الشواطئ الإلكترونية.. اجتمعت الأسر وفرّقتها الشاشات!

الشواطئ الإلكترونية.. اجتمعت الأسر وفرّقتها الشاشات!

حينما يكون البحث عن «الترند» بديلاً عن معانقة الأمواج، والركض وراء الألعاب بديلاً عن الجري على رمال الشواطئ، والإعلان عن توفر باقات النت بسرعة فائقة، وتوفر أماكن للعمل عن بُعد، فأنت لست في إجازتك الصيفية بل في مكاتب عمل تغير شكلها، وفقدت الشواطئ بريقها ولم تعد ترتدي حلّتها أو مناخ سيرتها الأولى.

الشواطئ والجزر السياحية بالغة التكلفة تحولت لمكاتب إلكترونية، نعم اجتمعت الأسر ولكن ليس كسابق عهدها؛ إذ حالت الشاشات بين ذلك، وتحولت إلى هادم لذات يغتال أحلام المصطافين.

جزيرة بالي تتحول إلى مكاتب إلكترونية

يقول الخبير في الذكاء الاصطناعي مهند أمين، في حديثه لـ«المجتمع»: إن بعض المنتجعات السياحية أصبحت تتحول تدريجيًا إلى مراكز تجمع لمرتادي العالم الرقمي، حتى باتت أجواء العمل تطغى على أجواء الراحة، لا أحد يعترض على العمل عن بُعد، لكن من حق السائح أيضًا أن يجد مكانًا يفصل فيه نفسه عن الشاشات، لا أن يعيش بينها حتى في إجازته.

وتساءل أمين: هل تتخيل أن تسافر إلى جزيرة هادئة هربًا من ضغوط العمل، ثم تكتشف أن المكان الذي اخترته للاسترخاء يشبه مكتبًا كبيرًا أكثر من كونه منتجعًا سياحيًا؟

وسرد أمين قصة واقعية حدثت مع أحد أصدقائه عندما قرر قضاء إجازته في جزيرة بالي الإندونيسية، إحدى أشهر الوجهات السياحية في العالم، التي يقصدها الملايين كل عام بحثًا عن الهدوء والطبيعة والشواطئ الساحرة، قائلاً: كان متحمسًا لأن يبتعد عن الهاتف والبريد الإلكتروني وضغط الاجتماعات، لكن منذ اليوم الأول، شعر أن شيئًا ما ليس طبيعيًا، في كل زاوية كانت هناك أجهزة لابتوب مفتوحة، وأشخاص يتحدثون في اجتماعات عبر الإنترنت، وآخرون يعملون لساعات طويلة وكأنهم في شركة، لا في منتجع على شاطئ البحر.

ونوه أمين بأنه قال لي لاحقًا: كنت أريد أن أقضي عدة أيام بعيدًا عن أجواء العمل، لكنني شعرت وكأنني ما زلت داخل المكتب.

وكان أكثر ما أزعجه أن المنتجع أصبح يركز على توفير مساحات للعمل وإنترنت فائق السرعة وخدمات مخصصة للعاملين عن بُعد، أكثر من اهتمامه بتجربة الاستجمام نفسها، لذلك قرر إنهاء إقامته مبكرًا والانتقال إلى منتجع آخر أكثر هدوءًا.

الإعلانات و«الترندات» هادمة اللذات!

بينما أكد المستشار الأسري د. محمد الشاقلدي أن الإجازة الصيفية تعتبر فرصة ذهبية لاستعادة التوازن النفسي والأسري، وتجديد الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة، بعيداً عن ضغوط العمل والدراسة والمهام الحياتية المختلفة، إلا أن العالم الرقمي غيّر مفهوم الإجازة لدى كثير من الأسر، حتى أصبحت بعض الرحلات مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بينما تبقى الأذهان معلقة بالعمل والالتزامات المهنية والاجتماعات عبر وسائل التواصل المرئية.

وتساءل الشاقلدي: كم من أبٍ يأخذ حاسوبه المحمول معه إلى الشاطئ أو الحديقة، ويقضي ساعات الإجازة في تقديم الاستشارات أو متابعة الاجتماعات أو إنجاز المهام الإدارية! وكم من أُم أو ابنٍ ينشغل بهاتفه وشاشته عن الحوار والأنشطة الأسرية، وكم من ابنة تنشغل بمتابعة الإعلانات و«الترندات» عن الجلسات العائلية؟

وأضاف لـ«المجتمع» أنه بهذه الطرق والأشكال الرقمية تفقد الإجازة جوهرها الحقيقي، وتتحول الأسرة إلى مجموعة أفراد يجمعهم المكان وتفرقهم الشاشات.

وأوضح أن استمرار الارتباط بالعمل أثناء الإجازة يحرم الأسرة من الراحة النفسية، ويضعف التواصل العاطفي بين أفرادها، كما يبعث رسالة سلبية للأبناء مفادها أن العمل أهم من الأسرة والوقت المشترك.

وحول معالجة هذه المشكلة، يرى الشاقلدي أنه ينبغي الاتفاق مسبقاً على مجموعة من الأمور:

1- تعيين أوقات خالية من الأجهزة الرقمية خاصة ما يتعلق باجتماعات الأسرة الخاصة.

2- تحديد ساعات محدودة للرد على الضرورات المهنية.

3- التخطيط لأنشطة أسرية تفاعلية، كالألعاب الجماعية والرحلات والمنافسات الثقافية والرياضية التي تشجع على الحضور الذهني والتواصل المباشر.

4- تقديم الوالدين نموذجاً عملياً في الانفصال المؤقت عن العمل، واحترام أوقات الأسرة والراحة.

العالم الرقمي غربة داخل الوطن

فيما أكدت الخبيرة الأسرية والإعلامية الأردنية ياسمين الجيوسي أن التطور التكنولوجي المتسارع الذي يميز العصر الرقمي أدى إلى تغيرات كثيرة على إجازة الصيف للمغتربين بشكل واضح وعلى قضاء أوقاتهم أثناء زيارة الأهل والأوطان.

وأوضحت الجيوسي أنه بسبب التعلق بمردودات العمل يتشتت الشخص بين عمله في موطنه الأم عند قضاء إجازته، والتواصل بانعكاسات العمل في بلده البديل.

وتابعت، في حديثها لـ«المجتمع»: أوجد العصر الرقمي تحديات جديدة أثّرت على المغتربين وعلاقتهم المباشرة مع الأهل، ولا سيما الاستمتاع أيضاً بالإجازة واللقاءات العائلية والأنشطة الاجتماعية، فكما ساعدت التقنيات الرقمية بعض المغتربين على مواصلة أعمالهم أثناء الإجازة من خلال العمل عن بُعد ومنحتهم مرونة أكثر، لكنها قللت من فرص الراحة والاستجمام والتواصل الاجتماعي التي تعد أساس الإجازة أصلاً.

وبينت الجيوسي أنه يمكن وصف ذلك من خلال مشهد واقعي أشهده كل عام لوالدي؛ حيث يقف الوالدان حائرين أمام مشهد أشقائي المغتربين عندما يأتون لقضاء إجازة الصيف، بالرغم من شوقهما لقضاء كامل الوقت مع أبنائهم المغتربين، فإنهما يحترمان ويقدّران ظروف إخوتي وانشغالهم بالعمل عن بُعد، نظراً لمنصبهم الإداري الذي يستلزم متابعة عملهم حتى خلال إجازتهم.

واختتمت حديثها قائلة: يمكننا القول: إن العصر الرقمي أحدث تحولًا كبيرًا في إجازات الصيف للمغتربين، وقدم لهم خدمات متطورة ووسائل ميسورة سهلت حياتهم وسفرهم، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات تتعلق بإدارة الوقت وتحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الاجتماعية، ولذلك يبقى الاستخدام الواعي للتكنولوجيا السبيل الأمثل للاستفادة من مزاياها دون التأثير سلبًا على متعة الإجازة وأهدافها الحقيقية التي تعزز العلاقات الأسرية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة