الهدنة في غزة.. لماذا لم توقف قتل الفلسطينيين؟
رغم إعلان
الهدنة في غزة ودخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ما تزال الغارات «الإسرائيلية»
تحصد أرواح المدنيين، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب استمرار قتل الفلسطينيين رغم
الاتفاقات المعلنة، ودور المجتمع الدولي في حماية المدنيين ووقف الانتهاكات.
ليست المشكلة في
غزة أن الحرب لم تنتهِ، بل أن القتل لم يتوقف رغم إعلان الهدنة، فبينما يتحدث
العالم عن وقف إطلاق النار، يواصل الفلسطينيون تشييع ضحايا جدد كل يوم، وكأن
الهدنة لم تكن سوى إعادة تنظيم لآلة القتل، وليس وقفًا لها.
وما يزيد المشهد
قسوة أن المدنيين، الذين يفترض أن يكونوا أول المستفيدين من أي هدنة، ما زالوا
يدفعون الثمن بأرواحهم، في ظل غياب أي حماية فعلية أو مساءلة حقيقية، وهكذا تبدو
غزة اليوم أمام معادلة غير مسبوقة؛ هدنة معلنة، وقتل مستمر، ومجتمع دولي يراقب
المشهد دون أن ينجح في فرض احترام أبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.
استمرار قتل الفلسطينيين رغم الهدنة
وتكشف الوقائع
الميدانية أن الهدنة لم تتحول إلى مظلة حقيقية لحماية المدنيين، فخلال شهر واحد
فقط، ارتفع عدد الشهداء منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ من 1005 شهداء إلى
1123 شهيداً، بزيادة دموية بلغت 118 شهيداً، فضلاً عن مئات الجرحى.
هذه الأرقام
تؤكد أن وقف إطلاق النار لم ينجح في وقف نزيف الدم، وإنما خفف فقط من حجم الحرب
الواسعة، مستعيضاً عنها بنمط الفتك الصامت عبر الغارات والاستهدافات المكررة.
الغارات «الإسرائيلية» تواصل حصد الضحايا
وتتكرر مشاهد
القتل بصورة يومية، ففي الأيام الماضية، استهدفت غارة «إسرائيلية» موجهة جنازة
مشيعين وسط قطاع غزة، فمزقت أجساد 7 شهداء وأصابت أكثر من 20 جريحاً، كانوا يودعون
ضحية لغارة سابقة، في مشهد سريالي يثبت أن العزاء نفسه بات هدفاً عسكرياً مشاعاً.
وتؤكد التقارير
التوثيقية أن يونيو الماضي شهد وحده أكثر من 40 غارة جوية، وهو المعدل الأعلى
تسجيلاً منذ بدء الهدنة؛ ما يثبت بالدليل القاطع أن العمليات العسكرية لم تتوقف،
بل تبدلت طبيعتها لتصبح أقل اتساعاً وأكثر تكراراً واستنزافاً لأرواح المدنيين.
وهنا يبرز
السؤال الجوهري والمخزي في آن واحد: من الذي يمنح «إسرائيل» حق إطلاق النار
والاستمرار في الافتراس رغم وجود هدنة معلنة؟!
القانون الدولي أمام انتهاكات متواصلة
من الناحية
الحقوقية، تهاوت كل المساحيق؛ فالأمر لم يعد مجرد خرق لاتفاق سياسي، بل هو نتاج
حالة من الغرور الأعمى والنشوة المفرطة بالقوة، جعلت الاحتلال يتباهى بجرائمه بصلف
غير مسبوق، ويُعلن عن أهدافه الحقيقية بكل وقاحة ودون مواربة؛ من استيطان كامل،
وتطهير عرقي، وترحيل ممنهج للفلسطينيين.
القانون الدولي
الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949م بمبادئها حول التمييز والتناسب، بات
يُذبح علناً على رصيف غزة؛ فالقوة القائمة بالاحتلال لا تكترث بنصوص الحماية، بل
ترى في الهدنة الدبلوماسية مجرد ترتيب أوراق مريح يمنحها فرصة الانفراد
بالفلسطينيين وافترسهم بعيداً عن الصخب.
إن المأساة لا
تكمن فقط في القصف الموضعي، بل في أن الحصار الخانق والقاتل مستمر كأداة للموت
البطيء، في ظل غياب كامل وتام لأي دول ضامنة؛ فلا الدول الكبرى تحركت لفرض خطوط
حمراء أخلاقية، ولا الدول الصغرى والإقليمية امتلكت الإرادة لكسر هذه المقصلة، الجميع
يقف متفرجاً بينما «إسرائيل» تفترس الفلسطينيين وتستأصل مقومات حياتهم يوماً بعد
يوم.
المجتمع الدولي.. بين العجز والصمت
هذا الانفلات
المحمي بالصمت يضع المسؤولية مباشرة على القوى التي تمسك بمفاتيح الضغط وتمتنع عن
استخدامها، فالولايات المتحدة، الحليف والشريك الفعلي، لا تكتفي بمنح الغطاء
الدبلوماسي والمساعدات العسكرية، بل توفر حصانة سياسية تحمي هذا الغرور من أي
ملاحقة، كما أن الدول الموردة للسلاح شريكة في دمائنا؛ فاستمرار تدفق الذخائر مع
وضوح نية الاحتلال في الاستيطان والتهجير يمثل تواطؤاً قانونياً وجنائياً كاملاً
بموجب قواعد القانون الدولي.
أما مجلس الأمن
الدولي والمجتمع الدولي بأسره، فقد بلغا ذروة العجز؛ إذ لم يعد هناك حتى متسع لعقد
اجتماعات باهتة لمناقشة دماء غزة، بعد أن انشغل العالم، المستسلم أصلاً للصلف «الإسرائيلي»،
بالحرب الأمريكية الإيرانية وتفرعاتها الإقليمية، لقد أزيحت المأساة تماماً عن
طاولة القرار الدولي، لتكشف هذه الحقبة عن الفجوة السحيقة بين نصوص المواثيق
الميتة وقذارة الإرادة السياسية.
القضاء الدولي والعدالة المؤجلة
وحتى القضاء
الدولي، ممثلاً في محكمة العدل، والمحكمة الجنائية الدولية، يثبت عقم آلياته
بطبيعتها البطيئة التي تتحرك بالسنين، بينما يسقط الضحايا بالثواني؛ فالعدالة
المتأخرة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحماية الفورية، ولا تُغني شيئاً عن ردع
المجرم وهو يفترس ضحيته في ظل غياب تام لأي قوى ضامنة.
الهدنة في غزة.. من يوقف قتل الفلسطينيين؟
ليست أخطر مآسي
غزة استمرار القتل، بل اعتياد العالم عليه، فقد تحولت المجازر إلى خبر عابر،
والضحايا إلى أرقام، والهدنة إلى غطاء لا يوقف رصاصة ولا يحمي طفلاً.
ولم يعد السؤال:
من يقتل الفلسطينيين؟ وإنما من يسمح باستمرار قتلهم؟ فمن يملك القدرة على وقف هذه
المأساة ثم يختار الصمت، أو يواصل توفير الغطاء لها، يتحمل نصيباً من مسؤوليتها.
والتاريخ يعلمنا
أن الظلم لا يدوم، وأن الأمم التي تقف متفرجة على المآسي وهي قادرة على تغييرها لا
تنجو من تبعاتها؛ فالإنسانية لا تتجزأ، ومن يتخلى عنها اليوم في غزة، قد يفتقدها
غداً عندما يحتاج إليها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً