روعة الاستهلال وجوامع الكلم.. قراءة بلاغية في ثنائية الصبر والشكر
الإنسان أمام
قَضاءِ اللهِ وقَدَرِه حاله بينَ أَمرينِ؛ الرضا عند السراء والسخط صفة لكثير من
الناس إذا أصابتهم الضراء، أما المؤمن فحاله مختلفة؛ لأن الإيمان يحمل صاحبه على
الشكر في حالة السراء، والصبر في حالة الضراء، فهو يُسَاعِدُ على مُوَاجَهَةِ
الْأَزمَاتِ، وبه يتحول الْبَلاء إِلَى نِعْمَةٍ بتَدْرِيبِ النَّفْسِ عَلَى
الرِّضَا، وكسب الخير في جميع الحالات.
وهذا هو سر
العجب في أمر المؤمن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه
صُهَيْب: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ،
وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ
فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»
(صحيح مسلم، 4/ 2295).
التحليل اللغوي لرواية الحديث
1- افتُتح
الحديث بالمصدر المنصوب «عجبًا»، الذي يفيد الثبوت والدوام، لا مجرد الانفعال
العابر، والتعجب في العربية يأتي لإظهار عظمة الأمر وخفائه على العقول المعتادة؛
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يلفت السامع إلى حالة إيمانية نادرة؛ لأننا أمام
إنسان تتحوّل كل أحواله –على اختلافها– إلى خيرٍ محض، و«عجباً» مفعول مطلق لفعل
محذوف تقديره أعجب عجبًا.
2- إفادة
التخصيص المتعلقة بتقديم الجار والمجرور «لأمر المؤمن»؛ أي: عجبًا كائنًا أو
حاصلًا لأمر المؤمن، فهو يُمهِّد السامع ذهنيًا لتوقّع بيان هذا الأمر العجيب.
3- «إنَّ أمره
كله له خير»: «إنَّ» المشددة تفيد توكيد مضمون الجملة الاسمية، ولأن النبي صلى
الله عليه وسلم يُدرك غرابة الحكم في أذهان السامعين، فاحتاج إلى تثبيته وتأكيده
مرة ثانية بكلمة «كله» التي تفيد التوكيد المعنوي والاستغراق الحقيقي؛ ليشمل جميع
أمور المؤمن؛ فالخير لا يقتصر على حال دون حال، بل يشمل السرّاء والضرّاء معًا،
وهو ما يُخرج الحديث من كونه خبرًا جزئيًا إلى قاعدة كلية.
4- «إن أصابته
سراء، وإن أصابته ضراء»؛ اعتمد الحديث على أسلوب الشرط، وهو من الأساليب التي تفيد
التعليق والتكرار؛ أي أن الحكم يتجدّد كلما تجدّد الشرط.
5- «فكان خيرًا
له»؛ ربط جواب الشرط بالفاء التي تفيد التعقيب والسببية؛ أي بسبب الشكر أو الصبر
يتحقّق الخير للمؤمن، ويؤكد هذا المعنى ما جاء في القرآن الكريم من علو منزلة
الصابرين في قوله تعالى: (إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر: 10)، وما أكده
النص القرآني من اقتران الشكر بالزيادة في قوله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7).
وشكر النعمة ليس
لفظًا باللسان فقط، بل هو اعتراف بالقلب، وعمل بالجوارح، وإقرار باللسان، فإذا فعل
الإنسان هذا قاوم الغفلة وضمن دوام النعمة.
الأوجه البلاغية لتخصيص المؤمن بالخيرية في جميع أحواله
يحمل هذا الهدي
النبوي معانيَ بلاغية راقية تتضح فيما يأتي:
1- جمال
الاستهلال: بدأ الحديث بكلمة «عجبًا» التي تهدف إلى إثارة التشويق ولفت الانتباه
لما سيأتي بعدها من تفصيل.
2- صيغة العموم
والشمول: في «كله» توضح أن كل تفاصيل حياة المؤمن -سراء أو ضراء- هي في مصلحته
الأخروية والدنيوية؛ فللمؤمن عند السراء نعمتان؛ نعمة حصوله على ما يحب، ونعمة
التوفيق للشكر، ويجتمع له عند الضراء ثلاث نِعَم؛ نعمة تكفير السيئات، ونعمة حصول
مرتبة الصبر التي هي أعلى من ذلك، ونعمة سهولة الضراء عليه؛ لأنه متى عرف حصول
الأجر والثواب، والتمرن على الصبر، هانت عليه وطأة المصيبة، وخف عليه حملها، وبذلك
تتم عليه النعمة في الدنيا والآخرة.
3- التعبير
بأسلوب القصر والحصر في قوله: «له خير»؛ فقد أفاد القصر أن أمر المؤمن كله مختص
بالخير لا يشاركه فيه غيره، وهو قصر إضافي تُفهم دلالته من السياق، وتكرر القصر
باستخدام النفي «ليس» والاستثناء «إلا»؛ وهو أسلوب قصر يفيد التخصيص «وليس ذلك
لأحد إلا للمؤمن»؛ أي: هذه المزية والمنقبة للمؤمن دون غيره، فغير المؤمن قد يشكر
عند السراء، لكنه شكر مصلحة لا عبادة، وقد يصبر عند الضراء، لكنه صبر اضطرار لا
احتساب، وهذا يعزز قيمة الإيمان وأثره في نفس صاحبه.
4- الإيجاز
البليغ: قدم الحديث الجامع قاعدة شاملة للحياة في جمل قصيرة، حيث جمع أحوال الدنيا
كلها في مسارين؛ سراء وضراء، وبيَّن طريق النجاة والفلاح في سلوكين فقط؛ الشكر
والصبر، وهو ما يجعله جامعًا مانعًا.
وهنا نكتة
بلاغية لطيفة؛ وهي أن الحديث خلا من أي تفصيل لكيفية الشكر أو الصبر، واعتمد على
الإيجاز بالحذف، وهو إيجاز فيه ثقة بالسامع، وفتح لباب الاجتهاد؛ وهو ما جعل
الحديث صالحًا لكل زمان ومقام.
5- المقابلة
المعنوية: بين جملتين في تركيب متوازٍ، يُعَدّ من أعلى صور الانسجام البلاغي «إن
أصابته سراء شكر.. وإن أصابته ضراء صبر»؛ حيث اعتمد على المقابلة بين حالتي السراء
والضراء، والشكر والصبر؛ وهو ما يبرهن على التوازن النفسي واليقين الإيماني.
وبتوضيح هذا
الهدي النبوي الجامع عرف السر الذي يجعل المؤمن ثابتاً في زمن المتغيرات، شاكراً
في الرخاء، صابراً في الشدة، منتظراً بقلب مطمئن الخير من ربه في كل أموره، وهو أن
الأمر كله لله، والخير كله من الله، فكيف لا يكون أمر المؤمن -المتصل بالله- كله
خيراً؟ وهذا هو سر العجب الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
اقرأ
أيضاً:
- التجارة
الرابحة.. تجلياتُ البيانِ النبوي في فضلِ عبادةِ الخفاءِ
- تجليات
البيان النبوي في القيادة التربوية والإرشادية
- سر الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً