المدارس الدولية.. نقطة نظام
لا شك أن أهم
استثمار يقوم به الآباء هو الاستثمار في الأبناء عن طريق التعليم، ومنحهم الفرصة
الكاملة للتطور والنمو حتى يصبحوا في أفضل نسخة ممكنة تُظهر قدراتهم الفردية.
الكثير من
الآباء لا يتوانون عن دفع المال من أجل منح الطفل فرصة حقيقية للتعلم والنمو عن
طريق إلحاقهم بنوعيات مميزة من المدارس الخاصة تأتي في القمة منها المدارس الدولية
التي تحظى بكثير من الثقة والسمعة الطيبة.
تحظى تلك
المدراس بالمرتبة الأولى عندما تبحث الأسرة العربية عن مدرسة مناسبة لأبنائها،
بينما يتراجع معيار الأمان بسبب الثقة الشديدة في هذه المدارس، هذه الثقة التي تصل
حد غياب الأسرة عن المشهد التعليمي والتربوي وترك هذه الأدوار كي تؤديها المدرسة،
فهل نجحت المدرسة الدولية في أن تكون حاضنة تربوية آمنة للأبناء؟
سوق رائجة
تلقى سوق
المدارس الدولية في بلادنا العربية رواجاً بالغ الارتفاع، نظراً لوجود أكثر من
1300 مدرسة دولية تدرس لأكثر من مليون طالب، بما يمثل قرابة ثلث طلاب التعليم
الدولي على مستوى العالم، بحسب صحيفة «الشرق الأوسط».
تحتل دولة الإمارات
العربية المتحدة صدارة المشهد بأكثر من 500 مدرسة دولية، كذلك تعد المملكة العربية
السعودية واحدة من أكبر أسواق التعليم الدولي حيث يوجد ما يقارب من 300 مدرسة
دولية في الرياض وحدها، وتشير التقديرات إلى أن سوق التعليم الدولي في مصر تزيد على
700 مدرسة، بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.
هذا النمو
الملحوظ في قطاع المدارس الدولية أحدث تغيرات واسعة في خارطة التعليم العربي،
وأثار كثيراً من التساؤلات حول الأسباب التي تحفّز نموّ هذه المدارس الدولية
المعتمدة على اللغة الإنجليزية في المقام الأول، فما أسباب ذلك؟
تصاعد مبرر
يمكننا القول:
إن الحصول على تعليم أعلى وأرقى، مع نمط التعلم المرن ومناهج دراسية معترف بها
دولياً، وإمكانية تعلم لغات أجنبية، واستكمال التعليم في الخارج، وفرص العمل
المميزة تدفع الطبقات الثرية بل حتى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة لإلحاق
الأبناء بهذه المدارس.
فإذا أضفنا لذلك
المباني الفخمة والمرافق الجذابة، أدركنا لماذا يتصاعد نمو هذا النمط من المدارس
في بلادنا، ولماذا لم يعد التعليم الدولي خياراً هامشياً.
لكن هذه السوق
النامية والمتصاعدة للمدارس الدولية يطرح العديد من التساؤلات بالغة الأهمية عن
مدى جاهزية هذه المدارس كي تكون حاضنة تربوية آمنة للأطفال وليست مجرد مزود خدمة
تعليمية وأكاديمية راقية.
سلبيات خطيرة
هذا النمو
السريع في عدد المدارس الدولية، حوّل هذا القطاع من التعليم إلى سوق تنافسية
رأسمالية شرسة تجعل من الربح الغاية الكبرى، وأصبح هناك فجوة ملحوظة بين التعليم والتربية
القيمية، ناهيك عن هشاشة المرجعية الدينية في هذه المؤسسات التعليمية وما ارتبط
بها من ضعف في إتقان مهارات اللغة العربية، فعملت هذه المدارس الدولية على تنشئة
الطفل العربي كما ينشأ الطفل البريطاني أو الطفل الأمريكي، بحيث يحمل نفس الثقافة
حتى إذا بلغ مرحلة المراهقة والشباب كان في حالة من التطبيع الكامل مع حالة
العولمة.
سعي بعض المدارس
وراء الربح جعلها تقوم بتقليل نفقات التشغيل الخفية؛ كتشغيل عاملين بمرتبات متدنية
بمجرد اجتيازهم لمقابلة عمل شكلية ودون بحث عميق في سيرتهم الذاتية أو الاهتمام
بتقييمهم النفسي والانفعالي، وتقليل النفقات الذي جعل من بعض مناطق المدرسة بلا
كاميرات مراقبة خاصة فيما يطلق عليه مناطق الظل من ممرات ومخازن، فكانت النتيجة
مجموعة من حوادث التحرش المروعة التي طالت أطفالاً دون الخامسة من العمر في فضيحة
مدوية لعدد من المدارس الدولية الشهيرة في الآونة الأخيرة.
تفاصيل شهادات
الأطفال كان مرعباً وبشعاً، حد أنه لا يمكن تصور كيف حدثت هذه الإساءة في مثل هذه
المدارس وبهذه الكثافة وطول هذه المدة.
إهمال جسيم
إذا كان علينا
الاعتراف أن المدارس الدولية في بلادنا هي مشروعات استثمارية ربحية في المقام
الأول قبل أن تكون حاضنة تربوية حقيقية تقوم بالدمج بين التعليم والتربية، والثقافة
الوافدة والثقافة الأصيلة، فعلى الأقل يستحق الطفل الذي التحق بهذه المدرسة باهظة
المصروفات فخمة المباني أن يحصل على الأمان في جنباتها، فهذه هي المسؤولية الأولى
للمدرسة.
أن تلجأ بعض
إدارات هذه المدارس لتقليل النفقات وتقليص الرقابة وتقليل عدد المشرفين والاختصاصيين
النفسيين والاجتماعيين المؤهلين حتى تعظم من أرباحها فهذه جريمة حقيقية تتجاوز
الإهمال الجسيم.
أن تسعى بعض
إدارات المدارس لإنكار الإهمال وإنكار الجرائم، بل وتعمل على إخفاء الأدلة وحفظ
التحقيق الداخلي واستمرار المتهمين بارتكاب الجرائم في عملهم، حتى لا تتضرر سمعة
المؤسسة التعليمية، ومن ثم تقل التدفقات المالية، فهذه جريمة أكبر.
رفع يد الدولة
الوطنية عن هذه المدارس والاكتفاء بصورة من الرقابة الشكلية وعدم التدخل الحقيقي
إلا بعد وقوع حوادث وجرائم، ساعد في التمادي في التجاوزات دون خوف من الرقابة
والمساءلة.
غياب الآباء عن
المشاركة في إدارة المدرسة وعدم الاهتمام بالمشكلات والشكاوى التي يتم رفعها منهم
لإدارة المدرسة سواء كانت مشكلات متعلقة بالجانب الأخلاقي أو القيمي، أو مشكلات
متعلقة بالعاملين في المدرسة، أو مشكلات في نظام الإدارة ضاعف من حجم المشكلات
وتعقيدها.
التحرش والإيذاء
لا يحدث فقط لأن هناك مجرماً متواجداً داخل المؤسسة، بل لأنه وجد مكاناً غير منضبط
وإدارة متساهلة مغيبة وطفلاً خائفاً لم يتعلم التفرقة بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة،
وعائلة مشغولة غير متنبهة لما يجري لطفلها.
حلول واقعية
الإشراف الحكومي
على المدارس الدولية وتفعيل آليات الرقابة وتغليظ العقوبات القانونية على هذه
الجرائم خط الدفاع الأول عن حقوق الطفل.
في الوقت ذاته
لا يمكن أن نغفل دور البيت الذي يجب أن يكون آمناً يعلم الطفل أن يتحدث عما يؤلمه
أو يزعجه دون خوف، فيحكي الطفل أدق التفاصيل ويجد من ينصت له، والأهم أن يتم الإنصات
لما لا يقال، فأي مخاوف أو فقدان شغف أو تغيرات سلوكية ينبغي البحث وراءها.
الأسرة التي
تقوم بتمويل المدرسة الدولية من حقها أن تحصل على مقابل ما تدفعه؛ لذلك، لا بد من
التعاطي بإيجابية مع إدارة المدرسة وعدم التساهل في حالة الشك في وجود بعض
المخالفات أو ضعف الرقابة أو وجود عمالة دون المستوى، ولا بد من المطالبة بإخضاعهم
لاختبارات ومقاييس نفسية من قبل متخصصين قبل تشغيلهم، ولا بد من أن تكون هناك قناة
اتصال بينهم وبين الجهات الحكومية المختصة لرفع الشكاوى في حال تجاهلتها إدارة
المدرسة.
اقرأ
أيضاً:
5 خطوات لحماية طفلك من «البيدوفيليا»
«حق ياسين».. درس الأسر العربية ضد التحرش