شراق
سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (13)
نسـأنف مقالاتنا عن الاستشراق وسطوته على الأدباء العرب، فنقول وبالله التوفيق: لم تَخْرُجْ كِتَابَاتُ المُسْتَشرِقِينَ المُعادِينَ لِلثقَافَةِ العَربيَّةِ عَنْ مَسَارَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا:
التَّشْكِيكُ فِيمَا تَميَّـزَ بِـهِ العَربُ، وَأَهَمُّ مَا نَبغَ فِيهِ العَرَبُ
الشِّعْرُ وَالبَيَانُ، وَقَدْ يَعتَرِفُ أُولئِكَ المُستَشْرِقُونَ بِوجُودِ
شِعْرٍ مُميَّـزٍ لَدَى عَربِ الجَاهِليَّةِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَثِقُونَ بِمَا
وَصَلَ إِلَيْنَا مِنْ أَشْعَارِ الجَاهِليَّة وَنَـثْرِهَا، وَتَجَلَّى ذَلِكَ
فِي المَعرَكَةِ الكُبرَى التِي عُرِفَتْ بِقَضِيّةِ (الشَّكّ فِي الشِّعْرِ
الجَاهِلِيِّ).
وَثَانِيهِمَا:
اتِّهَامُ عُلُومِ العَربِ بِالتَّقْلِيدِ وَالتَّبعِيَّةِ؛ فَهُمْ حَرِيصُونَ
عَلَى نَـفْيِ الأَصَالَـةِ عَنِ العُلُومِ العَربيَّـةِ وَرَدِّهَا إِلَى
مَصْدَرٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا سِيَّمَا الثَّقافَةُ اليُونَانِيّةُ؛ وَمِنْ ثَمَّ
فَبلاغَةُ العَربِ وَبَيانُهُمْ تَابِعٌ لِبَلاغَةِ أَرِسْطُو أَوِ اليُونَانِ،
وَلَيْسَتِ الفَلْسَفةُ الإِسْلامِيّةُ سِوَى نُسْخَةٍ مِنَ الفَلْسَفَةِ
اليُونَانِيَّة كُتِبَتْ بِلُغَةٍ عَربيّةٍ حَسْبَمَا يَقُولُ إِرْنِسْت رِينَان (د.
مصطفى عبد الرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: 15)، حَتَّى عِلْمُ (أُصولِ
الفِقْهِ) لَمْ يَنْجُ مِنْ تَشكِيكِ المُستشْرقِينَ فِي عِلَّةِ نَشأتِهِ..
وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَلَا رَيْبَ
أَنَّ عَداءَ الخِطَابِ الاسْتِشْرَاقِي لِلحَضَارَةِ العَربيّةِ
وَالإِسْلامِيّةِ، وَتَجرِيدَ العَربِ مِنْ أَيِّ فَضْلٍ بِحَاجَةٍ إِلَى
تَـفْسِيرٍ؛ وَمَا إِخَالُ ذَلِكَ العَداءَ بَعِيدًا عَنِ النظْرَةِ
العُنْصُرِيَّـةِ إِلَى العَرَبِ وَحَضَارَتِهِمْ، وَقَدْ هَيْمَنَتْ تِلْكَ
النظْرَةُ المُتَعَصِبَةُ عَلَى كِتَابَاتِ بَعضِ المُسْتَشْرِقِينَ، مِمَّنْ
حَرصُوا عَلَى تَشْوِيهِ صُورَةِ العَربِ وَالإِسْلامِ فِي نَاظِـرَيِ الرَّجُلِ
الأُورُوبِّي، وَمِمَّنْ نزَعَ هَذَا المَنزِعَ
العُنصُريَّ المتَعصِّبَ لِلْجِنْسِ الآرِيِّ ضِدَّ الجِنْسِ السَّامِيِّ،
الفَيْلَسُوفُ الفَرنْسِيُّ "إِرْنِسْت رِينَانَ"، فَقَدْ حَمَلَ
حَمَلَةً شَعواءَ عَلَى الجنْسِ السَّامِي، وَشَارَكَهُ فِي تِلْكَ الحمْلَةِ
المستَشْرِقُ الأَلْمَانِيُّ "كِريستيَان لَاسِّنْ"، فَقَدْ صَرَّحَ
رِينَان بِأنّهُ أَوَّلُ مَنْ قَرّرَ أَنَّ الجِنْسَ السَّامِيَّ دُونَ الجِنْسِ
الآرِيِّ. وَكَانَ لِرَأْيِهِ وَزْنُـهُ فِي فَريقٍ مِنْ مُعاصِرِيهِ، وَصَدَاهُ
لَدَى بَعضِ أَتْبَاعِهِ وَتَلامِيذِهِ؛ ذَلِكَ لأنّهُ كَانَ أُستَاذَ اللُّغَاتِ
السَّامِيّةِ غَيرَ مُنازَعٍ. وَمَا العَقْلُ السَّامِيُّ وَالعَقْلُ الآرِيُّ
اللذَانِ قَالَ بِهِمَا لِيُون جُوتِييه إِلَّا امتِدَادٌ لِهَذِهِ الدَّعْوَى (انظر
د. إبراهيم مدكور: في الفَلْسَفةِ الإسلامية (منهج وتطبيق): 1/ 20).
فَقَدِ ادَّعَى
جُوتيِيه: "أَنَّ العَقْلَ السَّامِيَّ لَا طَاقَـةَ لَهُ إِلَّا عَلَى
إِدْرَاكِ الجُزئِيّاتِ وَالمُفْرَدَاتِ مُنفَصِلًا بَعضُهَا عَنْ بَعضٍ، أَوْ
مُجتَمِعَةً فِي غَيرِ تَناسُبٍ وَلَا انْسِجَامٍ وَلا تَناسُقْ وَلَا ارْتِبَاطٍ،
فَهُوَ عَقْلٌ مُباعَدَةٍ وَتَفْرِيقٍ لَا جَمْعٍ وَتَـأْلِيفٍ. أَمَّا العَقْلُ
الآرِيُّ فَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ يُـؤَلِّفُ بَينَ الأَشْيَاءِ بِوَسَائِطَ
تَدرِيجِيَّةٍ، لَا يَتخَطَّى وَاحِدًا مِنْهَا إِلَى غَيرِهِ إِلَّا عَلَى
سُلَّمٍ مُتدَانِي الدَّرَجِ لَا يَكَادُ يُحَسُّ التَّنقُّلُ فِيهِ، فَهُوَ
عَقْلُ جَمْعٍ وَمَـزْجٍ"، وَلَمَّا كَانَ العَرَبُ يَنتَمُونَ إِلَى
الجِنْسِ السَّامِيِّ المَفْطُورِ عَلَى إِدْرَاكِ الجُزئيَّاتِ وَحْدَهَا؛ فَمِنَ
العَبَثِ أَنْ نَلتَمِسَ لَديهِم آرَاءً عِلْميّةً أَوْ دُرُوسًا فَلسَفِيّةً (انظر
د. محمد عابد الجابري: الرؤية الاستشراقية في الفلسفة الإسلامية؛ ضمن كتاب مناهج
المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية: 1/ 313).
وَفِي رَأْيِي
أَنَّ رِينَانَ وَأَتْبَاعَهُ قَدْ رَمَوْا العَقْلَ العَربيَّ بِثَالِثَةِ
الأَثَافِي؛ لَا أَقُولُ ذَلِكَ لِصِحَّةٍ فِي مَزاعِمِهِمْ، وَإِنَّمَا
لِتأَثُّـرِ أَقْلَامٍ عَربيّةٍ كَثِيرَةٍ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ العِرقِيّةِ إِلَى
الأَجْنَاسِ البَشَرِيَّـةِ، حَتَّى رَأَيْنَا مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا مَنْ يَـرَى
العَرَبَ (عَقْلَهُمْ وَطَبِيعَتَهُمْ) بِعُيُونِ رِينَانَ وَأَتْبَاعِهِ.
الاستشراق والمستشرقون.. نَظَـرِيَّـةُ رِيـنَانَ وَعُقْدَةُ النَّـقْصِ
وَلَكَ أَنْ
تَعْجَبَ حِينَ تُكتَبُ مَقالاتٌ وَتُثارُ قَضَايَا، فَترَاهَا أَسِيرَةً
لِنظَريَّـةِ رِينَانَ وَأتْباعِهِ (قُصُورِ العَقْلِ السَّامِيِّ وَضَعْفِهِ)؛
فَمَا كَانَ لِأَحْمَدَ أَمِين أَنْ يُضمِّنَ كِتَابَـهُ فَجْرَ الإِسْلامِ
فَصْلًا بِعُنوَانِ (طَبِيعَةُ العَقْلِيَّةِ العَربيَّة)، لَوْلَا تَأثُّـرُهُ
بِهَذِهِ النظَرِيَّـةِ، وَلَئِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدَ أَمِين اسْمَ رِينَانِ
فِي هَذَا الفَصْلِ، لَقَدْ تَعرَّضَ فِي كِتَابِهِ (زُعَمَاءُ الإِصْلَاحِ)
لِلمُناظَـرَةِ التِي وَقَعَتْ بَينَ جَمَالِ الدِّينِ الأَفْغَانِيِّ وَإِرْنِسْت
رِينَانَ، بَعْدَمَا أَلْقَى الأُسْتَاذُ (رِينَان) مُحَاضرَةً، يَزعُمُ فِيهَا
أَنَّ العُلُومَ المَوصُوفَـةَ بِأَنّهَا (عَربِيّةٌ) كَانَتْ نِـتَاجَ أُمَمٍ
غَيرِ عَربِيّةٍ، وَأَنَّ الإِسْلامَ لَا يُشَجِّعُ عَلَى العِلْمِ وَالفَلْسَفَةِ
وَالبَحْثِ الحُرِّ، بَل هُوَ عَائِقٌ لَهَا بِمَا فِيهِ مِنَ اعتِقَادٍ
لِلغَيبِيّاتِ وَخَوارِقِ العَادَاتِ، وَإِيمَانٍ تَامٍّ بِالقَضَاءِ وَالقَدَرِ،
وَأَنَّ العُنْصُرَ العَربِيَّ بِطَبيعَتِهِ أَبْعَدُ العُقُولِ عَنِ الفَلْسَفَةِ
وَالنظَرِ فِيهَا (انظر زعماء الإصلاح في
العصر الحديث: 86، 87).
مِمَّا يَعْنِي
أَنَّ أَحْمَد أَمِين كَانَ عَلَى عِلْمٍ
بِنَظرِيةِ رِينَانَ فِي تَفْضِيلِ العَقْلِ الآرِيِّ عَلَى العَقْلِ السَّامِي؛
وَمِنْ ثَمَّ رَدَّدَ أَفْكَارَهُ فِي كِتَابهِ (فَجْرُ الإِسْلَامِ) وَإِنْ لَمْ
يُصرِّحْ بِاسْمِهِ، أَوْ نَسَبَهَا إِلَى مَنْ يُوافِقُهُ مِنَ العَرَبِ أَوِ
العَجَمِ، كَأَنْ يَقُولَ: "أَمّا رَأْيُ ابنِ خَلْدَونَ فَخُلاصَتُهُ أَنَّ
العَربِيَّ مُتوّحِشٌ نَهّابٌ سَلّابٌ، إِذَا أَخْضَعَ مَملَكَةً أَسْرَعَ
إِلَيْهَا الخَرابُ، يَصْعُبُ انْقِيَادُهُ لِرَئِيسٍ، لَا يُجِيدُ صِنَاعَةً،
وَلَا يُحْسِنُ عِلْمًا، وَلَا عِنْدَهُ اسْتِعْدَادٌ لِلإجَادَةِ فِيهِمَا،
مُستَعِدٌّ لِلخَيْرِ شُجَاعٌ. وَخُلاصَةُ رَأْيِ (أُولِيرِي) أَنَّ العَربيَّ
مَادِّيٌّ ضَيّقُ الخَيالِ، جَامِدُ العَواطِفِ، شَدِيدُ الشُّعُورِ بِكَرامَتِهِ
وَحُرِّيتِهِ، ثَائِـرٌ عَلَى كُلِّ سُلطَـةٍ، كَرِيمٌ مُخْلِصٌ لِتَقالِيدِ
قَبِيلَتِهِ" (فجر الإسلام، دار الكتب العلمية، بيروت:44).
وَصَحِيحٌ أَنَّ
أَحْمَدَ أَمِين خَطَّـأَ ابنَ خَلْدُونَ وَأُولِيرِي، بَلِ اتَّهمَ ابنَ
خَلْدُونَ بِالتَّناقُضِ، لَكِنّهُ خَطَّأَهُمَا فِي بَعضِ كَلامِهِمَا،
وَبِخَاصَّةٍ مَا يَتصِلُ بِصِفَاتِ البَدَاوَةِ وَالتَّوَحُّشِ؛ لأَنّهُمَا لَمْ
يُحدِّدَا مُرادَهُمَا (بِالعَربِيِّ) فِي كَلامِهِمَا، وَيَرى أَحْمَدُ أَمِين
أَنَّ المُرادَ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوُ العَربِيُّ المُمْعِنُ فِي البَداوَةِ،
لَا العَربِيّ المُتحَضِّرُ فِي الدَّوْلَةِ الأُمَويّةِ وَالعَبّاسِيّةِ (انظر
فجر الإسلام: 45).
أَمَّا اتّهَامُ
العَربِ بِالمَادِّيّـةِ، وَضِيقِ الخَيالِ، وَجُمُودِ العَواطِفِ، فَالظَّاهِـرُ
أَنَّ أَحْمَد أَمِين يُوافِقُ ابْنَ خَلدُون وَأُولِيرِي فِي تِلْكَ التُّهْمَةِ،
وَلَا يُخالِفُهُمَا، حَيْثُ أَشَارَ إِلَى اتِّـفَاقِهِمَا فِي تِلْكَ التُّهْمَةِ،
وَلَمْ يُراجِعْهُمَا فِيهَا، وَذَلِكَ إِذْ يَقُولُ عَنْهُمَا: "فَهُمَا
مُتفِقَانِ فِي وَصْفِ العَربِ بِالمَادِّيَـةِ وَثَورَتِهِمْ عَلَى كُلِّ
سُلْطَةٍ، أَمَّا الوَصْفُ الثَّانِي فَلا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ" (فجر
الإسلام: 44).
عَلَى أَنَّ
أَحْمَد أَمِين لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا فِي تَردِيدِ اتِّهَامَاتِ المُستَشْرِقِينَ
لِلعَقْلِ العَربِيِّ، أَوْ لِطَبيعَةِ (العَربِ)؛ ذَلِكَ أَنَّ هَذهِ
الاتّهامَاتِ وَلَّدَدْتْ مُا يُشبِهُ (عُقْدَةَ النّقْصِ) لَدَى كَثِيرٍ مِنَ
البَاحِثِينَ العَربِ، فَجَعلُوا يُردُّدُونَهَا كَأنّهَا مُسَلَّمَةٌ أَوْ
حَقِيقَةٌ.
تُـهْمَةٌ بَاضَتْ وَأَفْـرَخَتْ
إِنَّ اتِّهَامَ
العَقْلِ العَربِيِّ بِأنّهُ جُزئِيٌّ غَيرُ كُلِّيٍّ، وَبِأنّهُ ضَيّقُ الخَيالِ،
قَـدْ وَلَّـدَ شُبهَتينِ أُخرَيَينِ فِي ثَقافَتِنَا الأَدَبِيّةِ، تَلمَحُهُمَا
فِي كِتَابَاتِ كَثيرٍ مِنَ النقَّادِ، وَلَا تَجِدُ تَـفْسِيرًا لِشُيوعِهِمَا غَيرَ
سَطْوَةِ الخِطَابِ الاسْتِشْرَاقِيِّ التِي هَيْمَنَتْ عَلَى أَقْـلَامٍ عَربِيةٍ
كَثِيرَةٍ، فَـرَدَّدَتْ هَاتَينِ الشُّبْهَتَينِ:
أُولَاهُمَا:
جُزئِيّةُ العَقْلِ العَربِيِّ، وَضَعْفُ خَيَالـهِ، وَعَدَمُ قُدرَتِهِ عَلَى
النفَاذِ إِلَى مَظاهرِ الطَّبِيعَةِ وَتَشْخِيصِهَا وَالامْتِزَاجِ بِهَا.
وَثَانِيتُهُمَا:
غِيَابُ المَلاحِمِ عَنِ الأَدَبِ العَربِيِّ.
الشُّبْهَةُ الأُولَى: العَقْلُ العَربِيُّ جُزْئِيُّ النَّظـْرَةِ ضَيِّـقُ الخَيَالِ:
ثَمَّةَ شُبْهةٌ يُثيرُهَا بَعْضُ النُّقَّادِ
المتَأَثِّرِينَ بِالثقَافَةِ الغَرْبيةِ وَأَدَبِهَا عُمُومًا، وَبِأَقْوَالِ
المسْتَشْرِقِينَ خُصُوصًا، وَخُلَاصَةُ تِلْكَ الشُّبهَةِ: أَنَّ العَقْلِيّةَ
العَرَبِيَّةَ ضَيِّقَةُ الخيَالِ جُزْئِيةُ النَّظْرَةِ لَا قُدْرَةَ لَـهَا
عَلَى النّفَاذِ إِلَى جَوْهَرِ الأَشْيَاءِ، لِذَا جَاءَ وَصْفُ شُعَرائِهَا
لِلطَّبِيعَةِ سَطْحيًّا يُعْنَى بِالمظَاهِرِ وَلَا يَقِفُ أَمَامَ الجوْهَرِ
وَلَا يُشخِّصُ الطَّبِيعَةَ وَيَمْتَزِجُ بِهَا مِثْلَما فَعَلَ
الرُّومَانْسِيُّونَ فِي الشِّعْرِ الغَربِـيِّ، وَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ
(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) فَقَد تَلْمذُوا لأَسَاتِذَتِـهِمُ الرُّومَانْسِيّينَ،
كَمَا أَنَّ نَظْرَتَـهُمُ الجزْئِيةَ حَرَمتْهُمْ مِنْ إِنْتَاجِ أَدَبٍ كُلِّيٍّ
كَالملَاحِمِ الَّتِي أَنْتَجَها اليُونَانُ.
وَالحقُّ أنَّ
تِلْكَ الشُّبْهَةَ أَسِيرَةُ خَطَأَيْنِ أَوْ خَطَأٍ وَاحِدٍ ذِي وَجْهَينِ؛
أَوَّلُـهُما: الْفِتنَةُ بِمَقُولَاتِ بَعْضِ المسْتَشْرِقِينَ دُونَ مُرَاجَعَةٍ
أَوْ تَمْحِيصٍ. وَثَانِيهِمَا: فِكَرَةُ المقَايَسَةِ.
فَأَمَّا
الفِتْنةُ بِمَقُولَاتِ المسْتَشرِقينَ، فأَغْلَبُ الظَّنِّ أَنَّ اتِّهَامَ
العَقْلِيةِ الْعَرَبيةِ بِالسَّطْحِيّةِ وَالجزْئيّةِ يَرْجِعُ إِلَى قَولَةِ
(رِينَانَ) الّتِي ذَاعَتْ وَفُتِنَ بِـهَا بَعْضُ نُقَّادِنَا، يَقُولُ
الفَيْلَسُوفُ الفَرنسِيُّ (إرْنِسْتُ رِينَانَ): "إِنَّ العَقْلَ
السَّامِيَّ عَقْلٌ جُزْئِيٌّ لَا يَصْدُر عَنْهُ أَثَـرُ كُليٌّ
مُستَوْعِبٌ"، وَمُنْذُ قَالَ رِينَانُ ذَلِكَ الْقَوْلَ الجَرِيءَ وَنَحْنُ
نَرفُضُ الاعْتِرَافَ بِمَلَاحِمِ الْعَرَبِ لِأَنَّ الملْحَمَةَ مَوضُوعٌ
كُلِّيٌّ لَا يَسْتَطِيعُهُ عَقْلٌ سَامِيٌّ (انظر د. محمد رجب البيومي: الأَدَب
الأندلسي بين التأثير والتأثر: 86)، وأمَّا خَطَأُ (المقَايسَةِ) فَإِنهُ
مُترتِّبٌ عَلَى الخطَأِ الأَوَّلِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الفِتنةَ بِالثقافَةِ الغَربيةِ
ومَقُولَاتِهَا جَعَلَتْ بَعْضَ نُقَّادِنَا يَقِيسُونَ الأَدَبَ العَربيَّ إِلَى
الأَدَبِ الغَربِيِّ، فَإِنْ وَافقَهُ أَوْ أَشْبَهَهُ كَانَ مُجِيدًا، وَإِلَّا
فَهُوَ مُقصِّرٌّ لَمْ يَبلُغْ دَرَجَةَ النُّضْجِ أَوْ الاكْتِمَالِ.
وَمِمَّنْ
وَقَعَ فِي هَذينِ الخَطَأَيْنِ الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ أَمِين فِي كِتَابهِ (فَجْرُ
الإِسْلَامِ)، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِ كَلامِـهِ، لَكنّهُ فِي مَوضِعٍ
آخَرَ يَقولُ كَلامًا أَكَثَـرَ صَراحَةً، وَتَـفُوحُ مِنْهُ أَنْـفَاسُ
المُسْتَشْرِقِينَ وَاضِحَةً جَلِيّةً، عَنَيْتُ قِيَاسَهُ العَربِيَّ
بِاليُونَانِيِّ فِي الرّؤْيَـةِ وَالتَّصْويرِ، إِذْ يَقُولُ: "لَاحَظَ
بَعضُ المُسْتَشْرِقِينَ أَنَّ طَبِيعَةَ العَقْلِ العَربِيِّ لَا تَنظُـرُ إِلَى
الأَشْيَاءِ نَظرَةً عَامَّـةً شَامِلَـةً، وَلَيسَ فِي اسْتِطَاعَتِهَا ذَلِكَ..
فَالعَربِيُّ لَمْ يَنظُـرْ إِلَى العَالَمِ نَظرَةً عَامَّةً شَامِلَـةً كَمَا
فَعَلَ اليُونَانِيُّ مَثلًا. لَقَدْ أَلْقَى اليُونَانِيّ - أَوَّلَ مَا
تَـفَلْسَفَ - نَظرَةً عَامَّـةً عَلَى العَالَمِ.. أَمَّا العَربِيُّ فَلَمْ
يَتَّجِهْ نَظَـرُهُ هَذَا الاتِّجَاهَ، وَلَا بَعْدَ الإِسْلَامِ، بَـلْ كَانَ
يُطوِّفُ فِيمَا حَوْلَـهُ، فَإِذَا رَأَى مَنْظَـرًا خَاصًّا أَعْجَبَهُ تَحرَّكَ
لَـهُ، وَجَاشَ صَدْرُهُ بِالبَيْتِ أَوِ الأَبْياتِ مِنَ الشِّعْرِ أَوِ
الحِكْمَةِ أَوِ المَثَلِ، فَقالَ مَثَـلًا:
مَنَعَ الْبَقَاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ
وَطُلُوعُهَا
مِنْ حَيْثُ لَا تُمْسِي
وَطُلُوعُهَا حَمْرَاءُ إِذْ طَلَعَتْ
وَتَغِيبُ فِي
صَفْرَاءَ كَالْوَرْسِ
وَتَغِيبُ تَنْظُرُ مَا تَجِيءُ بهِ
وَمَضَى
بِفَصْلٍ مَضَى بِهِ أَمْسِ
فَأمَّا
نَظْـرَةٌ شَامِلَـةٌ، وَتَحْلِيلٌ دَقِيقٌ لأٌسُسِهِ وَعَوارِضِهِ، فَذَلِكَ مَا
لَا يَـتفِقُ وَالعَقْلَ العَربِيَّ، وَفَوقَ هَذَا، هُوَ إِذَا نَظَـرَ إِلَى
الشَّيْءِ الوَاحِدَ لَا يَستَغْرِقُـهُ بِفِكْرِهِ، بَلْ يَقِفُ فِيهِ عَلَى
مَواطِنَ خَاصَّةٍ تَستَثِيرُ عَجَبَهُ، فَهُوَ إِذَا وَقَفَ أَمَامَ شَجَرَةٍ لَا
يَنظُـرُ إِلَيْهَا كَكُلٍّ، إِنَّما يَسْتَوْقِفُ نَظرَهُ شَيْءٌ خَاصٌّ فِيهَا،
كَاسْتِوَاءِ سَاقِهَا أَوْ جَمَالِ أَغْصَانِهَا؛ وَإِذَا كَانَ أَمَامَ
بُسْتَانٍ لَا يُحِيطُـهُ بِنَظرِهِ، وَلَا يَلْتَقِطُهُ ذِهْنُهُ كَمَا
تَلتَقِطُـهُ «الفُوتُوغْرافْيَا»، إِنّما يَكُونُ كَالنحْلَةِ يَطِيرُ مِنْ
زَهْرَةٍ إِلَى زَهْرَةٍ، فَيرتَشِفُ مِنْ كُلٍّ رَشْفَةً. هَذِهِ الخَاصَّةُ فِي
العَقْلِ العَربِيِّ هِيَ السِّرُّ الذِي يَكْشِفُ لَكَ مَا تَـرَى فِي أدَبِ العَربِ
- حَتَّى فِي العُصُورِ الإِسْلامِيّةِ - مِنْ نَـقْصٍ، وَمَا تَرى فِيهِ مِنْ
جَمَالٍ" (فجر الإسلام: 50، 51).
وَإِذَا
تَدبَّـرْنَا كَلامَ أَحْمَد أَمِين أَلْفينَاهُ نَـقْلًا حَرْفِيًا أَوْ
تَرجَمَةً لِقَوْلِ بَعضِ المُسْتَشْرِقِينَ: "إِنَّ مِنْ خَصَائِصِ
العَقْلِيَّةِ العَربِيّةِ أَنْ لَا تَنْظُـرَ إِلَى الأَشْيَاءِ نَظرَةً
شَامِلَةً، بَلْ تُعْنَى عَادَةٍ بِالنظَرِ إِلَى أَجْزَاءِ الأَشْيَاءِ دُونَ
مَجْمُوعِهَا، فَالعَربِيِّ مَثَلًا إِنْ رَأَى غَابَـةً لَا يُعْنَى بِالنظَرِ
إِلَيْهَا كَمَجْمُوعٍ بِقَدْرِ مَا يُعنَى بِالنظَرِ إِلَى شَيْءٍ فِيهَا
تَستَهْوِيهِ ضَخَامَتُهَا أَوْ تَـفَرُّعُ أَغْصَانِهَا، أَوِ اسْتِقَامَةُ
سَاقِهَا، وَإِذَا طَبّقْنَا هَذِهِ الظَّاهِرَةَ عَلَى شِعْرِنَا الجَاهلِيِّ
عَرفْنَا السِّرّ الذِي لِأَجْلِهِ كَانَ البَيْتُ الوَاحِدُ مِنَ القَصِيدَةِ
يَكونُ وَحْدَةً مُستَقِلَّـةً بِذَاتِهَا" (فؤاد ترزي: مجلة أبحاث، السنة
12- ج1/ 93).
وَهَذَا كَلامٌ
مُتهَافِتٌ؛ لأَنّهُ يَرْمِي العَربِيَّ بِعُيُوبِ بِيئَتِهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ
العَربيَّ لَمْ يَألَفِ الغَابَاتِ فِي بِيئَتِهِ الصَّحْرَاوِيّةِ الجَردَاءِ
مِثْلَمَا أَلِفَهَا الأُورُوبِّيُّ، وَإِنَّما حَتَّمَتْ عَليهِ بِيئَتُه
الصَّحرَاوِيَةُ أَنْ يَرَى أَشْجَارًا وَلا يَـرَى غَابَاتٍ، وَلَوْ أَلِفَ
الغَابَاتِ مَا قَصَّرَ فِي وَصْفِهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ المُتَنبِّيَ حِينَ
انتَقَلَ إِلَى بِلادِ فَارِسَ، وَشَاهَدَ شِعْبَ بَـوَّانَ، وَهُوَ مَوضِعٌ
كَثِيرُ الشَّجَرِ، وَالمِيَاهِ يُعدُّ مِنْ جِنَانِ الدُّنْيَا ، أَيْ أَنّهُ
أَشْبَهُ بِغَابَـةٍ، وَمِنْ ثَمَّ وَصَفَهُ المُتنَبِّي وَصْفًا رَائِعًا وَلَمْ
يَكْتَفِ - وَهُوَ الرَّجُلُ العَربِيُّ - بِوَصْفِ إِحْدَى أَشْجَارِهِ، كَمَا
يَـزْعُمُ المُستَشْرِقُونَ، وَقَصِيدَةُ (شِعْبِ بَـوَّانَ) مِنْ قَصائِدِ المُتنبِّي
المَعرُوفَـةِ، وَفِيهَا وَصْفٌ رَائِعٌ لأَشْجَارِ الشِّعْبِ وَثِمَارِهِ
وَمِيَاهِهِ وَمَغَانِيهِ، وَمَطْلَعُهَا:
مَغَانِي الشِّعْـبِ طِـيبًا فِي المَغَانِي
بِمَنـزِلَـةِ
الـرَّبِيعِ مِنَ الزَّمَـانِ
وَلَـكِنَّ الفَـتَى العَـرَبِـيَّ فِيهَا
غَرِيبُ الْـوَجْهِ وَاليَـدِ وَاللِّسانِ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً