القرآن في مواجهة خطر التقنيات الرقمية (1-2) العزلة أنموذجاً

القرآن في مواجهة خطر التقنيات الرقمية (1-2) العزلة أنموذجاً

القرآن في مواجهة خطر التقنيات الرقمية

يقدم القرآن معالجة عظمى وفريدةً لهذه الإصابات الواسعة والممتدة في كل المجتمعات الإنسانية المعاصرة، تتلخص هذه المعالجة في جملةٍ واحدةٍ «فن المشاركة»، فالمبدأ الاجتماعي الأول الذي ينحاز إليه القرآن، ويدفع إليه الإنسان هو الترابط الاجتماعي الإنساني الفعال والحقيقي بين كل أفراد المجتمع الخاص من ناحية، وبين أسرة المجتمع الإنساني العام من ناحية أخرى، ومن قواعد القرآن وأصوله الاجتماعية لفن المشاركة نشير إلى ما يلي:

مناسك العبادات وشعائرها وأبعادها الاجتماعية

1- العبادات اليومية، قال تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج: 23)، (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (المؤمنون: 9).

2- العبادات الأسبوعية؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) (الجمعة: 9).

3- العبادات السنوية: الصوم؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، والزكاة، (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، والحج؛ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران: 97).

الأوامر الشرعية والأخلاقية الاجتماعية

1- واجبات الوالدية الصالحة تجاه الأبناء، منها واجب الحماية الوجودية؛ (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ) (الأنعام: 151)، (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) (الممتحنة: 12).

2- واجب الحمايةالأخلاقية، أوجبت منظومة القيم القرآنية الزواج كطريق وحيد للولد، وللنسل الإنساني، ومن هنا فقد حرمت كل أشكال مجيء النسل غير هذا الطريق، فحرمت الزنى، وأوصت بعدم الاقتراب من كل ما يؤدي إليه، ووضعت سياجًا أخلاقيًا مانعًا لكل ما يُقرب منه؛ (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) (الإسراء: 32)، (وَلَا يَزْنِينَ) (الممتحنة: 12).

وكذلك المساواة الكاملة في الرعاية الاجتماعية بين المولود سواء كان ذكرًا أم أنثى، ومن ثم ندد الوحي بأولئك الذين يكظمون بوجوههم من شدة الحزن إذ سمعوا بأن مولودهم أنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل: 58).

3- واجب البناء الجسدي، وفي ذلك حدد القرآن مدة الرضاعة بحولين كاملين؛ (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (البقرة: 233)، وأوجب على الأب الإنفاق على غذاء الطفل وكسوته؛ (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 233)، ويضع القرآن قانونـــًا مفاده أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب؛ (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) (البقرة: 233).

4- واجب التربية العقدية، حث الأسرة جميعها على التزام النهج الإلهي عن طريق التقوى، من أجل الوقاية من سوء المصير؛ (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)؛ وهذه التقوى تكون من الوالدين للأبناء، وذلك بتوجيههم نحو الهدى وصوب الحق وناحية الإسلام.

5- واجب الإنفاق المادي، فالإنفاق مسؤولية الأب في المقام الأول، قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 233)، (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء: 34)، (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (الطلاق:7).

6- واجب تنمية القابليات العقلية، من واجبات الوالدية الصالحية التهيئة العقلية لأبنائها، وذلك عن طريقين؛ الأول: اكتشاف احتياجات المعرفة عند الطفل في مراحل نموه، والثاني: تلبية الاحتياجات العقلية لكل مرحلة من مراحل نموه من خلال المحيط الأسري الخاص بالطفل وكذلك البيئة الاجتماعية.

والبيئة القرآنية في ذلك تشير إلى أن الطفل يولد وعقله المعرفي صفحة بيضاء، بينما يمتلك الوسائل اللازمة لتحصيل المعارف بشقيها الاستقرائية والاستنباطية؛ (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) (النحل: 78).

7- واجب التربية الجنسية، ومن ضروريات التربية الجنسية تعليم سورة «النور» لكل أفراد الأسرة، نظرًا لما تتضمنه هذه السورة من تعليمات وإرشادات بالغة الأهمية في المجالين الديني والاجتماعي للمسلم.

وقد تضمنت سورة «النور» مجموعة من المحاور التعليمية والتربوية تتعلق بالعلاقات بين الجنسين (الذكر والأنثى)، والحدود والقيم الأساسية التي يجب أن تحكم تلك العلاقات، ينبغي أن تكون مصدرًا مهمًا للتربية الجنسية في الأسرة، وأهم هذه المحاور ما يلي:

  • أحكام وحدود القذف والزنى، والتأكيد على قيم الصدق والتثبت والتبين في القطع بتلك الحدود.
  • تفعيل قيم الاستعفاف لمن لا يقدر على تكاليف الزواج ومسؤولياته المادية.
  • آداب دخول البيوت.
  • غض البصر.
  • حفظ الفرج.
  • إبداء الزينة؛ شروطها وآدابها.
  • الحجاب وفرضيته.
  • محارم النساء.
  • الحفز إلى الزواج.
  • آداب الاستئذان للأولاد في الدخول على الوالدين.
  • مباحات التواصل القرابي الاجتماعي مع الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والأصدقاء.
  • النهي عن التبرج.

ومن حقوق الوالدين خفض الجناح: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء: 24)، والدعاء بالغيب الرحمة: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء: 24)، وواجب الشكـر: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان: 14).

الوالدية الاجتماعية لليتيم

وجه آخر في منظومة قيم الوالدية في القرآن، الوالدية الاجتماعية التي تتعلق بالمجتمع عندما يقوم بدور الأبوين تجاه الطفولة التي لها وضع خاص في الواقع الاجتماعي، هذه الوالدية خاصة بحالة اليتامى؛ أي الذين فقدوا عناصر الوالدية الحقيقية والأصلية، حيث يتحول المجتمع، أو بالأحرى من ينوب عنه في القيام بمهمة الوالدية الاجتماعية.

يمثل واجب الرعاية الاجتماعية لليتيم إطارًا للحماية المادية والمعنوية معًا، من خلال مواجهة احتياجات اليتيم اليومية من توفير الطعام واعتبار ذلك إحدى القربات المهمة للوالدية الاجتماعية؛ (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان 8)، (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) (البلد : 15).

ثم المعاونة المادية لأمورهم حتى يرشدوا إلى حسن التصرف والحماية لأنفسهم والرشد؛ (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) (الكهف: 82)، فاليتامى في حماية المجتمع كله حتى يرشدوا، كما أنهم مكون رئيس في مصادر إنفاق الدولة والنظام الاقتصادي فيها، حيث يجب أن يوجه إليهم ما يكفيهم من ميزانية الدولة؛ (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ) (الأنفال: 41).

وهم أيضًا ضمن تشكل المنظومة الاجتماعية التي تقاسم الوارثين، حتى لا تنفك أواصر اليتامى الفقراء الاجتماعية مع عناصر المجتمع؛ (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (النساء: 8).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة