ملفات إبستين.. مقاربة شرعية

د. فاطمة حافظ

04 فبراير 2026

122

شكل الإفراج عن الوثائق القانونية والسجلات المرتبطة برجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين صدمة للرأي العام العالمي؛ إذ تكشف عن تورط نخب سياسية ومالية وعلماء بارزين من مختلف الجنسيات في ممارسات يعاقب عليها القانون، وبعض هذه الشخصيات يشغل مناصب قيادية كرؤساء دول أو حكومات وأبناء أسر حاكمة، ومن الواضح أن إبستين كان يستخدم علاقاته وتسجيلاته السرية لهؤلاء كوسيلة للضغط والابتزاز السياسي والمالي من جانب، والإفلات من الملاحقة القضائية من جانب آخر.

وتظهر الملفات الطبيعة المنحرفة للنخب، فالملفات تشير إلى أن طقوساً شيطانية وانتهاكاً لبراءة الأطفال وجنساً جماعياً مورس بشكل منظم طيلة سنوات نتج عنه ضحايا وأبرياء من النساء والأطفال تم استغلالهم جنسياً وابتزازهم.

وهذه القضية يمكن معالجتها من مداخل واقترابات متعددة، مثل: الاقتراب القانوني، والاقتراب السياسي، أو المالي، غير أننا نظن أن الاقتراب الشرعي يعد أحد المداخل المهمة في فهم القضية، ويمكن أن يقدم تفسيراً لظاهرة التحلل الأخلاقي.

«الفاحشة» واستعمالاتها في القرآن الكريم

يستخدم القرآن الكريم مصطلح «الفاحشة» للإشارة إلى ظاهرة التحلل الأخلاقي لدى الأفراد أو المجتمعات، والفاحشة في اللغة هي ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال.

يقول المناوي: «الفحش ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فيتفق حكمه في آيات الله الثلاث من الشرع والعقل والطبع، وبذلك يفحش الفعل».

وقد استعمل القرآن لفظ «الفاحشة» 24 مرة، وهو عدد كبير نسبياً إذا ما قورن بالزنى الذي ورد 9 مرات؛ الأمر الذي يوحي باتساع مدلول الفاحشة ونطاقها عن الزنى، والاستعمال القرآني لا يخرج عن ألفاظ ثلاثة، هي: «الفاحشة» و«الفحشاء» و«الفواحش»؛ فأما «الفاحشة» فقد جاءت في 13 موضعاً من القرآن، وكلها ذات تعلق بالممارسة الجنسية سواء كانت زنى أو لواطاً أو سحاقاً.

يقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) (الإسراء: 32)؛ والمصطلح هنا يستخدم للإشارة إلى العلاقة المحرمة بين الذكر والأنثى (الزنى)، ويقول تعالى: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ) (الأعراف: 80)؛ وهو هنا يستخدم لوصف العلاقة المحرمة بين الذكور (اللواط)، ويقول تعالى: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ) (النساء: 15)؛ ويرجح مجاهد، والماوردي، والرازي، أن المراد بالفاحشة في هذا الموضع «السحاق».

أما لفظ «الفحشاء»، فقد ورد في القرآن 7 مرات، وهو أكثر اتساعاً من «الفاحشة»؛ إذ يشمل الجنس وغيره، فيقول تعالى: (وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (النور: 21)، ومثله لفظ الفواحش الذي تكرر 4 مرات ودل على الممارسة الجنسية وغيرها، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأعراف: 33)؛ وهي في هذا الموضع تعني المعاصي.

وعلى الرغم من أن مصطلح «الفاحشة» استعمل في القرآن للإشارة إلى الزنى كما استعمل للإشارة إلى الممارسات الجنسية المنحرفة (لواط، وسحاق)، فإن ثمة تفاوتاً بينهما من المنظور القرآني، فحين يصف القرآن الزنى يقول تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)، وحين يصف اللواط يقول: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ)؛ فذكرها نكرة في الأولى ليبين أنها فاحشة من جملة الفواحش، وأضاف لام التعريف إلى الثانية ليفيد أن اللواط اسم جامع لكل الفواحش؛ ومعنى الآية أنكم تأتون الرذيلة التي استقر وشاع فحشها بين الخلق، فهي لظهور فحشها غنية عن ذكرها فلا ينصرف الاسم إلى غيرها.

ويوجه القرآن إلى أن هناك علاقة بين الترف والفاحشة، بل يجعله سبباً من أسبابها، فقوم لوط كانوا من المترفين، ويلفت في إشارة بديعة إلى حقيقة أن النخبة أو مَن هم في موقع السلطة هم أكثر من يرتكبون الفواحش، وهو ما يظهر من خلال سيرة امرأة العزيز التي راودت يوسف عليه السلام عن نفسه في بيتها.

الفاحشة في التصور الحداثي

في مقابلة هذا التصور القرآني الذي يحمل بشدة على أي انحراف جنسي مهما كان مسماه وفاعله، ويضع له عقوبات رادعة (الحدود)، هناك تصور مقابل لا يجرم الانحراف، بل يحتفي به ويروج له، وهذه ثمرة من ثمار الثورة الجنسية.

ظهرت «الثورة الجنسية» (Sexual revolution) كحركة اجتماعية في الغرب منذ ستينيات القرن الماضي، شاركت فيها الحركة النسوية وحركات التمرد الشبابي (الهيبيز)، والحركات اليسارية، وطالب هؤلاء بضرورة فصل الجنس عن الإنجاب، وعن مؤسسة الزواج التقليدية، واعتباره حرية شخصية مطلقة وجزءاً من تحقيق الذات.

وبهذا، صار الجنس غاية في حد ذاته لا وسيلة لأجل إعمار الكون، وقد أدى هذا في نهاية المطاف إلى تراجع مؤسسة الزواج في الغرب، وظهور أنماط جديدة من العيش مثل «المساكنة»؛ أي العيش من دون رابطة زواج، وإلى تطبيع الممارسات الجنسية المنحرفة (الشذوذ الجنسي)، وإلى إعادة تعريف مفاهيم الجسد والأخلاق والأسرة.

اتبع منظرو الثورة الجنسية مثل فرومر عدة إستراتيجيات، كان منها إعادة تأويل النصوص الدينية على نحو جديد يتماشى مع ما يدعون إليه، وبما أن الأديان، خاصة المسيحية، كانت الحارس التاريخي لمنظومة الأخلاق والأسرة في الغرب، فقد اعتبرها دعاة الثورة العقبة الكبرى التي يجب تجاوزها، ومن هنا تم تصوير المؤسسة الدينية بوصفها راعية للكبت الجنسي، كما أعيد تفسير النصوص المسيحية التي تجرم الشذوذ واعتبارها تأويلات متطرفة.

وكان منها أيضاً محاولة إضفاء الطابع الأخلاقي على الممارسات الشاذة المنحرفة، وذلك باعتباره يمكن أن يشكل حلاً لمشكلة التضخم السكاني في العالم، إذ لا يمكن للشواذ الإنجاب.

مما سبق نستنتج أن هناك اقترابين يستخدمان لوصف ظاهرة التحلل والإباحية؛ أحدهما الاقتراب الإسلامي الذي يجرم الفاحشة ويضع لها عقوبات رادعة (الحدود)، والاقتراب الحداثي الذي يحتفي بالإباحية والتحلل ولا يجرمهما، بل يعتبرهما عملاً أخلاقياً، وفي ظله يغدو ظهور أشخاص مثل جيفري إبستين أمراً اعتيادياً لا غرابة فيه، وهو يثير مشكلات قانونية أكثر مما يثير من مشكلات أخلاقية.



اقرأ أيضاً:

كيف حدَّثنا القرآن عن فضائح «إبستين»؟

قراءة الغزالي في فضيحة «إبستاين»

ماذا لو كان «إبستين» مسلماً؟! في فضح ازدواجية المعايير

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة