لماذا يترددون في الإنجاب؟!
اللاإنجابية والشباب العربي.. إرهاصات خطرة
مجموعات كبيرة
على «فيسبوك» يتجاوز بعضها حاجز 100 ألف مشترك، ومجموعات جريئة على تطبيق «الريديت»
من الشباب والفتيات الذين يعرفون أنفسهم بأنهم لا إنجابيين أو مناهضين للإنجابية
أو أنهم ضد التناسل، أفكار فلسفية معقدة مرتبطة بالتوجهات العدمية والتشاؤمية
بنكهة اللادينية انتشرت عبر هذه الصفحات الرقمية واختصرت نفسها في شعارات صغيرة
سهلة الوصول.
فرضت علينا
الحياة ولن نفرضها على أحد، أهم حقوق الإنسان هو حقه في ألا يولد، وأرحت أولادي
فهم في نعمة العدم، الانقراض هو الأيدولوجيا الثورية الوحيدة التي نتبناها،
بالإضافة لبيت الشعر الشهير لأبي العلاء المعري: هذا جناه أبي عليَّ وما جنيت على
أحد.. هذه بعض نماذج للشعارات التي يضعها اللاإنجابيون على صفحاتهم ومجموعاتهم
التي بدأت في الانتشار بين بعض قطاعات الشباب العربي.
فلسفة اللاإنجابية
اللاإنجابية أو
مناهضة الإنجاب فلسفة قديمة ربما تعود جذورها الأولى للفلسفات الشرقية القديمة، حيث
الوجود يمثل الألم والمعاناة، العجز والشيخوخة وأخيراً الموت؛ وبالتالي إحضار
أطفال لهذا العالم يزيد من معاناة البشرية والامتناع عن التناسل والإنجاب يوقف
دورة الشيخوخة والموت.
رؤية العالم
كمكان للشر والألم الرؤية التي تبناها رهين المحبسين أبو العلاء المعري الذي تلْقى
أقواله وأشعاره رواجاً كبيراً على صفحات اللاإنجابيين العرب.
المأزومون نفسياً
كفيلسوف التشاؤم آرثر شوبنهاور لهم أثر عميق في تبلور الأفكار اللاإنجابية، شوبنهاور
الذي يرى العالم كقطعة من الجحيم وأن ما يطلق عليه السعادة هو وهم لأنها مجرد
فترات صغيرة يقل فيها الألم، تم بعث أفكاره ليتبناها اللاإنجابيون الذين يرون أن
الحياة مؤلمة وفارغة من المعنى، وأن إنجاب طفل لهذا العالم عمل لا أخلاقي أو كما
يتساءل شوبنهاور: ألن يمتلك الإنسان من شفقة تكفي ليعفي الجيل القادم من قسوة
الوجود؟
في مقاله «نحن
مخلوقات يجدر بها ألا تخلق»، يؤسس ديفيد بيناتار، أستاذ الفلسفة في جامعة كيب تاون،
للأفكار اللاإنجابية على أسس عقلانية، حيث إن الألم ضرورة حتمية يعيشها كل إنسان
يوجد في هذه الحياة، بينما المتعة هي مجرد احتمال، فإذا تسببنا في وجود إنسان فإن
إصابته بالألم مؤكدة، بينما إذا لم يأت إلى هذا العالم فهو لن يعاني من الألم،
وسوف تفوت عليه المتعة إن وجدت، وهو أمر لن يضره؛ لأنه لم يوجد أصلاً، وهو ما أطلق
عليه «عدم التماثل».
وفي كتابه «الأفضل
ألا تأتي أبداً: ضرر القدوم إلى الوجود»، تحدث بيناتار مطولاً عن الصعوبات التي
يعيشها الإنسان التي يستخف بها مؤيدو الإنجاب، ومن ذلك الفقر والفقر المدقع
والأمراض والأوبئة والأمراض النفسية، وعلى الرغم من أن الكاتب يدعي أنه لا يدعو
إلى الانتحار، فإنه يدعو لعدم الوجود ابتداء، إلا أن السؤال بالغ الأهمية: إذا
كانت الحياة مليئة بهذا الكم من المعاناة والألم والشقاء والبؤس وتنتهي بالعجز
والشيخوخة ثم الموت، فلماذا يتمسك بها البشر؟ وإذا كانت الحياة شراً محضاً فكيف
نفسر التعلق العميق بها حتى عند أشد الناس تشاؤماً؟ على الأقل، لماذا لا ينتحر
اللاإنجابيون ويخلصون أنفسهم من عبء الوجود؟
الرأسمالية والفردانية
لا يمكننا
الحديث عن اللاإنجابية وتحولاتها من مجرد توجهات فردية لبعض الأشخاص كأبي العلاء
مثلاً وبين تحولها إلى توجه جماعي حتى وإن كان يمثل أقلية محدودة بالأبعاد
الفلسفية فقط دون النظر في هوية المجتمع الذي نعيشه.
في اللحظة
الراهنة، نجحت الرأسمالية العالمية في تحويل الإنسان لكائن استهلاكي لا يشغله أكثر
من تحقيق المتعة والراحة، ويتطلع دائماً لمستوى أعلى من الرفاهية، هذا الفرد
الاستهلاكي الذي ليس لديه استعداد للعطاء والبذل لصالح الجماعة الذي سقط في فخ
الفردانية المرتبطة أشد الارتباط بالثقافة الرأسمالية، يرى أن الإنجاب عبء، وأن
الإنجاب يعني مسؤولية مالية مرتفعة، إنه ثمن باهظ عليه دفعه، هكذا يتم النظر للطفل
كتكلفة إضافية، وأن الإنجاب يعني تضييقاً في مساحة الحرية الفردية، وتضييقاً في
السهر والسفر واستهلاكاً للوقت الفردي.
الإنجاب بالنسبة
للنساء يعني تأخراً وظيفياً وألماً جسدياً وربما تشوهاً في شكل الجسد الذي يمثل
مركزية في الفلسفة الفردانية، وبالتالي فهؤلاء الفردانيون أصبحوا مناهضين للإنجاب
حتى لو لم يعترفوا بذلك، فإذا كان معدل الخصوبة العالمي حالياً 2.2، وإذا تراجع
هذا المعدل عن 2.1 وهو الحد اللازم للحفاظ معدل الإحلال السكاني، فإن العالم بسير
بخطوات بطيئة نحو الانقراض، فبحلول العام 2050م فإن 3 دول من كل أربعة قد تشهد
انكماشاً سكانياً (نقلاً عن الإندبندنت)، وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فإن
التوقعات تشير أن النمو السكاني العالمي قد يتوقف بحلول العام 2040م.
وإذا كانت
الاقتصادات الـ15 الأكبر في العالم قد حظيت بأقل مستوى في الخصوبة؛ لأن الرفاه
الاقتصادي المرتبط بالاستهلاك والفردانية تتناقض فلسفته مع فلسفة الإنجاب، فإن
وضعنا في العالم العربي قد يسير في هذا الاتجاه.
فبمعدل أقل من
الإحلال السكاني شهدت تونس والكويت معدل خصوبة 1.9، بينما كان معدل البحرين 1.8،
في حين احتلت الإمارات ذيل قائمة الخصومة في العالم العربي بمعدل 1.2 (بحسب بيانات
البنك الدولي لعام 2024م).
إنه يمكن النظر
لمناهضة الإنجاب من خلال رؤيتين مختلفتين؛ إحداها تقوم على رؤية فلسفية تشاؤمية لا
ترى في العالم إلا المعاناة؛ وبالتالي ترى أن الأخلاق تقتضي ألا نأتي بأطفال جدد
لهذا العالم، والرؤية الثانية رأسمالية فردانية تقوم على الاستهلاك، وتعتبر
الأطفال عبئاً اقتصادياً ونفسياً يقلل من مستوى الرفاه الذي يعيشونه أو يرغبون في
عيشه، وبالتالي من الأفضل أيضاً ألا نأتي بأطفال في هذا العالم، الرؤية الفلسفية
رؤية جمعية ذات طبيعة مثالية بينما الرؤية الرأسمالية تقوم على الخيار الفردي
البرجماتي ولها طبيعة واقعية وضعية، لكن الغاية والنتيجة واحدة في الرؤيتين؛
انكماش سكاني كخطوة على طريق الانقراض!
الدين في مواجهة اللاإنجابية
الفلسفة
اللاإنجابية تقوم على أسس عدمية لا تجد للوجود معنى وغاية، فلسفة على تماس مع
فلسفة نيتشه القائل بموت الإله.
الصفحات الرقمية
الخاصة باللاإنجابيين مليئة بالسخرية من الرؤية الدينية للوجود ومن المعاني
الدينية للرزق، فهي تبرز أخبار الحروب والمجاعات وتروج لصور الفقر والمعاناة كي
تثبت أن هذا العالم لا يمكن العيش فيه، وأنه مجرد فخ فارغ ليس من ورائه غاية، ومن
القسوة أن نأتي بآخرين كي يعيشوا فيه، إنها تستغل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها
كثير من الشباب وتمنعهم من تكوين أسرة حتى يتحولوا لمناهضة الإنجاب؛ لأنهم لا
يمتلكون المال لصنع حياة كريمة للأطفال، وبدلاً من السعي يتم الترويج لفلسفة
الإحباط والتشاؤم، فلسفة شوبانهور الذي كان يرى أن الأمل يطيل الألم.
الشباب المأزوم
توجه له رؤية لا ترى الإله في أي جزء من مكوناتها، فوجود بلا غاية وسلطة مطلقة
للإنسان في إيجاد غيره أو منعه من الوجود واستهزاء بمقام الرب الخالق المدبر
الرزاق وربط ذلك بالجهل والعبثية، خطر اللإنجابية الحقيقي إنها طريق جديد من طرق
الإلحاد.
هناك حاجة
حقيقية لتجديد الرؤية الدينية للوجود الإنساني، رؤية ترتكز على قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115).
رؤية تستحضر
الألم الذي يعيشه الإنسان على هذه الأرض دون مبالغة أو هوس، وتشرح طبيعة المعاناة
أو الابتلاء وفلسفته، وتربط الدنيا بالآخرة في سياق واحد، حتى لا نتحول لمجتمع
يفقد مناعته الروحية والفكرية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً