لا تُنجبوا!
عادت من جديد الدعوات المشبوهة إلى عدم الإنجاب، أو ما يعرف
بـ«اللاإنجابية»، وسط تنام مقلق وخطير للحركات النسوية المتطرفة، والمؤامرات
الدؤوبة لهدم كيان الأسرة، والنيل من ثوابت الفطرة الإنسانية.
«اللاإنجابية» تيار فلسفي متطرف، يناهض الإنجاب، ويعتبره فعلاً لا أخلاقياً،
وعملاً مرفوضاً؛ بدعوى وجود عالم مليء بالحروب والصراعات، لا يستحق أن نمنحه
أطفالاً يعانون نفس المعاناة التي نكابدها على كوكب الأرض.
يستند هذا التيار المشبوه إلى مبررات عدة؛ لدعم وجهة نظره، منها الانفجار
السكاني، والتلوث البيئي، والأزمات الاقتصادية، والفقر، والعنف، والتحرش،
والاغتصاب، وسوء المعاملة، والمرض، والموت، كأسباب تجعل من الحياة ألماً وعذاباً،
لا حاجة لها أو جدوى منها، لجلب أطفال، طالما أن معاناتهم ستكون أمراً محتوماً لا
مفر منه.
تعود فلسفة هذا التيار الهدام إلى الفيلسوف الجنوب أفريقي ديفيد باناتار،
الذي ألَّف كتاباً بعنوان «من الأفضل ألا نوجد إطلاقاً.. ضرر المجيء إلى الوجود»،
عام 2006م، وتحدث فيه عن مساوئ الإنجاب، طارحاً مبدأ «اللاإنجابية».
دعوة خبيثة
خلال العقدين الماضيين، تمددت «اللاإنجابية»، تدريجياً، لنرى واقعاً
ديمغرافياً يحاول تقنينها في بعض الدول، من خلال سَن قانون الطفلين، وقانون الطفل
الواحد، بل إن دولاً عربية تطرح برلماناتها مشروعات قوانين تهدد بحرمان الطفل
الثالث من أي حقوق لدى الدولة.
يحرص على رفع لواء تلك الدعوات الخبيثة مشاهير ومثقفون وفنانون ومطربون،
كانت آخرهم الفنانة التونسية لطيفة، التي أعربت عن سعادتها بقرار عدم الإنجاب،
بدعوى أن الأطفال مسؤولية كبيرة، وأن مسؤولية الأمومة أكبر منها، وأنها غير نادمة
على قرارها، وفق وسائل إعلام مصرية وعربية.
الدعوة المشبوهة رددها أيضاً الفنان المصري أحمد وفيق، مبرراً قرار عدم
الإنجاب بأنه تعرض لظروف صعبة وغير مستقرة، مضيفاً: «أنا مش عارف أتحمل مسؤولية
نفسي.. يعني أنا واخد في الدنيا قلم، ليه أجيب ولد ياخد قلمين.. ودي ممكن تكون
نقطة ضعف في حياتي»، وكأنه يتمثل قول الشاعر العربي أبو العلاء المعري: «هذا ما
جناه علي أبي وما جنيت على أحد».
مبررات واهية
إن البعض يحاول إعادة إنتاج تلك الأفكار المشبوهة، والتأثير على الأجيال
الجديدة، والادعاء بأن الإنجاب أشبه بالمقامرة، متدثراً بغطاء الانفجار السكاني
والأزمات الاقتصادية، كحجة قائمة، تحول بين الزواج والإنجاب، والإحساس بشعور
الأبوة والأمومة.
وهناك من يروج لـ«اللانجابية» عبر التحذير المبالغ فيه من الأخطار، وأنه قد
يكون لدى أحد الطرفين مشكلات جينية أو وراثية، قد تنتقل للجنين؛ ما يجعل حياة هذا
الكائن الجديد أشبه بالرهان أو المقامرة، ومجلبة للألم والمعاناة والتعاسة.
وتحت عباءة المبدأ الفلسفي الغربي «نحن جميعنا هنا بدون موافقتنا»، يزعم
البعض أن الحياة عبثية ولا جدوى منها، وأن الموت حتمي، فلماذا ننجب أطفالاً ثم
نراهم يموتون، دون إدراك لحقيقة الموت والحياة، وأن عمارة الكون هي لب حكمة الله
في خلقه، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذريات:
56).
بل إن من مدعي الحداثة والعصرنة، من يلجأ لتربية القطط، واقتناء الكلاب، واعتبارها كأفراد أسرته، يأكل ويشرب معها، وقد تشاركه الفراش عند النوم، والتنزه عند الخروج، متغزلاً في وفاء الكلب، ورومانسية القطة، وكأن ذلك يُغنيه عن طفل، يشب بين يديه، ويرفع اسمه، ويكون سنداً له في الكبر، ومداداً لعمله الصالح بعد موته، مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له» (رواه مسلم).
القارة العجوز
إن منطق أهل الغرب أنفسهم، ومن تبنوا هذا الفكر الضال، قد بهُت واضمحل، بعد
تراجع معدلات الخصوبة في الاتحاد الأوروبي إلى مستويات متدنية؛ ما زاد من معاناة
دول القارة العجوز من الشيخوخة.
يقول ويليم أديما، كبير الاقتصاديين في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:
إن انخفاض معدلات المواليد جزئياً يعكس تأجيل الإنجاب حتى الثلاثينيات، وهو ما
يعني احتمالاً أعلى لعدم إنجابك عدداً كبيراً من الأطفال.
على سبيل المثال، تراجع معدل الإنجاب في ألمانيا إلى 1.35 طفل لكل امرأة،
وإلى 1.32 طفل لكل امرأة في النمسا، وإلى 1.26 لكل امرأة في فنلندا، ووصلت النسب
المخيفة إلى 1.12 في إسبانيا، و1.2 في إيطاليا، في العام 2023م، وفق بيانات رسمية
نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.
وتعني الشيخوخة الديموغرافية أن نسبة الأشخاص في سن العمل في الاتحاد
الأوروبي تتقلص، في حين يتزايد عدد كبار السن؛ وسط توقعات باستمرار ذلك خلال
العقدين المقبلين، ما يزيد من تضرر اقتصادات دول أوروبا، وهو ما يدفعها حالياً إلى
تبني نهج يرفض اللاإنجابية، بل يتبنى مبادرات حكومية للتشجيع على الزواج وإنجاب
العديد من الأطفال، في محاولة لإنقاذ مستقبل القارة.
«اللإنجابية» ليست فقط دعوة خبيثة تخالف الفطرة الإنسانية في الزواج
والإنجاب، بل إنها دعوة للانتحار تهدد بانقراض الجنس البشري، واندثار الأبوة
والأمومة، وإنهاء حلم بقاء واستمرار هذا الكائن البشري، الذي خلقه الله في أحسن
تقويم، وكرمه بعبوديته، وأرسل له الأنبياء والرسل، وجعل له الجنة والنار، وقد أنكر
تعالى على من يدعي أنه خُلق عبثاً، فقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ {115} فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (المؤمنون).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً