التحولات التربوية والأسرية في الدراما العربية والخليجية (2 – 2)
أزمة المرجعية والهوية في ظل التغير المادي!
القضية الثانية
التي تفتتها الدراما سواء كانت العربية أو الخليجية اليوم، وتتطلب منا وقفة نقدية
متفحصة، قضية الجوهر المفقود، أو بمعنى آخر أزمة المرجعية والهوية في ظل التغير
المادي الرهيب الذي أصاب المجتمعات العربية في مقتل، إذ إننا نجد أنفسنا في مواجهة
أمام تحول نوعي في كيفية إدراكنا لقيمتنا كبشر في المجتمع.
قديماً، كان يتم
تقييم الإنسان بما ينتهجه من أسلوب في الحياة وبما يتمسك به من مبادئ، وكذلك بمدى
قربه من أهله وبأخلاقه وبثباته على مبادئه وحفاظه على هويته، أما الآن، فقد صار
المظهر المعيار الأساس والحاكم؛ حيث تحولت القيمة من كونها ممارسة يومية نابعة من
عمق الضمير الإنساني إلى صورة للتباهي يتم استعراضها في الفضاء العام، وهذه هي
المعضلة.
ولعل هذا
الانتقال من القيم التي تبني الإنسان إلى القيم التي تبني الصورة التي يظهر عليها
الإنسان هو ما قد يربكنا قليلاً، ويضع يدنا في ذات الوقت على حدوث تغير كبير في
ذائقة الناس، وهو ما أدى بالطبع إلى إعادة صياغة لتعريف الكثير من المفاهيم كالحب
والنجاح والمال والزواج والأسرة في عقول الأجيال الجديدة.
وهو ما نلحظه
بوضوح في الأعمال الدرامية الخليجية والكويتية على وجه الخصوص التي أصبحت تعامل
الديكور والرفاهية التي تظهر في مواقع التصوير (اللوكيشن) كأبطال رئيسين للعمل
الدرامي بعيداً عن القصة والصراع الذي تناقشه واقعياً، بينما تراجعت القيم
التربوية لتصبح ديكوراً، والأكثر من ذلك يتحول هذا الديكور (الأصل) إلى خلفية
باهتة وربما غير مرئية بالأساس؛ وهو ما يعني تبادل الأدوار بين القيم واستلابها من
المركزي إلى الهامشي وبالعكس!
في الدراما المسرحية
مثلت الدراما
المسرحية مبضع الجراح الذي يجد في كشف تشوهات النفس البشرية التي سببتها الأطماع
المادية، متجاوزاً حدود الزمان والجغرافيا ليعيد صياغة الوعي الإنساني تجاه تآكل
القيم وانهيار الروابط، ويتجلى هذا الدور بوضوح في الروائع العالمية، فإذا توجهنا
نحو المسرح الأمريكي لرأينا عام 1949م تراجيديا صارخة في مسرحية «موت بائع متجول»،
التي تجسد كيف تطحن المادية الحديثة أحلام الإنسان البسيط، وتنتهي حياته بالانتحار
كحل مالي أخير لتأمين عائلته التي تفككت تحت وطأة السعي الأعمى وراء وهْم النجاح!
هذا النقد
المأساوي نراه ينتقل إلى خشبة المسرح المصري عام 1993م في مسرحية «الواد سيد
الشغال» (مصر، التي بدأ عرضها الحي عام 1985م)، ولكن بقالب كوميدي ساخر يعري كيفية
تحول أقدس الروابط الإنسانية، وهو الزواج، وتحوله لصفقة تجارية ومصلحة نفعية
تشتريها أموال الأثرياء بلا اعتبار للقيم الاجتماعية!
ويكتمل هذا
الرصد في المسرح الخليجي لنرى مسرحية «باي باي لندن» (الكويت، 1981م) من خلال
تسليط الضوء على هوس الإنفاق المظاهري والانجراف خلف بهرجة الاستهلاك وإغراءات
المادة الزائفة في الغرب؛ ما يدفع الإنسان للتخلي عن هويته ومسؤولياته الأسرية
الأصيلة، ليتحد المسرح بمختلف أشكاله في إدانة انتصار المادة على حساب الروحانيات
والمثل العليا.
في السينما والتلفزيون
من أكثر الأمثلة
شيوعاً على مستوى الدراما العربية تعبيراً عن الصراع الأزلي بين التمسك بالمبادئ والسقوط
في فخ المادية المفرطة والثراء المحرم، حيث يضحي البعض بالقيم والأخوة من أجل
المال، مسلسل «المال والبنون» (مصر، الجزء الأول 1992 والجزء الثاني 1995م)، وفي
مسلسل «أمنا رويحة الجنة» (الكويت، 2015م)، نرى كيف أدت المادية المفرطة إلى تآكل
أسمى الروابط الإنسانية التي كان يرتكز عليها المجتمع الكويتي، وهي علاقة الأبناء
بالأم، حيث صار المال المعيار الذي يُقاس به الاحترام والمكانة، فصارت الأم بقيمها
وعطائها في كفة، والمال والمكانة في كفة أخرى، كما يوضح لنا العمل كيف أن الأسرة
حين تفرغ من جوهرها القيمي وتملأها بالمظاهر، تصبح هشة وأسهل في التفكك عند أول
أزمة.
وفي مسلسل «عبرة
شارع» (الكويت، 2018م) الذي يطرح نموذجاً لامرأة تجردت من مشاعر الإنسانية
والأمومة تجاه عائلتها وأبنائها، وسيطرت عليها الأنانية المفرطة والجشع، لاهثة
وراء مصالحها الشخصية وحساباتها المادية الجافة على حساب الروابط الأسرية.
كما يبرز مسلسل «ساق
البامبو» (الكويت، 2016م) كنموذج حي يضع المجتمع الكويتي أمام مرآة قاسية؛ فالرفض
الذي واجهه البطل لم يكن لأخلاقه أو إنسانيته مثلاً، بل لكونه لا يشبه صورتهم
النمطية، وحينما عرض هذا العمل في وقته كان صرخة كويتية عالية ضد المادية التي
سرقت دفء القلوب؛ فالهوية في المجتمع الحديث صارت قناعاً، وكل من لا يرتدي هذا
القناع المادي لا مكان له في تلك المجتمعات المزيفة.
في مقابل هذا
الغرق في المادة، تظل الأعمال الإذاعية الجادة بكل ما تحمله من بساطة وعمق المحاولة
الأكثر صدقاً لمحاولات استرداد الجوهر وقيمه؛ ففي الإذاعة، لا توجد فساتين فاخرة
ولا قصور ولا استعراض لفخامة المكان ولا للتكنولوجيا التي غيرت وجه الحياة، هناك
فقط الكلمة والحكاية، الكلمة والحكاية والصوت.. الكلمة والحكاية والصوت والمشاعر..
وهكذا.
إنها تلك
المساحة التي لا تزال تحترم عقل المستمع وتخاطب وجدانه بعيداً عن صخب المظاهر؛
لذلك، فإننا في أمسّ الحاجة إلى إحياء هذا الجوهر في كل فنوننا، نحتاج إلى أعمال
درامية سواء كانت مسرحية أو تلفزيونية أو سينمائية أو إذاعية لا تخجل من أن تظهر
بساطة بيوتنا العربية، ولا تخاف من أن تقول: إن القيم أهم من «البرستيج» والمظاهر.
فأزمة المظاهر
التي ترصدها الدراما في عموميتها والدراما الخليجية بخاصة أزمة خيار بين طريق إظهار
الجوهر والتركيز على جمالياته التي نحتاجها لمجتمع متماسك حيث تكون القيمة في
الصدق والتماسك، أو طريق الاستهلاك و«البرستيج» والمظاهر حيث تكون القيمة في هذه
الحالة منحازة لكل ما هو مبهر.
من الأهمية
بمكان أن تعود الدراما للتأكيد على أن البيوت ليست بأثاثها، والهوية الحقيقية ليست
بالاختباء وراء الأقنعة، والمال وحده ليس مصدراً رئيساً للسعادة لتمحو الكثير من
الأفكار التي ترسخت مؤخراً في وعي المشاهد، وتؤكد له أن الاحترام ليس امتيازاً
ينعم به الأغنياء فقط، وليس المعبر الوحيد عن تمام الأخلاق!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً