي الله عنه لكن في سياقها الاحتفائي الزاهي؛ فظل الحسين هو بطل المشهد في الاحتفاء الشعبي والتناول الأدبي؛ حيث تحول اليوم إلى موسم للوصل وتواشيح لتأكيد محبة آل البيت وأكل الحلوى، وانخلع الموسم من فضائه السياسي المُغلق إلى اعتبارات أخرى أكثر براءة كان هدفها حراسة الذكرى الطيبة عبر مسار الفرحة والبركة، فهكذا ترجمها الفولكلور الشعبي، لا سيما المصري، الذي احتضن المسافات المتضاربة الخاصة بالاحتفال في عهد الفاطميين ثم الأيوبيين ثم المماليك ثم العثمانيين.

مكة تتزين.. والعراق تكسو المساكين

نَمَتْ الظلال الشعبية الحارسة ليوم عاشوراء مبكرًا، واكتست زي الاحتفاء الباعث على السرور في القرون الهجرية الأولى، فإضافة إلى مساحته التعبدية الخاصة بمندوبية الصيام شكرًا لنجاة نبي الله موسى، احتضنته العامة في الحجاز في سياقات الاحتفال وتوسيع العطاء كمُذكِّر بالبطولة والشهادة في سبيل الله؛ حيث استقر عاشوراء في الوجدان الإسلامي العام بوصفه رمزية للسخاء وداعيًا إليه. وفي ذلك يذكر المقدسي (ت 380 هـ) في "أحسن التقاسيم" أن يوم عاشوراء بمكّة كان يوم زينة وتجمُّل وبسط في الرزق والرداء والعطاء يستوي فيه العالم والعامي في استقباله ووداعه.

ويتسع مقام الاحتفاء أكثر في العراق تماشياً مع طبيعة شعبه صاحب العاطفة الدينية الظاهرة والتقاليد الابتهاجية اللافتة فينقل ابن بطوطة (ت 779 هـ) في رحلته الشهيرة ممادح أحد الوجهاء الذين قابلهم (شمس الدين) في إحدى الزوايا فيقول: "ووافقنا عنده يوم عاشوراء فصنع طعاماً كثيراً ودعا وجوه العسكر وأهل المدينة ليلاً وأفطروا عنده وقرأ القراء بالأصوات الحسنة وحضر الفقيه الواعظ مجد الدين القونوي، ووعظ وذكّر وأحسن ثم أخذوا في السماع والرقص وكانت ليلة عظيمة الشأن".

وفي سياق قريب ينقل ابن الجوزي (ت 597 هـ) في صفة الصفوة أن أحمد بن محمد البزاز قال: كنت بعبادان (مدينة بخوزستان) وكانت ليلة عاشوراء، فدخلت إلى دار السبيل فرأيت فقيراً جالساً يأكل خبز الشعير وملحاً جريشاً فاحترق قلبي عليه، وكان معي ألف دينار للتفرقة بعبادان فسألت عنه فقيل: هو أفضل من ههنا في الزهد ومنازلة الفقر فقلت في نفسي: أعطيه الدنانير التي معي فإني لا أعرف المستحقين. فلما أصبحنا قصدته وسلمت عليه وجلست إليه وباسطني وباسطته فقلت له: رأيت الشيخ البارحة يأكل خبز الشعير ومِلحاً جريشاً وأعلم أنه كان صائماً، فحملت إليه شيئاً ليتحكم فيه. وقدمت إليه الكيس وقلت له: هو ألف دينار. فشدّد النظر وقال: "خذه فإن هذا جزاء من أفشى سره إلى الناس".

وما تحويه تلك المشاهد من دلالات محبة اليوم وقوة حضوره في الناس يسوِّغ تسلله الطويل عبر السنوات والقرون في التلقي الجمعي، وتقارب وجهيه التعبدي والاحتفائي، وتأثيره في الأجيال المتتالية.

العاشورة المصرية.. طَبق يحكي التاريخ

أما في الذاكرة الشعبية المصرية ذات الخصوصية المنفعلة دوماً بفاعليات البهجة وسيرة الأنبياء وبركات الأولياء الصالحين فنجد يوم عاشوراء فيها يزاحم المواسم الكبرى كالعيدين وأول رمضان ومنتصف شعبان وليلة الإسراء والمعراج، وقد بدأت احتفالات عاشوراء المصرية مبكراً في مستواها الشعبي تحت ظلال التوجيه الفاطمي الذي كان يحصر اليوم في مساحة للحزن والحداد والابتئاس بعيداً كثيراً عما صار إليه شكل استقباله بعد ذلك بسنين؛ حيث إنه مع سقوط الفاطميين وحضور الصوفية السنية مع صلاح الدين تغير مزاج اليوم وطقسه العام ليصير أقرب لموسم بهيج؛ حيث استطاع المصريون ضفر نجاة موسى عليه السلام ببطولة الحسين رضي الله عنه، وصناعة يوم للتاريخ.

ومع الوقت صار لليوم "طبق" مخصوص يُسمى بطبق "عاشورة"، وهو عبارة عن دقيق قمح ولبن وسكر ونشا وقطع مستكة مذابة، وبعض المكسرات، وقد يُغني عن ذلك في الريف طبق الأرز بلبن. 

وقد ظلت الاحتفالات باليوم سارية في البيوت الشعبية حتى قلدته بيوت السلاطين، فيروي د. عرفة عبده في كتابه "حكايات مصرية" أن الحاج أحمد الكبير (أحد أثرياء عابدين) كان يرسل إلى سراي عابدين كل عام اثني عشر أردبّاً من القمح قبل موسم عاشوراء هدية للخديوي إسماعيل حتي يصنع منها "العاشورة" على عادة المصريين وردّاً علي تحية الخديوي لجيرانه في المواسم والأعياد؛ فقد كان الخديوي يرسل إلى جيرانه في حي عابدين أو إلى أعيانهم صواني الأطعمة الفاخرة في غرة شهر رمضان وفي ليلة القدر، كما كان يرسل لبيوت هؤلاء الأعيان من أبناء البلد الحلوى في عيد الفطر وفي غير ذلك من مناسبات.

وعلى عادة أبناء البلد رأي الحاج الكبير الرد على الهدية فكان يرسل هذه الكمية من القمح إلى القصر كل عام محمولة... وكان طبق العاشورة الخديوي من البورسلين الفاخر ويبلغ قطره حوالي خمسين سنتيمترًا وعمقه حوالي ٢٠ سنتيمترًا، وهو مزخرف متقن الصنع، بل إنه من التحف الفنية الرائعة ولم يكن الخديوي يسترد الاطباق الفارغة بالطبع، فكان  هؤلاء الأعيان يحتفظون بها في بيوتهم ويتباهون بها، ويقول الواحد منهم لصاحبه: "هذا طبق الخديوي"، ومع تعدد مواسم عاشوراء كثر عدد هذه الأطباق عندهم وتعددت أشكالها وألوانها، وقد ظل أبناء الحاج الكبير يرسلون القمح الي سراي عابدين كل سنة حتي عهد الملك فؤاد.

عاشور الناجي اسم الله عليه!

تحت ضغط الأُنس الشعبي الطويل الذي احتضن يوم عاشوراء اختار نجيب محفوظ لملحمته الشهيرة "الحرافيش" بطلاً استثنائيّاً في ميلاده ونشأته وحياته وطبيعة إطلالته الأولى بين الناس، وكان أكثر ما لفت الخلق إليه هو الاسم الكبير الضخم الضارب بجذوره في قاموس المواسم المصرية إنه "عاشور".

ويجد القارئ في أول الملحمة أن اسمه هذا لم يختره له أبوه أو أمه، بل قدره الذي أخفى عنا الأبوين حيث اختارته له السيدة العجوز، لأن اسم عاشور كان على اسم أبيها، والاسم مشتق من اليوم العظيم "عاشوراء" الحاضر كثيراً في أدب محفوظ.

وكذلك ظلال عاشوراء في"الثلاثية" خاصة "بين القصرين" حيث نجد ذكرى الحسين مُطلّاً باستمرار، ومع أول ظهور للشيخ متولي عبد الصمد بعد غياب ودخوله دكان السيد أحمد عبد الجواد يضع "سي السيد" تقويمه الخاص بعاشوراء فيقول للشيخ: "أوحشتنا يا شيخ متولي.. منذ عاشوراء لم نستمتع برؤيتك"..

ليلة عاشوراء.. رواية الوجع

وفي التسعينيات قدم الأديب صلاح والي روايته الثائرة القاتمة بعض الشيء تحت عنوان "ليلة عاشوراء" وحاول فيها أن يُوجد همزة وصل خشنة بين المعنى المستقر لواقعة عاشوراء التاريخية وبين مساحتها في الاجتماع المصري وروحه المهيضة، فعنون روايتها باسمها ليجعلها رمزًا لتحدي الشاب إبراهيم لمخالب المجتمع الحديث الذي يسلبه حريته وإنسانيته ودماءه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة