قصف فنزويلا.. هل تجاوزت القوة الأمريكية القانون الدولي؟
إذا كنت من
دارسي القانون الدولي، فقد ضيعت سنوات عمرك هدرًا، ها هو القانون الدولي يداس أمام
أعين العالم، ففي 3 يناير 2026م، لم تكن الانفجارات التي هزت كاراكاس عاصمة
فنزويلا مجرد صواريخ استهدفت مقار عسكرية، بل كانت في جوهرها طلقات رحمة أُطلقت
على ما تبقى من جسد القانون الدولي، ومع إعلان واشنطن اعتقال الرئيس الفنزويلي
نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد في عملية عسكرية أمريكية خاطفة، نجد أنفسنا أمام
مشهد سريالي يعيد صياغة العالم وفق منطق القوة فوق القانون.
لا حصانة أمام إرادة القوى العظمى
لطالما تفاخر
العالم الحديث بميثاق الأمم المتحدة الذي بُني على أنقاض الحرب العالمية الثانية
لحماية سيادة الدول ولينهي حقبة الغزو والعدوان(1)، لكن ما حدث في
فنزويلا يثبت أن تلك المواثيق ليست سوى حبر على ورق أمام إرادة القوى العظمى، حيث إن
اقتحام سيادة دولة مستقلة واختطاف قيادتها السياسية يمثل ذروة الاستخفاف بمنظومة
القواعد العالمية، فإذا كان القانون لا يحمي رؤساء الدول، فمن سيحمي الصغار؟
التبرير الأخلاقي مقابل العوار القانوني
على الرغم من
افتقار نظام مادورو إلى الشرعية الديمقراطية، لما شهدته عملية انتخابه عام 2024م
من مخالفات وتجاوزات قانونية، بخلاف الانتهاكات العديدة لحقوق الإنسان التي
ارتكبتها حكومته بما في ذلك قتل المتظاهرين التي تزيد من انعدام شرعيته، ومع ذلك
فإن شرعية تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة تبقى موضع
جدل كبير(2).
تحاول واشنطن
تبرير العملية على أنها مهمة إنقاذ قانونية وأخلاقية لتخليص الشعب من الطغيان
ومكافحة الجريمة المنظمة كتجارة المخدرات التي تتهم بها مادورو، ولكن في ميزان
القانون الدولي يظل هذا التحرك عملاً من أعمال العدوان، فلا توجد مادة تمنح دولة
الحق في تنصيب نفسها قاضيًا وجلادًا في آن واحد.
إن تجاوز «مبدأ
سيادة الدول» الركيزة الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة، وانتهاك حظر استخدام القوة
المسلحة إلا دفاعًا عن النفس، وتجاهل دور مجلس الأمن(3)؛ يفتح الباب
على مصراعيه لفوضى عالمية، حيث يمكن لأي قوة إقليمية مستقبلاً أن تبرر غزو جيرانها
تحت مسميات مشابهة.
العالم الذي استيقظ
على اعتقال مادورو، استيقظ أيضًا على حقيقة مريرة؛ أن النظام الدولي الذي بُني بعد
عام 1945م قد فارق الحياة، ليحل محله نظام البقاء للأقوى!
كاراكاس في مرآة الماضي.. هل يعيد التاريخ نفسه؟
إن المشهد الذي
نرقبه اليوم في كاراكاس ليس بجديد على الذاكرة السياسية في القارة الأمريكية؛ بل
لها سوابق تاريخية شهيرة تعكس نهجًا تدخليًا استخدمته واشنطن وتكرر عبر العقود
لقلب موازين القوى، خاصة في منطقة أمريكا اللاتينية، فما أشبه الليلة بالبارحة.
فبالعودة إلى
عام 1989م، نجد النسخة الأصلية لهذا السيناريو في غزو بنما، عندما تحركت الآلة
العسكرية الأمريكية لإطاحة واعتقال الجنرال مانويل نورييغا، الرئيس الفعلي للبلاد،
تحت ذريعة مكافحة تجارة المخدرات، ومن المفارقات العجيبة أن نورييغا استسلم في ذات
التاريخ 3 يناير 1990م، ليُنقل مكبلاً إلى المحاكم الأمريكية، في مشهد يتكرر
بتفاصيله مع نيكولاس مادورو(4).
ولم تكن بنما
وحدها ضحية لهذا النهج، فالتاريخ يسجل قائمة طويلة من التدخلات، بدءًا من غزو
جزيرة غرينادا في الكاريبي عام 1983م، والإطاحة بالحكومة العسكرية وتنصيب حكومة
موالية لواشنطن خلال أيام، وصولاً إلى التدخل العسكري في هايتي عام 1994م، لإجبار
المجلس العسكري الحاكم على التنحي وإعادة الرئيس المخلوع جان برتران أريستيد، في
كل تلك المحطات كانت الذرائع تتراوح بين حماية الديمقراطية وإنفاذ القانون، لكن
القاسم المشترك الوحيد كان دائمًا تجاوز سيادة الدول وتجاهل مواثيق الأمم المتحدة(5).
إن استدعاء هذه
السوابق اليوم يثبت أننا لسنا أمام واقعة استثنائية، بل أمام استمرارية لسياسة
تمنح القوة العظمى حق الاختطاف القانوني للقادة الأجانب.
فنزويلا 2026م.. عندما يتغير وجه اللعبة
رغم تشابه
السيناريوهات، فإن الفارق الجوهري هذه المرة يكمن في توقيت الحدث؛ ففي عام 2026م،
لم يعد العالم ساحة مفتوحة لقطب واحد، ودهس القانون الدولي في فنزويلا قد لا يمر
ببساطة كما مر في بنما أو غرينادا، بل قد يكون الفتيل الذي يشعل صراعًا دوليًا
يتجاوز حدود القارة اللاتينية، وذلك لسببين:
1- ثقل فنزويلا
الإستراتيجي: فنزويلا ليست جزيرة صغيرة مثل غرينادا أو بلدًا صغيرًا مثل بنما؛
إنها قوة نفطية كبرى تمتلك تحالفات مع خصوم واشنطن، والاعتقال هنا لا يستهدف
رئيسًا فحسب، بل يضرب مصالح إستراتيجية كبرى لروسيا والصين، اللتين غالبًا لن تقفا
مكتوفتي الأيدي أمام تقويض نفوذهما في الفناء الخلفي لأمريكا.
2- تحدي النظام
العالمي: في القرن الماضي، كان العالم يذعن لمنطق القطبية الأحادية، اليوم يأتي
هذا الفعل في وقت يغلي فيه العالم بصراعات جيوسياسية، تشكك في قدرة واشنطن على
قيادة العالم منفردة(6)، وما حدث اختبار مباشر لهيبة الأقطاب الصاعدة؛
ما يجعل من فنزويلا ساحة محتملة لصراع دولي أوسع بكثير من مجرد عملية اعتقال.
هل يمكن إعادة هيبة القانون الدولي؟
إن أحداث 3
يناير 2026م ستظل علامة فارقة في التاريخ الحديث، ليس فقط لأنها غيَّرت النظام في
فنزويلا، بل لأنها كشفت آخر أقنعة النظام العالمي، اليوم لم تُعتقل القيادة
الفنزويلية فحسب، بل اعتُقلت معها هيبة القانون الدولي، ليُترك العالم تحت سطوة
القوة، في مشهد يؤكد أن العالم عاد ليُحكم من جديد بلغة البوارج لا بلغة
الدبلوماسية.
السؤال الذي
يطرح نفسه اليوم: هل سيقف أحد لإعادة توازن الأمور قبل أن تتحول إلى فوضى شاملة؟
اقرأ أيضاً:
السيادة أم التبعية في أمريكا اللاتينية.. اعتقال الرئيس الفنزويلي كاختبار للدور الأمريكي
_______________
(1) حازم
الببلاوي (2020)، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب– الكويت، سلسلة عالم المعرفة (257).
متاح على: https://www.osboha180.com/evaluation/books/875b.pdf
(2) Nizar Messari. (2025). The United States and
Venezuela: Beyond The Bilateral Dimension, Policy Center for the New South,
POLICY BRIEF N° 66/25. At:
https://www.policycenter.ma/sites/default/files/2025-12/PB_66-25%20%28Nizar%20
(3) United Nations. (1945). United Nations Charter (full
text) At: https://www.un.org/en/about-us/un-charter/full-text
(4) Adrian Mihai DIACONU. (2015). The United States 1989
Military Intervention in Panama, Revista Academiei Fortelorĥ Terestre, NR. 2 (78). At:
https://www.armyacademy.ro/reviste/rev2_2015/Diaconu.pdf
(5) Daniel P. Gosselin. (1998). Jus ad Bellum and the 1983
Grenada Invasion: The Limits of International Law, Canadian Forces College. At:
https://www.cfc.forces.gc.ca/259/260/261/gosselin2.pdf
(6) محمد
أحمد مرسي (2019)، القوة في الصراع الدولي.. فنزويلا نموذجًا، مجلة السياسة
الدولية، العدد 2015، المجلد 54، متاح على:
https://www.siyassa.org.eg/Media/News/2021/2/3/2021-637479844631752963-175.pdf