لماذا فشلت «إسرائيل» في القضاء على المقاومة في غزة؟
لم تكن الحرب
على غزة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين جيش يمتلك تفوقًا ناريًا هائلًا، ومقاومة
محاصرة داخل مساحة جغرافية ضيقة، بل تحولت تدريجيًا إلى صراع مركب تتداخل فيه
السياسة بالميدان، وتُدار فيه المعركة على مستويين متوازيين؛ الأول: عسكري مرتبط
بالصمود والقدرة على الاستنزاف، والثاني: سياسي مرتبط بإدارة التفاوض ومنع
الاحتلال من تحويل الحرب إلى مشروع استسلام فلسطيني كامل، وأن ما فشل في الحصول
عليه بالسلاح والقتال لن يحصل عليه عبر طاولة المفاوضات.
منذ الأيام
الأولى للحرب، أعلن الاحتلال «الإسرائيلي» أهدافًا كبرى بدت أقرب إلى إعادة هندسة
المشهد الفلسطيني بالكامل.
القضاء على
المقاومة، وإنهاء حكمها في غزة، واستعادة الأسرى بالقوة، وفرض واقع أمني جديد يضمن
عدم تكرار ما حدث في السابع من أكتوبر؛ كلها أهداف جرى تقديمها باعتبارها أهدافًا
قابلة للتحقيق خلال فترة قصيرة عبر استخدام القوة العسكرية الهائلة.
حينما يعجز التفوق العسكري «الإسرائيلي» عن الحسم
لكن مع مرور
الوقت، بدأت هذه الأهداف تتآكل تدريجيًا أمام واقع ميداني وسياسي أكثر تعقيدًا.
فالاحتلال، رغم
حجم الدمار والقتل والحصار، لم يتمكن من تحقيق صورة النصر الحاسم التي حاول
تسويقها داخليًا وخارجيًا، بل إن الحرب كشفت بصورة واضحة أن غزة لا تُدار فقط
بمنطق التفوق العسكري، وإنما بمنطق القدرة على الصمود وإدارة الاستنزاف طويل
النفس.
في المقابل،
تعاملت المقاومة مع الحرب باعتبارها معركة متعددة المستويات، تدرك فيها أن الصمود
الميداني ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة لإنتاج أوراق قوة سياسية داخل مسار التفاوض.
ولهذا لم يكن
الأداء العسكري منفصلًا عن الحسابات السياسية، بل جرى توظيفه ضمن إستراتيجية أشمل
تقوم على منع الاحتلال من فرض شروطه النهائية بالقوة.
هذه المعادلة هي
التي جعلت الاحتلال، بعد شهور طويلة من الحرب، يعود مرارًا إلى الوسطاء وإلى
طاولات التفاوض في القاهرة والدوحة، رغم كل التصريحات التي تحدثت عن الحسم الكامل.
فالاحتلال اكتشف
أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافه السياسية، وأن القضاء الكامل على
المقاومة ليس مسألة قابلة للتحقق بسهولة، حتى في ظل التفوق العسكري والتكنولوجي
الكبير.
ولعل ما يؤكد
ذلك حجم النقاشات والانقسامات التي ظهرت داخل المؤسسة السياسية والعسكرية «الإسرائيلية»
نفسها.
رئيس الوزراء «الإسرائيلي»
الأسبق إيهود أولمرت تحدث بوضوح عن أن شعار «القضاء على حماس» يفتقد إلى الواقعية
السياسية والعسكرية، بينما اعتبر الجنرال «الإسرائيلي» المتقاعد إسحاق بريك أن «إسرائيل»
دخلت حرب استنزاف مفتوحة دون امتلاك رؤية واضحة لليوم التالي.
كما بدأت وسائل
إعلام «إسرائيلية»، بينها «هاآرتس» و«يديعوت أحرونوت»، تتحدث بصورة متكررة عن
الفجوة بين الأهداف المعلنة، والنتائج الفعلية على الأرض، خاصة مع استمرار
المقاومة في إدارة المعركة، وقدرتها على البقاء رغم حجم الاستهداف غير المسبوق.
هذا الفشل «الإسرائيلي»
لم يكن عسكريًا فقط، وإنما سياسي أيضًا، فالاحتلال الذي أراد فرض معادلة تقوم على
إخضاع غزة بالقوة، وجد نفسه أمام واقع مختلف؛ مقاومة لا تزال موجودة، ومفاوضات لا
يمكن تجاوزها، ووسطاء يدركون أن أي اتفاق لا يمكن أن يقوم على الاستسلام الكامل.
أدوات الضغط البديلة وأزمة الداخل «الإسرائيلي»
ولهذا، انتقل
الاحتلال تدريجيًا إلى استخدام أدوات ضغط بديلة، تقوم على توظيف الحصار والضغط
الإنساني والاغتيالات كوسائل لتحسين شروطه السياسية، فاستمرار تعطيل إدخال
المساعدات، وتوسيع «المنطقة الصفراء»، وتشديد القيود على المعابر، كلها تحولت إلى
أدوات تفاوض غير مباشرة تهدف إلى خلق ضغط داخلي على المقاومة وعلى البيئة
الفلسطينية عمومًا.
وفي هذا السياق،
برزت سياسة استهداف عائلات القيادات وأبنائهم باعتبارها جزءًا من محاولة ابتزاز
المفاوض الفلسطيني نفسيًا ومعنويًا.
وما جرى مع د.
خليل الحية بعد استهداف نجله، لم يكن حدثًا معزولًا، بل رسالة سياسية وأمنية
مرتبطة مباشرة بمسار التفاوض ومحاولة التأثير على مواقف المقاومة من خلال الألم
الإنساني المباشر.
لكن هذه السياسة
كشفت في الوقت نفسه حدود القوة «الإسرائيلية»، فالاحتلال، الذي كان يتحدث عن إعادة
تشكيل غزة سياسيًا وأمنيًا، بات اليوم عاجزًا عن تقديم تصور واقعي لليوم التالي
للحرب.
حتى الحديث عن
نزع سلاح المقاومة بدا أقرب إلى خطاب موجه للاستهلاك الداخلي «الإسرائيلي»؛ لأن
المؤسسة الأمنية نفسها تدرك أن هذا الهدف غير قابل للتحقق دون كلفة هائلة وحرب
طويلة مفتوحة.
وفي الداخل «الإسرائيلي»،
تتفاقم الأزمة السياسية بصورة متسارعة، فالحكومة الحالية تواجه اتهامات متزايدة
بالفشل، سواء في منع هجوم السابع من أكتوبر أو في إدارة الحرب لاحقًا، وهو ما جعل
استمرار العمليات العسكرية يتحول إلى وسيلة للهروب من المحاسبة الداخلية، ومحاولة
إعادة ترميم صورة القيادة أمام المجتمع «الإسرائيلي».
ولهذا، أصبح
الدم الفلسطيني جزءًا من الحسابات السياسية الداخلية في «إسرائيل»، حيث يُستخدم
التصعيد العسكري كورقة لتحسين مواقع القوى السياسية المتنافسة، لا كجزء من إستراتيجية
واضحة لإنهاء الحرب.
وفي المقابل،
نجحت المقاومة في الحفاظ على المعادلة الأهم؛ منع الاحتلال من تحقيق نصر نهائي
وحاسم، فـ«إسرائيل»، رغم تفوقها العسكري، لم تتمكن من إنهاء المقاومة أو فرض
استسلام سياسي كامل، بينما استطاعت المقاومة تحويل الصمود الميداني إلى عنصر قوة
تفاوضي يمنع فرض الشروط «الإسرائيلية» بصورة مطلقة.
وهنا تكمن طبيعة
الصراع الحقيقية في غزة اليوم؛ ليس صراعًا بين السلاح والسياسة، وإنما صراع
تُستخدم فيه السياسة امتدادًا للميدان، ويُستخدم فيه الميدان لحماية الموقف
السياسي، ولهذا تبدو المقاومة مدركة أن أي تنازل في أوراق القوة الميدانية سيعني
عمليًا خسارة القدرة على المناورة السياسية، فيما يدرك الاحتلال أن فشله في الحسم
العسكري يجعله عاجزًا عن فرض تسوية نهائية وفق شروطه.
معركة الكلمة الأخيرة والمستقبل السياسي
وفي ضوء ذلك،
تبدو الحرب في غزة أبعد من مجرد مواجهة عسكرية مؤقتة، وإنما معركة على شكل
المستقبل السياسي للقضية الفلسطينية، وعلى قدرة الفلسطينيين على منع تحويل الحرب
إلى مشروع إخضاع دائم، مهما بلغ حجم الضغط والدمار والحصار.
في المقابل، فإن
استمرار المقاومة رغم كل هذا الدمار حمل دلالات عميقة داخل المجتمع «الإسرائيلي»
ذاته.
فـ«الإسرائيليون»
الذين كانوا يعتقدون أن جيشهم قادر على إنهاء أي تهديد خلال أسابيع، وجدوا أنفسهم
أمام حرب طويلة مفتوحة، بلا صورة نصر حقيقية، وبلا قدرة على فرض واقع سياسي جديد
في غزة.
ولهذا، بدأت
أصوات «إسرائيلية» تعترف بأن المشكلة ليست فقط في قوة المقاومة، بل في عجز «إسرائيل»
عن إنتاج حل سياسي ينهي جذور الصراع.
فالقوة العسكرية
قد تدمر المدن، لكنها لا تستطيع إنهاء فكرة التحرر، ولا تستطيع إجبار شعب يعيش تحت
الاحتلال على التخلي عن مقاومته.
إن ما جرى خلال
الحرب الأخيرة أثبت مجددًا أن المقاومة في فلسطين ليست حالة طارئة يمكن إنهاؤها
بعملية عسكرية، وإنما تعبير طبيعي عن شعب يواجه الاحتلال.
ولهذا، فإن «إسرائيل»
قد تحقق تفوقًا عسكريًا مؤقتًا، وقد تدمر البنية التحتية، لكنها ستبقى عاجزة عن
تحقيق النصر الكامل الذي تتحدث عنه، ما دامت أسباب الصراع الأساسية قائمة، وما دام
الاحتلال نفسه مستمرًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً