ماذا لو كان «إبستين» مسلماً؟! في فضح ازدواجية المعايير
كاتب المدونة: شريف
محمد
في خضم العاصفة التي أثارتها تسريبات «قائمة
إبستين»، وتكشف أسماء النخبة العالمية المتورطة في واحدة من أبشع شبكات استغلال
القاصرات في التاريخ الحديث، يقفز إلى ذهني سؤال ملح، سؤال افتراضي لكنه كاشف:
ماذا لو كان الفاعل مسلماً؟
دعونا نمارس هذه اللعبة الذهنية للحظة،
تخيلوا لو أن هذا المجرم الذي أدار جزيرة مشبوهة وانتهك براءة الأطفال، كان يحمل
اسماً عربياً أو إسلامياً، أو كان يمتّ بصلة لتيار ديني في الشرق الأوسط، كيف كان
سيكون رد فعل العالم؟
المحاكمة الحضارية لا الفردية
لو كان الفاعل مسلماً، لما توقفت التغطية
الإعلامية عند حدود «الجريمة الفردية»، بل كنا سنشهد محاكمة فورية وعنيفة لثقافة
بأكملها، ولدين يدين به ما يقارب ملياري إنسان.
كانت عناوين الصحف ستصرخ بعبارات عن «الإرهاب
الجنسي»، و«التخلف الحضاري»، و«خطر المهاجرين على القيم الغربية».. وكنا سنرى
المحللين يتسابقون لربط سلوك هذا المجرم بنصوص دينية مقتطعة أو بعادات اجتماعية،
ليثبتوا أن المشكلة ليست في الشخص، بل في «الإسلام» ذاته!
ولكن، لأن الفاعل من قلب المنظومة
الغربية ومن نخبتها المالية والسياسية، فإن الجريمة –رغم بشاعتها– بقيت في إطار الانحراف
الفردي، أو الفساد النخبوي، ولم يجرؤ أحد على التشكيك في القيم الليبرالية، أو الحضارة
الغربية التي أنتجت هذه البيئة، ولم يتهم أحد الثقافة الغربية بأنها حاضنة لـ«البيدوفيليا».

أين المدافعون عن القاصرات؟
النقطة الأكثر إيلاماً في هذه الازدواجية
تظهر عند الحديث عن المرأة والطفل، فلطالما صدعت الآلة الإعلامية الغربية رؤوسنا
باتهام المجتمعات الإسلامية بظلم القاصرات، مستشهدين بحالات زواج مبكر هنا أو هناك
أو بتأويلات فقهية تاريخية، ليقيموا الدنيا ولا يقعدوها دفاعاً عن حقوق الطفلة.
السؤال الآن: أين تلك الأصوات المدوية؟!
نحن أمام انتهاك حقيقي وفعلي وممنهج لقاصرات تم استعبادهن جنسياً، ليس في قرية
نائية، بل في قصور النخبة وطائراتهم الخاصة، فأين اختفى التباكي على القيم
الإنسانية؟! ولماذا خفتت نبرة الغضب عندما أصبح الجاني يرتدي بدلة فاخرة ويتحدث
الإنجليزية بطلاقة؟!
إن هذه الصدمة تكشف لنا بوضوح أن الدفاع
عن حقوق القاصرات، في كثير من الأحيان، يُستخدم كأداة سياسية للوصم الحضاري وليس
كقيمة إنسانية مطلقة، فلو كانت الغيرة على الأطفال صادقة، لرأينا نفس الهجوم الشرس
على البيئة الثقافية والقانونية التي سمحت لإبستين وأمثاله بالعمل لسنوات دون
رادع.
لسنا بصدد الهجوم.. بل التساؤل
طرح هذه التساؤلات لا يعني الشماتة ولا
يهدف لتبرير أي خطأ قد يقع في مجتمعاتنا، فالجريمة هي جريمة، وانتهاك براءة
الأطفال مدان في كل شريعة ومنطق، سواء كان الفاعل مسلماً أو غير ذلك.
ولكننا نكتب لنشير بإصبع الاتهام إلى النفاق
الحضاري، نكتب لنقول: إن القيم الإنسانية لا تتجزأ، وإن الجريمة لا دين لها، وإنه
من الظلم الفادح أن يُحاكم المسلم كممثل لحضارته عند الخطأ، بينما يُعامل الآخر كحالة
شاذة تُحفظ في الأدراج المغلقة!
إن تسريبات إبستين ليست مجرد فضيحة
جنسية، بل هي فضيحة أخلاقية للنظام العالمي الذي يكيل بمكيالين، والذي يثبت يوماً
بعد يوم أن حقوق الإنسان شعار يُرفع في وجه الضعفاء، ويختفي في حضرة الأقوياء.