من البيت الكبير إلى ظاهرة الجزر المنعزلة (1 - 2)
قراءة في التحولات التربوية والأسرية في الدراما العربية والخليجية
هل يمكننا القول:
إن الدراما العربية والخليجية لا تزال تحمل رسالتها في حماية القيم الأسرية، أم
أنها صارت شاهدة على تآكلها؟
تراودنا مثل هذه
الأسئلة حينما نتفحص كيفية تعاطي الفن لمنظومة القيم الإنسانية التي يحتاجها الفرد
ليستطيع التعامل مع مفردات حياته، ولأن الفن في الغالب الأعم يعد انعكاساً
لمشكلاتنا وآمالنا وأحلامنا، فقد خصصنا هذين المقالين للغوص في جوهر التحولات
التربوية والأسرية داخل هذه المنظومة شديدة الأهمية، ولأن العمود الفقري في هذا
الموضوع البيت الكبير والعائلة المتماسكة، فليكن خيط البداية مركزاً على ما نراه
الآن عبر الكثير من المواد الدرامية المقدمة، لنرى كيف انحسر دفء الترابط الأسري
لصالح غول العزلة الرقمية؟
لو حاولنا قراءة
المسار الدرامي العربي والخليجي في العقود الأخيرة، سنكشف عن تحول بنيوي يمتد من
شكل ومظهر البيوت العربية المجسدة عبر الأعمال الدرامية إلى أن يصل إلى ما يمكننا
أن نسميه بفلسفة العائلة التي تربينا عليها وتأصلت في وجداننا الجمعي؛ فقد انتقلنا
من نموذج البيت الكبير الذي يمثل الوحدة الواحدة، والسند والملجأ والملاذ، حيث
القيادة الروحية والأدبية الحكيمة والاتفاق على المصير المشترك، إلى نموذج آخر
غريب عنا، يتفتت من خلاله البيت الملاذ إلى عدة جزر منعزلة يعيش فيها الأفراد تحت
سقف واحد دون أن يتقاسموا أي مشاعر أو أحاسيس!
كانت الأسرة
تمثل الحصن والملجأ في الذاكرة الفنية العربية على حد سواء، ففي الدراما المصرية
والخليجية واللبنانية والسورية، كان بيت العائلة أو الحارة المركز الذي يدور حوله
الكون، تماماً كما كانت الديوانية في الخليج المكان الذي تتقاطع فيه قيم القبيلة
والمجتمع في بدايات النهضة الفنية، كان المسرح والدراما التلفزيونية والسينما تطرح
قضايا الأسرة بلسان جمعي، فكانت السلطة تنحصر في شخصية الأب أو الجد حراس الحقيقة
والأخلاق، ومع ذلك لم تكن سلطة قمعية، بل كانت بوصلة تمنع الضياع الأخلاقي
والاجتماعي.
«أم البنات» و«ليالي الحلمية»
هذا التحول يبدو
بشكل واضح حين نقارن بين دراما ما يطلق عليه الزمن الجميل، وما نراه اليوم؛ ففي
مسلسل «أم البنات» (الكويت، 2009م) رأينا الأب «عقاب» كآخر تجسيد لسلطة الحكمة، التي
تحاول الصمود، وفي الدراما العربية الكلاسيكية الشهيرة مثل مسلسل «المال والبنون»
(مصر، 1993، 1995م) أو «ليالي الحلمية» بأجزائه العديدة (مصر، 1987م)، كان الأب المرجعية
التي تُضبط على أساسها الساعة الأخلاقية للبيت.
لكننا مع التحول
نحو دراما أكثر تفككاً، نجد في مسلسل «جنة هلي» (2020م)، كما رأينا حالة من الخواء
الممنهج في كثير من الأعمال العربية المعاصرة، حيث بدت الأسرة مجموعة من الأفراد
الذين يعيشون صراعاتهم الخاصة، والآباء موجودون في المكان دون أن يمتلكوا تلك
السلطة التي كانت توحد البيت قديماً، وبهذا تلاشى هنا الكيان القديم المتصل.
فالدراما هنا لا
تنتقد السلطة في حد ذاتها، بقدر ما تشرح غياب المرجعية عن دورها، فلا عاد صوت
لكبير يتم الاحتكام إليه، وهو ما أدى إلى ظهور أجيال تائهة تبحث عن هويتها خارج
حدود البيت.
حتى في الأعمال
التي حاولت استعادة دفء العائلة وقيمها وتقاليدها في مسلسل «أبو العروسة» (مصر،
2017م)، لنكتشف أن هذا الدفء صار استثناء نتحسر عليه في هذه الأيام، وليس قاعدة
يجب أن نعيشها، وهو ما يثبت للجميع أن الدراما العربية والخليجية باتت تدرك أن
استعادة رؤية البيت الكبير وإستراتيجية التعامل من خلاله بمثابة معجزة في زمن
الفردانية والعزلة.
وإذا نظرنا إلى
هذا التفكك لوجدناه غير مقتصر على الدراما التلفزيونية، وممتداً بشكل كبير ليعيد
تشكيل ذائقتنا الفنية؛ فالإذاعة والمسرح والسينما سواء العربية والخليجية فقدت
قدرتها على فرض سلطة تربوية موحدة، في ظل تفتت المجتمع الصوتي والبصري، حيث يمتلك
كل فرد عالمه الخاص؛ ما أضعف فرص الحوار الأسري والجماعي.
فالتحول من
عائلة المبدأ التي تجتمع على هدف إلى عائلة المهام والأفراد الذين يعيشون في جزر
منعزلة، يضعنا أمام أزمة تربوية حادة، ويدعونا للتساؤل عن كيف يمكننا الحفاظ على
نسيج اجتماعي متماسك إذا كانت الدراما، وهي مرآتنا، لم تعد تؤمن بأن البيت مكان
يستحق أن يضحي الأفراد من أجله؟
الدراما والاستلاب القيمي
هذه الأزمة
الهيكلية تقودنا بالتأكيد إلى ما يسمى بالاستلاب القيمي، حيث لم تعد القيمة تقاس
بالجوهر، ولكنها أصبحت بالمظهر، وهو تحدٍّ كبير يواجه الدراما العربية والخليجية
على حدٍّ سواء؛ وأصبح الانتقال من القيم التي تبني الإنسان إلى القيم التي تبني
الصورة التحدي الأخطر الذي يواجه الأسرة اليوم.
في مسلسل «أمنا
رويحة الجنة» (الكويت، 2015م) كما في كثير من الدراما العربية التي تصور صراعات
الطبقات المحدثة، لنرى كيف أدت المادية المفرطة إلى تآكل أسمى الروابط الإنسانية،
حيث صار المال المعيار الذي يُقاس به الاحترام والمكانة في المجتمع، لتصبح الأسرة
عرضة أسهل في التفكك عند أول أزمة مادية، وفي أعمال أخرى كثيرة، نرى كيف تشتري
المادة الاحترام وتحدد مسارات الأبناء، لتتحول القيم التربوية إلى بضاعة تخضع لمبدأ
العرض والطلب.
لقد كانت هذه
الأعمال بمثابة وثائق اجتماعية ترصد كيف صار مقياس القيمة من يملك أكثر ومن يظهر
بأجمل صورة؛ ما يرسخ في وعي المشاهد أن الاحترام والتقدير امتياز مخصص للأغنياء
فقط.
في مقابل ذلك،
تبرز أعمال مثل «ساق البامبو» (الكويت، 2016م) أو بعض التجارب السينمائية العربية
الجادة مثل فيلم «وجدة» (السعودية، 2013م)، أو بعض الأفلام الواقعية التي خرجت من
رحم السينما العربية المستقلة، لتضع المجتمع أمام مرآة قاسية؛ فالرفض الذي يواجهه
البطل في هذه الأعمال ليس لأخلاقه، بل لكونه لا يشبه صورتهم النمطية المعتادة، وهو
نقد مباشر لكيفية تحول الهوية إلى قناع بعيداً عن الجوهر.
هذه المحاولات
النقدية كانت تحاول بقدر ما تستطيع إنقاذ الجوهر من طوفان المادة، وتضعنا أمام
الحقيقة المرة التي تصرخ في وجوهنا ولا نريد الاعتراف بها، وهي أننا بنينا بيوتنا
من أفضل المواد، وفرشناها بأغلى الأثاث، لكننا فقدنا الروح التي كانت تجعلها وطناً
حقيقياً.
ففي المسرح،
وجدنا عروضاً مثل «يا طالع الشجرة» (مصر، 1962م)، و«مجاريح» (الكويت، 1970م)، كل
منهما يناقش كينونة الأسرة والبيت الكبير، كما رأينا العديد من التجارب الحديثة
التي أخذت تصرخ وتحذر بوضوح من أننا عرضة لفقد ذاكرتنا الجمعية وقيمنا المجتمعية
حين اخترنا أن نصبح نسخاً مشوهة منا، متوارين في عالم مادي لا يرحم، وذلك حين
اندفع المسرح إلى الغرق في التقنيات الزائدة عن الحد مبتعداً عن أصله وهي الحكاية والحبكة
البشرية، واللمحة الإنسانية، فإذا هو يشارك حتى ولو -من دون قصد- في هذا التزييف،
لأنه يخلق نوعية من المشاهدين تنبهر بالمظاهر أكثر مما تفكر في مآلات المعاني كما
في عروض مثل «صدى الصمت» (العراق، 2013م)، و«قمة هاملت» (الكويت، 2002م).
إن أزمة
المظاهراتية التي ترصدها الدراما العربية والخليجية أزمة خيار، فالفن يضعنا أمام
طريقين لا ثالث لهما؛ طريق الجوهر حيث القيمة في الصدق، وطريق الاستهلاك حيث
القيمة في كل ما هو لامع وفارغ وبرَّاق!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً