خبراء يكشفون أسرار وقوع المتعلمين والمثقفين في شباك السحرة

محمد العبدالله

16 ديسمبر 2025

1119

الجهل يغتال العقل وينشر الغبش ويطفئ وهج النفس ووعيها، ويورث الكسل، في أرضه تخصب الخرافة والأسطورة، ويكثر الدجالون والمشعوذون، وفي سوقه يباع الوهم وتربح البضاعة الكاسدة ويتصدر المشهد العامة والدهماء.

ومع العلم يتبدد الظلام وتنشط النفس وتزكو، وتسطع سوق الحقيقة وتربح المعرفة، لا مكان إلا نشر الوعي وترسيخ الحقائق، والاعتراف بفضل العلم.

لكن عندما تختلط الأوراق ويقع المتعلّمون في شراك أصحاب الدجل، تحتار العقول، وتنفر النفوس، وتنقلب الموازين، فيتحول الصياد إلى فريسة، والمعالج إلى مريض، وصاحب الوعي إلى غريق، والمرشد إلى تائه.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء النفس والسلوك لتحليل هذه الظاهرة الغريبة، وكيف يقع المتعلّمون والمثقفون وأصحاب الوعي في شباك أنصاف المتعلمين والجهال، ويخضعون لدجلهم ويستسلمون لزيفهم، هل هو القلق أم التوتر، أم ضعف بشري أم ديني، أم كثرة المعرفة تحوّلت إلى تخمة أثقلت العقل والنفس معاً؟

السحر الرمزي وفخ الوكالة الزائفة

حول هذه الظاهرة الغريبة، يقول د. محروس سليمان، أستاذ علم النفس التربوي المساعد، في حديثه لـ«المجتمع»: إنه رغم اتساع رقعة التعليم وانتشار المعرفة، ما تزال أنماط التفكير الخرافي وطقوس «السحر الرمزي» تظهر بين الفئات المتعلمة.

ويضيف أن هذه الظاهرة لا ترتبط بالجهل بقدر ما ترتبط بعوامل نفسية ومعرفية معقدة، حيث تشير الدراسات في علم النفس التربوي إلى أن الإنسان، حين يتعرض للقلق الشديد والغموض وصعوبة التنبؤ والتوتر المرتبط بالقرارات المهمة وفقدان السيطرة، يميل إلى البحث عن أي شكل من أشكال التفريغ النفسي وحل المشكلة حتى لو كان قائمًا على أوهام أو طقوس رمزية.

ويوضح سليمان أنه في هذه اللحظات يضعف التفكير المنطقي، ويظهر ما يسمى بـ«الوكالة الزائفة»، حيث يربط العقل أحداثًا لا علاقة بينها، مثل استخدام قلم معين للنجاح أو لون معين أو اتباع طقوس الشعوذة والطاقة لجلب الحظ.

ويتابع: المتعلمون ليسوا في مأمن من هذا النمط؛ فامتلاك المعرفة لا يعني امتلاك مهارات التفكير النقدي وارتفاع الذكاء الأكاديمي لا يعني توافر الذكاء الوجداني والنفسي، كما أن بعض البيئات التعليمية تعزز الحفظ أكثر من التحليل؛ ما يجعل الفرد يحمل معلومات كثيرة لكنه يفتقر لأدوات التحقق وإصدار الأحكام الصحيحة، ولذا قد يمارس الخرافة والشعوذة ولكن بمفردات حديثة، مثل الذبذبات أو الطاقة الكونية، دون وعي بأنه يعيد إنتاج التفكير الخرافي بشكل عصري.

وينوّه سليمان بأن الفرق بين المتعلم وغير المتعلم أن الأخير يتبنى الخرافة بوضوح، بينما يمارس المتعلم الخرافة المقنعة عبر لغة علمية أو منطق خاص، مثل هذا ليس سحرًا؛ إنها طاقة كونية، فالمتعلم يرفض السحر لفظيًا، ويعيد إنتاجه بمفردات حديثة.

الأسباب النفسية لوقوع المتعلّمين في السحر

وتؤكد د. ناهد المصري، اللبنانية المتخصصة في علم النفس، في حديثها لـ«المجتمع»، أن الإنسان لا يتجه نحو الخرافة بسبب جهل معرفي، بل نتيجة اضطراب في العمليات النفسية التي تضبط الإدراك، والتقييم، وتنظيم المشاعر.

وتوضح أن انجذاب بعض المتعلمين إلى ممارسات السحر يعد ظاهرة نفسية معقّدة لا ترتبط بنقص المعرفة، بل بانهيار البنية التنظيمية للذات تحت ضغط الانفعالات.

وحول أسباب هذه الظاهرة بين المتعلمين ذكرت المصري عدة أسباب تؤدي إلى وقوع المثقفين في براثن الدجالين والسحرة منها:

1- الانهيار المعرفي (Cognitive Collapse): حين يواجه الفرد ضغوطًا تفوق قدرته على التحمل، يحدث تراجع في الوظائف التنفيذية مثل حلّ المشكلات، هذا الانهيار يسمح للأفكار السحرية أن تتسلل كآلية بديلة لاستعادة الإحساس بالسيطرة.

2- العجز المتعلم (Learned Helplessness): عندما يشعر الفرد بأن جهوده المنطقية لا تُحدث تغييرًا، يطوّر حالة من العجز المتعلم، فيبحث عن قوة خارجية تتكفل بحل الصراع.

3- التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): فالمتعلم يدرك علميًا أن السحر غير واقعي، لكن ضغط الانفعال يُحدث تنافرًا معرفيًا بين ما يعرفه، وما يحتاج أن يصدّقه ليشعر بالأمان، ولتقليل التوتر، يُبرر لجوءه للسحر باعتباره حلاً غير تقليدي.

4- اليقين الوهمي (Illusion of Control): عندما يفقد الفرد السيطرة، يبحث عن أي أداة تمنحه إحساسًا زائفًا بالتحكم، فالسحر يمنحه يقينًا وهميًا يقلل من القلق، حتى لو كان يناقض مبادئه الفكرية.

5- فرط التوتر الانفعالي (Affective Overload): ارتفاع مشاعر الخوف، أو الخسارة، أو التهديد؛ يؤدي إلى تجاوز المشاعر للمنطق.

ففي هذه الحالة، تعمل المناطق الانفعالية في الدماغ (كاللوزة الدماغية) بطريقة مفرطة؛ ما يضعف نشاط القشرة الجبهية المسؤولة عن التفكير التحليلي.

6- ضعف التنظيم الذاتي (Self-Regulation Breakdown): فالأفراد المتعلمون غالبًا ما يعانون من ضغوط مهنية وعاطفية عالية، ومع غياب الدعم النفسي، ينهار التنظيم الذاتي، فيتحول العقل من معالجة واقعية إلى معالجة سحرية.

القلق الوجودي ووهْم السيطرة

بينما أشار الباحث العراقي، الدكتور «فراس عبدالرزاق السوداني»، إلى أنّ الظاهرة الاجتماعيّة لها ضوابط ترتقي بها سُلوكياتٌ مُعيّنة لتصبح ظاهرة اجتماعيّة، لا ملاحظات سلوكيّة عابرة.

وأوضح أنه من الأساليب التي يعتمدها علماء الاجتماع في القياس المنهج الكمّي (كالاستبيانات والإحصاءات) والمنهج الكيفيّ (كالمقابلات العميقة والملاحظات المباشرة).

وباعتماد المنهج الثاني في القياس، يمكننا أن نتحسّس سلوكيات بدأت تبرز مؤخّراً، هي اتّساع ممارسة السحر والطقوس الروحانيّة بين شرائح مُتعلّمة يُفترض أنّها أكثر تمسّكاً بالمنهج العلميّ الذي يقوم على المشاهدة والتجربة والتحقّق والتوثيق.

وأضاف أن هذه المفارقة كشفت هشاشة جنس الإنسان -متعلّم وغير متعلّم- أمام القلق الوجوديّ، مهما بلغ من المعرفة، فالعقل المتخم بالمعرفة لا يقوى على إلغاء الخوف من الفشل أو المرض أو غياهب المستقبل؛ ما يدفع شريحة من المتعلمين (غير الراسخين فِكراً) إلى البحث عن وهْم السيطرة، عبر ممارسات غير عقلانية تمنحهم شعوراً سريعاً بالطمأنينة، لكنّه غالباً ما يكون عابراً.

وتابع قائلاً: يُظهر علم النفس أن المتعلّم قد يعرف علميّاً أنّ السحر لا أساس له، لكنه يفصل في ذلك بين المعرفة والسلوك، فيتّجه إليه باعتباره تجربة لا ضرر فيها، وهو نوع من الفصام على التحقيق.

ويتعزّز هذا الفصام بوهم التفوق، إذ يعتقد كثير من المتعلّمين أنّهم قادرون على مقارفة هذه الممارسات ومعافرتها دون الوقوع في خداع أصحابها من السحرة والمنجّمين.

وربما كان السحر عند البعض بديلاً اجتماعيّاً للعلاج النفسيّ، كوسيلة لإضفاء معنى روحانيّ على حياة طغى عليها الطابع الماديّ.

ويرى عبدالرزاق أنّ مفتاح الجواب هنا هو التنبّه إلى ثلاثة مستويات في الإنسان، هي: الفكر، والعقيدة، والمعرفة والسلوك، فالمحصّن ضدّ هذه الممارسات الجاهلة هو الفكر في المقام الأول، لا المعرفة وحدها، ومن هنا كان الحضّ على التفكّر في آلاء الله، لا في ذات الله (والفكر من مقدّمات المعرفة)، فآلاؤه مُشاهدة، تحصل منها معرفة يقينيّة، يُبنى عليها إيمان وعقيدة راسختان.



اقرأ أيضاً:

«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا

الخبير الرقمي أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة