...

الفرق بين العفو والمغفرة

قال تعالى: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ‌وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) (البقرة: 286)، من جمال البيان القرآني ودقته وعمق دلالته أنه يفرق بين الألفاظ والكلمات المتقاربة في المعنى، وذلك مثل كلمتي العفو والمغفرة، حيث يظن البعض أنهما بمعنى واحد، ثم يتساءل: إن كانتا بمعنى واحد فلم كررهما؟ وإن اختلفتا فما المراد منهما؟

من الأسماء الحسنى العفو والغفور

أوضح القرآن الكريم أن الله تعالى هو العفو وهو الغفور، فهذان من الأسماء الحسنى التي يدعو المسلم بها ربه سبحانه، وهما من أسماء الكمال التي سمى الله بها نفسه في كتابه، حيث جمع بينهما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ ‌عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: 43)، وقال سبحانه: (وَكَانَ اللَّهُ ‌عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: 99)، وقال أيضاً: (وَإِنَّ اللَّهَ ‌لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة: 2).

كما ذكر الله تعالى العفو والمغفرة منفصلين، ففي العفو قال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ ‌تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ ‌عَفُوًّا قَدِيرًا) (النساء: 149)، وقال عز وجل: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ‌وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) (الشورى: 25)، وفي المغفرة قال تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ ‌غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة: 199)، وقال أيضاً: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ‌غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة: 235).

معنى العفو والمغفرة

يرى بعض العلماء أن العفو محو السيئات تماماً، وأن المغفرة سترها فقط، وبناء على هذا يكون العفو أبلغ وأفضل من المغفرة، أو تكون المغفرة المرحلة الأولى أو النتيجة الأولى للتوبة، والعفو الثمرة الكبيرة.

قال الغزالي: ‌‌الْعَفُوّ هُوَ الَّذِي يمحو السَّيِّئَات ويتجاوز عَن الْمعاصِي وَهُوَ قريب من الغفور، وَلكنه أبلغ مِنْهُ، فَإِن الغفران يُنبئ عَن السّتْر، وَالْعَفو يُنبئ عَن المحو، ‌والمحو ‌أبلغ ‌من ‌السّتْر(1).

وقال المناوي: ‌العفو ‌في ‌حق ‌الله ‌تعالى ‌عبارة ‌عن ‌إزالة ‌آثار ‌الذنوب بالكلية فيمحوها من ديوان الكرام الكاتبين، ولا يطالبه بها يوم القيامة، وينسيها من قلوبهم لئلا يخجلوا عند تذكيرها، ويثبت مكان كل سيئة حسنة، والعفو أبلغ من المغفرة؛ لأن الغفران يشعر بالستر، والعفو يشعر بالمحو، والمحو أبلغ من الستر(2).

بينما يرى بعض العلماء أن المغفرة أبلغ من العفو.

قال أبو هلال العسكري: العفو: ترك العقاب على الذنب، والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة، ولذلك كثرت المغفرة من صفات الله تعالى دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفر الله(3).

وقال الكفوي: الغفران: يَقْتَضِي ‌إِسْقَاط ‌الْعقَاب ونيل الثَّوَاب، وَلَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الْمُؤمن، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْبَارِي تَعَالَى، وَالْعَفو يَقْتَضِي إِسْقَاط اللوم والذم وَلَا يَقْتَضِي نيل الثَّوَاب(4.

وقال الرازي: العفو أن ‌يسقط ‌عنه ‌العقاب، ‌والمغفرة ‌أن ‌يستر ‌عليه ‌جرمه صوناً له من عذاب التخجيل والفضيحة(5).

من خلال ما سبق يتبين أن بعض العلماء يرى أن العفو أبلغ من المغفرة، وبعضهم يرى أن المغفرة أبلغ من العفو.

وقد رجح ابن تيمية الرأي الثاني، فقال: فالعفو ‌متضمن ‌لإسقاط ‌حقه ‌قبلهم ومسامحتهم به، والمغفرة متضمنة لوقايتهم شر ذنوبهم وإقباله عليهم ورضاه عنهم؛ بخلاف العفو المجرد؛ فإن العافي قد يعفو ولا يقبل على من عفا عنه ولا يرضى عنه، فالعفو ترك محض، والمغفرة إحسان وفضل وجود(6).

ولعل هذا يتفق مع سياق الترتيب في الآية الكريمة التي قال الله تعالى فيها: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ‌وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) (البقرة: 286)، حيث بدأ بالعفو ثم المغفرة ثم الرحمة.

الآثار التربوية والواجبات العملية

1- حرص المسلم على الدعاء بها، فيدعو ربه بالعفو والمغفرة والرحمة، كما جاءت بذلك الآية الكريمة، وقد علق ابن تيمية على ذلك بقوله: فالثلاثة تتضمن النجاة من الشر والفوز بالخير(7).

2- اليقين بسعة رحمة الله، فلا ييأس المفرط والعاصي الذي عصى الله عز وجل، وأسرف على نفسه بالذنوب، فالله عز وجل عفو يتجاوز، وهو سبحانه غفور يمحو الخطايا، فالواجب على الإنسان دائماً أن يلتجئ في كل لحظة إلى الله تعالى في مغفرة ذنوبه وستر عيوبه، لا سيما وأن الإنسان في كل يوم وليلة تقع منه الذنوب الكثيرة التي لا يشعر بها، فهو بحاجة ماسة إلى عفو الله عز وجل وإلى مغفرته ليصفح الله عز وجل عنه(8).

3- حسن الظن بالله تعالى مع دوام خشيته، فالمسلم يتوب إلى ربه ويستغفره طالباً منه العفو والمغفرة، وهو يوقن أن الله يستر عليه ولا يفضحه، وقد يمحو ذنبه تماماً إن حسنت توبته ودامت استقامته.


اقرأ أيضا 

متى يكون العفو قوة

نحو فهم عميق لاسم الله الغفار

الهوامش
  • 1 (1) المقصد الأسنى، ص 140.
  • 2 (2) الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية، ص 87.
  • 3 (3) معجم الفروق اللغوية، ص 363.
  • 4 (4) الكليات، ص 666.
  • 5 (5) تفسير الرازي (7/ 124).
  • 6 (6) مجموع الفتاوى (14/ 140).
  • 7 (7) المرجع السابق (14/ 140).
  • 8 (8) شرح العقيدة الواسطية (9/ 7).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة