كيف يصنع اليقين إنساناً جديداً؟ سيرة أبي عثمان النهدي

عبدالله السيد

31 أغسطس 2026

182

تصوير رمزي لعالم من التابعين يعكس معاني العبادة والعلم والثبات، في إشارة إلى سيرة أبي عثمان النهدي ورحلته الإيمانية.

ذكر الإمامالذهبي في ترجمة أبي عثمان النهدي(1) أنه أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، لكنه أدى الزكاة إلى عماله، ونقل عنه أخبارًا من حياته في الجاهلية والإسلام، منها أنه شهد مع عمر رضي الله عنه عددًا من الفتوحات، منها اليرموك والقادسية ونهاوند.

وكان أبو عثمان من قضاعة، فلما قُتل الحسين رضي الله عنه تحوّل من الكوفة إلى البصرة وقال: «لا أسكن بلدًا قُتل فيه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وحج ستين مرة بين حجة وعمرة، وبلغ من العمر ثلاثين ومائة سنة.

وصحب سلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة، واشتهر بالعبادة؛ فكان يقوم الليل ويصوم النهار، ويصلي حتى يُغشى عليه، وبلغ أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء مائة ركعة، وقال معاذ بن معاذ: كانوا يرون أن عبادة سليمان التيمي أخذها عن أبي عثمان النهدي.

وقال أبو حاتم: «كان ثقة، وكان عريف قومه»، ورآه أبو نعيم شرطيًّا(2).

يمثل أبو عثمان النهدي واحدًا من أولئك الرجال الذين عاشوا على مفصل تاريخي بين عالمين؛ عالم الجاهلية بما فيه من اضطراب التصورات، وعالم الإسلام الذي أعاد بناء الإنسان على أساس التوحيد والانضباط والمسؤولية، وهذه القراءة لا تتناول شخصيته بوصفها سيرة عابد فقط، بل بوصفها نموذجًا لإنسان انتقل من أسر البيئة إلى صناعة الموقف، ومن البحث عن المعبود إلى بناء معنى العبادة، ومن حياة القبيلة إلى مسؤولية المشاركة في بناء المجتمع.

من عبادة الأصنام إلى اليقين بالتوحيد الخالص

تكشف قصة أبي عثمان النهدي في الجاهلية عن مشهد بالغ الدلالة في تاريخ الوعي الإنساني؛ فقد كان الإنسان قد يملك الرغبة في التعلق بالمطلق، لكنه يخطئ الطريق إليه حين تغيب عنه الهداية، فالإنسان لا يعيش بلا معنى، وإنما يبحث عن معنى يمنحه الطمأنينة والانتماء، فإذا غاب الحق ملأ الفراغ بما تصنعه الجماعة من رموز وأوهام.

ولهذا، فإن انتقال أبي عثمان النهدي من عبادة الصنم إلى التوحيد ليس مجرد تغير اعتقادي، بل هو إعادة بناء كاملة لطريقة النظر إلى الكون والإنسان والغاية من الحياة، وقد عبّر القرآن عن هذا الانتقال الحضاري بقوله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ) (البقرة: 256)؛ فالعروة الوثقى ليست مجرد معلومة ذهنية، بل رابطة تعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الإنسان تابعًا للحق لا للعادة، وللقيمة لا لضغط الجماعة.

ويبرز هذا التحول بوضوح في رحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ إذ لم يكتفِ بما ورثه عن قومه، بل دفعه طلب الحق إلى مغادرة المألوف وتحمل مشاق طويلة بين البلدان وأهل الديانات، حتى انتهى به البحث إلى المدينة المنورة، فكانت رحلته انتقالًا من التعلق بما وجد عليه الآباء إلى الاستسلام لما قامت عليه الحجة، ومن عبادة النار إلى عبادة الله وحده(3).

وهكذا تلتقي قصة أبي عثمان النهدي مع قصة سلمان في معنى أعمق؛ أن الهداية قد تبدأ حين يجرؤ الإنسان على مراجعة ما ورثه، ويقدم طلب الحق على راحة المألوف وانتماء الجماعة.

بطولات أبي عثمان النهدي.. بين العبادة والميدان

لم يكن أبو عثمان النهدي من أصحاب العبادة المنعزلة عن حركة الحياة؛ فقد جمع بين طول القيام والصيام وبين المشاركة في الأحداث الكبرى للدولة الإسلامية الناشئة، فقد شهد عددًا من المعارك الفاصلة في الفتوحات، وكان حاضرًا في لحظات بناء الدولة وتثبيت أركانها.

وهذه الصورة تصحح فهمًا شائعًا عن الزهد، فليس الزهد انسحابًا من المسؤولية، بل هو تحرير للقلب من التعلق بما يمنع الإنسان من أداء دوره، فالإنسان الذي لا تستعبده الدنيا يكون أقدر على العمل فيها؛ لأنه يتحرك من موقع الرسالة لا من موقع المصلحة الشخصية.

وتتجلى هذه الصورة في موقف عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه يوم «بدر»؛ فقد اجتمع في لحظة واحدة زهد القلب فيما يفنى، وشدة الرغبة فيما عند الله، والفاعلية في ميدان المسؤولية، كان يأكل تمرات في يده حين سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الجنة، فقال: «بخٍ بخٍ! أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟!»، ثم ألقى التمرات وانطلق إلى القتال حتى استشهد(4).

فلم يكن زهده هروبًا من الواقع، بل قوة حررت إرادته من التعلق بالدنيا، فحين تعارضت لذة عاجلة مع غاية أعظم، اختار ما رآه أبقى وأنفع.

ولهذا كان الصحابة والتابعون يجمعون بين العبادة العميقة والمشاركة العامة؛ فالعابد الحق ليس من يهرب من المجتمع، وإنما من يدخل إليه بقلب أكثر ثباتًا ونفس أكثر انضباطًا.

لماذا تفوق القدوة العملية أثر المواعظ المجردة؟

من أبرز ملامح شخصية أبي عثمان النهدي ملازمته لسلمان الفارسي اثنتي عشرة سنة، وهذه المدة الطويلة تكشف أن بناء الإنسان لا يتم غالبًا عبر المعلومات المجردة، وإنما عبر المعايشة التي تنقل السلوك قبل الكلام.

فالصحبة التربوية تصنع نوعًا من الانتقال غير المباشر للقيم؛ يرى المتعلم كيف يصبر معلمه، وكيف يتعامل مع الفتن، وكيف يوازن بين العبادة والعمل، فتتحول المعرفة إلى شخصية حية.

ولهذا ظهر أثر أبي عثمان النهدي فيمن بعده، حتى نُقل أن عبادة سليمان التيمي كانت متأثرة به، وهذه سُنة اجتماعية في صناعة النخب؛ أن النفوس العظيمة لا تنتهي آثارها بانتهاء أعمارها، بل تستمر من خلال الأشخاص الذين تشكلوا بها.

وتتضح قوة الصحبة التربوية في ملازمة أنس بن مالك رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم، إذ لم يتلقَّ هديه من خلال المواعظ المجردة، وإنما عاش معه تفاصيل يومية رأى فيها الأدب والرحمة وحسن المعاملة، ومن ذلك ما وصفه أنس رضي الله عنه من كمال أدبه صلى الله عليه وسلم مع جلسائه: «ما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبته بين يدي جليس له، ولا ناول يده أحدًا قط فتركها حتى يكون هو يدعها، وما جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أحد قط فقام حتى يقوم»(5).

وهكذا يصبح السلوك المشاهد جزءًا من التربية؛ فما يراه المتعلم من أخلاق معلمه قد يرسخ فيه أعمق مما يسمعه منه، وتتحول الصحبة الصالحة مع طولها إلى بناءٍ عملي يمتد أثره من جيل إلى جيل.

كيف يدفع الموقف الأخلاقي إلى تغيير البيئة؟

من أكثر المواقف دلالة في سيرته انتقاله من الكوفة بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقوله: إنه لا يسكن بلدًا قتل فيه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يحتاج هذا الموقف إلى تحميله أكثر مما يحتمل؛ فهو يعبر عن حساسية أخلاقية تجاه حدث عظيم في الوجدان الإسلامي، وعن رفض داخلي للبقاء في مكان ارتبط عنده بمعنى مؤلم من معاني الخذلان والفتنة.

فالإنسان قد يختار أحيانًا تغيير البيئة عندما يشعر أن المكان لم يعد يعينه على المحافظة على مبادئه، وقد أشار القرآن إلى معنى المفارقة من البيئات التي يضيق فيها الإنسان عن إقامة الحق بقوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) (النساء: 97).

ويظهر هذا الوعي بأثر البيئة في موقف عطاء الخراساني رحمه الله، حين همَّ بالانتقال من خراسان، فلم يتعامل مع قرار الرحيل بوصفه بحثًا عن الراحة أو تغييرًا عابرًا، بل شاور أهل العلم في الموضع الذي يكون أصلح لدينه وأخلاقه وعياله، فكان جوابهم: «عليك بالشام، عليك بالشام»(6).

وهنا تتأكد قيمة اختيار البيئة؛ فالإنسان لا يحافظ على مبادئه بمعزل عن المكان والناس والظروف المحيطة به، وقد يكون تغيير البيئة في بعض المراحل جزءًا من حفظ الدين والأسرة، لا مجرد هروب من المسؤولية.

وفي واقع الناس اليوم تظهر هذه الفكرة في صور متعددة؛ فقد يحتاج الإنسان إلى مراجعة البيئة التي تؤثر في قيمه، سواء في التعليم أو العمل أو العلاقات الاجتماعية، لأن البيئة ليست إطارًا محايدًا دائمًا، بل عنصرًا مشاركًا في تشكيل السلوك.

كيف يظل الأمل حياً رغم طول العمر؟

من أبلغ ما نقل عنه قوله: «أتت عليَّ ثلاثون ومائة سنة وما شيء إلا وقد أنكرته، خلا أملي؛ فإنه كما هو»(7).

تكشف هذه العبارة عن وعي عميق بحقيقة الزمن؛ فالجسد يتغير، والقدرات تتراجع، والأحوال تتبدل، لكن الإنسان يستطيع أن يحافظ على المعنى الداخلي الذي يمنحه القدرة على الاستمرار.

والأمل هنا ليس تعلقًا بمجرد البقاء، بل هو قوة روحية مرتبطة بالإيمان والرجاء، ولذلك كان القرآن يجعل الرجاء بالله من صفات أهل الإيمان: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87).

ويبرز هذا المعنى في سيرة سويد بن غفلة الجعفي رحمه الله، الذي امتد به العمر إلى مائة وعشرين سنة، ومع ذلك بقي محافظًا على نشاطه وفتوته، فلم يُرَ محتبِيًا ولا متساندًا، بل ظل حاضرًا في العبادة وخدمة الناس، حتى تزوج بكرًا وهو ابن مائة وست عشرة سنة، وكان يؤم الناس في قيام رمضان وهو ابن مائة وعشرين سنة(8).

فطول العمر عنده لم يكن انتظارًا للضعف، بل استمرارًا في العطاء؛ وكأن بقاء الأمل في القلب يمنح الإنسان قدرة على أن يرى في كل مرحلة من عمره مجالًا جديدًا للعمل.

وفي زمن تتزايد فيه ضغوط الحياة، تصبح هذه القيمة حاجة إنسانية كبرى؛ فالفرد والأسرة والمؤسسة تحتاج إلى أمل منضبط بالمعنى، يمنع الانهيار عند الأزمات ويحول المحن إلى فرص للنمو.

حين تخدم التقوى الذاتية أداء المهام الإدارية

لم يكن أبو عثمان النهدي مجرد عابد؛ فقد وصف بأنه كان عريف قومه، ورُئي شرطياً، وهذا يدل على حضوره في المجال الاجتماعي والتنظيمي.

وهنا تظهر صورة متوازنة للقيادة؛ فالقائد الحقيقي لا يكتفي بالصلاح الفردي، بل يمتلك القدرة على تحمل المسؤولية العامة، فالرقابة الذاتية التي يصنعها الإيمان يمكن أن تتحول إلى أمانة في إدارة الناس وخدمة المجتمع.

ويتأكد هذا الجمع بين الصلاح وتحمل المسؤولية في سيرة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رحمه الله، فقد جمع بين القضاء والولاية والإدارة في المدينة في عهد عمر بن عبد العزيز، وبين العبادة والورع، حتى ذكرت زوجته أنه لم يضطجع على فراشه بالليل أربعين سنة؛ لشدة اشتغاله بمسؤوليات الناس وحقوقهم(9).

وهكذا لا تكون التقوى عائقًا أمام القيادة، بل أساسًا يضبطها؛ فكلما اجتمعت الأمانة مع الكفاءة، تحولت الصلاحية الفردية إلى نفع يتجاوز صاحبها إلى المجتمع.

ولهذا، فإن الجمع بين التقوى والكفاءة يمثل أحد أهم احتياجات المجتمعات المعاصرة؛ فالأخلاق بلا قدرة قد تعجز عن التأثير، والقدرة بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة ضرر.

من تجربة فرد إلى منهج حياة.. ماذا تعلمنا سيرة أبي عثمان؟

تقدم سيرة أبي عثمان النهدي نموذجًا متكاملاً للإنسان الذي أعاد تشكيل نفسه عبر مراحل متعددة: خرج من بيئة الشرك إلى نور التوحيد، ومن الانقياد للجماعة إلى الاستقلال بالحق، ومن العبادة الفردية إلى المسؤولية الاجتماعية، ومن قوة الشباب إلى ثبات الشيخوخة.

إن أعظم ما تكشفه هذه السيرة أن الإنسان ليس أسير بداياته؛ فقد يبدأ في بيئة مضطربة، لكنه يستطيع بالهداية والوعي والمجاهدة أن يصبح عنصرًا من عناصر الإصلاح، كما أن القوة الحقيقية ليست في طول العمر وحده، بل في أن يبقى المعنى حيًا داخل الإنسان مهما تغيرت الظروف.

الهوامش
  • 1 أبو عثمان النهدي الإمام، الحجة، شيخ الوقت، عبدالرحمن بن مل -وقيل: ابن ملي- ابن عمرو بن عدي البصري، مخضرم معمر، أدرك الجاهلية والإسلام، وغزا في خلافة عمر وبعدها غزوات. وحدث عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وبلال، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأسامة بن زيد، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي هريرة، وابن عباس، وطائفة سواهم. حدث عنه قتادة، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، وسليمان التيمي، وأيوب السختياني، وداود بن أبي هند، وخالد الحذاء، وعمران بن حدير وعلي بن جدعان، وحجاج بن أبي زينب، وخلق. وشهد وقعة اليرموك، وثقه علي بن المديني، وأبو زرعة، وجماعة.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص176.
  • 3 المرجع السابق، ج 1، ص 508 - 514 (ترجمة سلمان الفارسي).
  • 4 البداية والنهاية، ج 5، ص 14، 25 – 26.
  • 5 تاريخ مدينة دمشق، ج 4، ص 55.
  • 6 المرجع السابق، ج 1، ص 99.
  • 7 سير أعلام النبلاء، ج4، ص177.
  • 8 المرجع السابق، ج 4، ص 71-72.
  • 9 صفة الصفوة، ج 2، ص 132 (ترجمة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة