سر الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة

محرر سحر البيان

30 نوفمبر 2025

104

يُعدّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» من أبلغ وأجمع النصوص في بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة؛ فهو  منهاج متكامل يجمع بين حقوق الخالق وحقوق النفس وحقوق المخلوقين.

إن قوة هذا الحديث تكمن في بلاغته اللغوية وعمقه التربوي الشامل، حيث اختُصرت أصول الدين في ثلاث جمل قصيرة، كل جملة تمثل ركيزة أساسية لا يستقيم إيمان العبد إلا بها.

تقوى الله.. درع الوقاية الدائم

تبدأ الوصية الأولى بالأمر الإلهي: «اتق الله حيثما كنت»، فعل الأمر «اتق» يحمل دلالة اللزوم والوجوب، وهو مشتق من الوقاية؛ أي جعل حاجز ودرع يحمي النفس من عذاب الله وسخطه بفعل الأوامر واجتناب النواهي؛ فالكلمة المفتاحية في هذه الجملة هي «حيثما كنت»، هذا التعبير البلاغي بـ«حيثما» (الظرفية الشرطية) يفيد شمول التقوى وعدم اقتصارها على مكان أو زمان محدد، وهو يعد دليلاً لغوياً على الإطلاق والعموم؛ فهو يؤسس لمبدأ الإخلاص والمراقبة الدائمة؛ فالمسلم مطالب بأن يكون تقياً في الخلوة كما هو في الجلوة، في السر كما هو في العلن، هذا المبدأ هو الذي يرفع العبادة من مجرد طقوس مرئية إلى حالة قلبية دائمة، ويضمن الاستقامة الحقيقية.

إتباع الحسنة للسيئة.. منهج العلاج الفوري

تأتي الوصية الثانية كجبر للقصور البشري الذي لا يخلو من الزلل: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، هذا التوجيه يراعي واقع الطبيعة البشرية القابلة للخطأ، فهو يقدم العلاج الفوري بدلاً من اليأس والقنوط؛ فالأمر بـ«أتبع» يقتضي المسارعة والمبادرة؛ أي يجب أن تكون الحسنة تالية وملاصقة للسيئة دون تراخٍ.

وتكمن الجمالية اللغوية هنا في بناء الجملة النحوي، وتحديداً في الجزم بـ«تمحُها»؛ حيث جاء الفعل المضارع مجزوماً لوقوعه جواباً للطلب (الأمر «أتبع»)، ليؤكد أن المتابعة والإتباع السبب المباشر واليقيني للمحو والغفران، كما أن المقابلة البلاغية بين «السيئة» و«الحسنة» تعزز المعنى، وتجعله حاضراً في الذهن: لا تترك الفراغ للسيئة أن تستقر؛ بل املأه بالإيجابية فوراً، إنها تربية على عدم الاستسلام للخطأ، بل جعله دافعاً لفعل خير أكبر.

ضبط العلاقة بالمجتمع

تُختتم الوصايا بما يضبط علاقة الفرد بالمجتمع: «وخالق الناس بخلق حسن»، هذا الترتيب حكيم تربوياً؛ فصلاح التعامل مع الناس لا يمكن أن يتم إلا بعد صلاح العلاقة مع الله ومع النفس، هنا نجد دقة البيان النبوي في اختيار الألفاظ؛ فبعد استخدام فعل الأمر «اتق» (الذي يشير إلى علاقة أحادية مع الله)، جاء الفعل «خالق» على وزن فاعَلَ (المفاعلة)؛ هذه الصيغة الصرفية التي لا تقتصر على الفعل الذاتي، بل على التفاعل والتبادل والاستمرار بين طرفين؛ أي أن حسن الخلق ليس مجرد عمل تقوم به أنت، بل هو معايشة دائمة مبنية على الأخذ والعطاء والتسامح المتبادل.

إنه دعوة للعمل الاجتماعي المستمر، يؤكد أن أفضل ما يُقدّم للدين ليس فقط العبادات الشعائرية؛ بل الأثر الطيب الذي يتركه المسلم في نفوس من حوله، ليكون بذلك داعية بأخلاقه قبل قوله.

ثلاثية بناء الشخصية المسلمة المتوازنة

يُشكّل الحديث الشريف ثلاثية متكاملة هي بمثابة الدستور العملي للمسلم، استخدم فيها النبي صلى الله عليه وسلم أقصى درجات الإيجاز والبلاغة النبوية لجمع الأصول والفروع، هذا النص يظل شاهداً على تفوق البيان النبوي في تقديم منهج شامل للحياة؛ حيث يبدأ من الأساس الروحي (التقوى)، وينتقل إلى إدارة الذات وتصحيح الخطأ (التوبة)، وينتهي بالتعامل الاجتماعي الصحيح (حسن الخلق)؛ فهذه دوائر ثلاث لا ينفك المسلم عنها (دائرة التعامل مع الله، ثم مع النفس، ثم مع الناس).


 

اقرأ أيضاً:

الرابط الإيماني والاجتماعي بين شكر الله وشكر الناس

بين ظلال الطير وسكون اليقين.. قراءة أسلوبية في بلاغة التوكل بين الوحيين

من التوبة إلى اليقين.. المنظومة الإيمانية والبلاغية لـ«سيد الاستغفار» 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة