تمثلات الكعبة والحج في كلام العرب

تمثلات الكعبة والحج في كلام العرب

ظلّ الحج في الوجدان العربي أكثر من مجرد عبادةٍ تؤدّى في زمنٍ معلوم؛ فقد تحول مع الأيام إلى لغةٍ كاملة تسري في الأمثال والتشبيهات، وتتشكل منها صور البلاغة وأخيلة الشعراء والكتّاب؛ حيث صارت الكعبة رمزًاً للهيبة، والحرم مثلًا للأمن، وألفاظ الحج ومشاهده معيناً لا ينضب للتعبير والمجاز.

كسوة الكعبة في كلام العرب

ومن الأمثال التي شاعت في كلامهم قولهم: "أكسى من الكعبة"؛ وذلك لما عُرف عن الكعبة من تعاقب الكسوات النفيسة عليها، حتى غدت رمزاً للزينة والهيبة معاً.

وقد يبلغ أثر الرجل في صاحبه مبلغًا يقلب حاله من الغنى إلى الفاقة، كما قال بعضهم: "اتصلت بفلان وأنا أكسى من الكعبة، وفارقته وأنا أعرى من الحجر الأسود". وهي صورة تجمع الطرافة والمرارة؛ إذ انتقل التشبيه من الكعبة المكسوّة إلى الحجر الأسود الذي لا كسوة عليه.

ومما ورد في الشعر حول كسوة الكعبة قول أحدهم:

زهت بك الخلعة الميمون طائرها * كزهو خلعة بيت الله بالبيت

فشبّه جمال الخلعة وهيبة لابسها بكسوة الكعبة نفسها، وكأن كل جمالٍ يستمد شيئاً من جلال البيت العتيق.

ومن طرائف مجازهم قولهم: "فلان محرم لا للحج"، إذا كان عرياناً؛ لأن المحرم يتجرد من المخيط، فشبّهوا العريان بالمحرم على سبيل الدعابة.

الحرم… موضع الأمن والسكينة

وإذا أراد العرب وصف الأمن الذي لا يخالطه خوف قالوا: "آمن من حمام الحرم"؛ لأن الحمام الذي يأوي إلى الحرم يأمن فيه من الصائد والرامي، فكأن المكان قد خلع على ما فيه سكينةً لا تُنال في غيره.

ثم اتسعت الدلالة حتى صار البيت الحرام نفسه رمزًا لاجتماع الخيرين: الأمن والثواب، فقيل:

"كالبيت فيه لزائريه يجتمع الأمن والمثوبة". فالكعبة ليست موضع زيارة فحسب، بل موضع طمأنينة ورحمة، ولذلك استعارها البلغاء لكل موضع يأمن فيه الإنسان وينال الخير معاً.

الكعبة رمزاً للمقام الرفيع

ومن فرط حضور البيت الحرام في الخيال العربي صار مثلًا للمقام الذي تُشدّ إليه الرحال، فقيل:

"فلان كالكعبة تُزار ولا تستزار"، أي أن الناس يفدون إليه كما يفد الحجاج إلى البيت العتيق، لما له من قدرٍ ومهابة.

ومن بديع ما قيل في هذا الباب تشبيه المحبوب بالحجر الأسود؛ وذلك في قول أحدهم: وأنت الحجر الأسود لو يخلو لقبلته.

وفي هذه الجملة استعارة رقيقة للعاطفة الدينية في تصوير المحبة الإنسانية؛ إذ صار التقبيل غاية التوقير والشوق.

وعلى هذا النسق جاء كلام بديع الزمان الهمذاني في وصف رجل كريم: "حضرته كعبة الكرم، لا كعبة الحرم، ومشعر المحتاج، لا مشعر الحجاج، وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة".

فقد نقل ألفاظ الحج ومشاهده من معناها التعبدي إلى معنى اجتماعي، فجعل الكريم قبلةً للناس كما الكعبة قبلة للمصلين، وجعل مجلسه مشعراً يؤمه المحتاجون كما يؤم الحجاج المشاعر المقدسة.

ألفاظ الحج في طرائفهم 

ولأن الحج كان علامة القدرة والاستعداد، صار نقص أسبابه موضع تندرٍ أحياناً، فقالوا:

"ليس عنده من آلة الحج إلا التلبية"، أي لا يملك إلا الكلام والشعار، أما الزاد والراحلة فمفقودان.

وكذلك قولهم: "أنفقت مالي وحج الجمل"، ويضرب لمن ضاع سعيه وذهب ماله، فكأن الجمل هو الذي نال شرف الحج، أما صاحبه فلم يرجع إلا بالخسران.

أما قولهم: "لجّ فحجّ"، فهو من الأمثال التي تصور العناد الذي يحمل صاحبه على المضي في الأمر وإن شقّ عليه.

ومن ألطف ما ضربته العرب مثلاً قولهم: "ماء طريق الحج"، ويقال للشيء يُستعمل مع ذمّه؛ لأن ماء الطرق في أسفار الحج كان كثيراً ما يكون كدراً أو متغيراً، لكن المسافر يضطر إلى شربه.

وقد صوّر ابن المعتز ذلك تصويرًا بديعاً بقوله:

فماءُ طريقِ الحجِّ في كلِّ منهلٍ * يُذمُّ على ما كان منه ويُشربُ

فجمع في بيتٍ واحد بين الشكوى والاضطرار، وهي حال الإنسان مع أشياء كثيرة في حياته؛ يكرهها ولا يجد عنها غنى.

الحث على الحج وتعظيم شأنه

وفي الأمثال ما يكشف عن المنزلة الكبرى للحج في نفوس المسلمين، مثل قولهم:

"بشر وفد الله بفوائد الدارين"، فالحجاج وفد الرحمن، يجمعون بين منافع الدنيا وثواب الآخرة.

وكذلك قولهم: "لا تكن صرورة إلا عن ضرورة"، والصرورة هو من لم يحج، وفي المثل حثّ على المبادرة إلى هذه الفريضة ما استطاع المرء إليها سبيلاً.

ثم اشتدّ الأمر في بعض المأثور حتى قيل: "من لم يحج فليمت يهودياً أو نصرانياً"، وهو من عبارات التغليظ التي أريد بها تعظيم شأن الحج والحث عليه، لا ظاهر الحكم.

ويعضد ذلك قولهم: "ثلاثة تنفع في الدنيا مع ثوابها في الآخرة: الحج ينفي الفقر، والصدقة ترد البلاء، والبر يزيد في العمر".

فهنا يتحول الحج من عبادة فردية إلى معنى واسع من معاني البركة والسعة.

وهكذا لم يبقَ الحج محصوراً في كتب الفقه والسنة، بل تسرب إلى وجدان الناس ولغتهم، فجرى ذكره في الشعر والأمثال والبلاغة، وصار معجماً رمزياً تستعير منه العرب معاني الأمن والهيبة، والغنى والفقر، والقصد والتوقير. وما ذلك إلا لأن الحج كان - وما يزال - من أعمق الشعائر أثراً في النفوس، وأوسعها حضوراً في الذاكرة الإسلامية واللسان العربي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة