المشاعر في القرآن الكريم (8)

القواعد الحاكمة للحب في القرآن الكريم

د. مي سمير

28 سبتمبر 2026

62

صورة مرسوم بها مصحف ومسجد ومكتوب بها القواعد الحاكمة للحب في القرآن وتوجد صورة

الحب في القرآن الكريم من المشاعر التي قد يكون لها أثر محمود أو مذموم، فهو يرتقي بالإنسان حين يتصل بمحبة الله والسعي في رضاه، وقد يستحيل تعلقًا مذمومًا حين يحجب قلبه عن الله وطاعته.

القواعد الحاكمة للحب

ويمكن أن نستخلص 3 قواعد عامة حاكمة تجلى من خلالها التناول القرآني لمشاعر الحب، وأجملت الرؤية القرآنية لهذا الشعور، وقدمت دليلاً مُحكماً لفهم شعور الحب والوعي به:

الأولى: التمييز:

عقد القرآن الكريم مقارنة تفصيلية بين أمثلة الحب المذموم الزائل والحب المحمود الباقي، فعمد لتوعية المؤمنين بماهية الحب المذموم للاحتراز من السقوط في براثنه وبيّن لهم السبيل نحو الحب الذي فيه سعادتهم الحقة ونجاتهم من الهلاك، فقال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {14} قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران).

ونرى في الآيتين أن موضع التحذير هو التعلق بالشهوات الدنيوية حتى تصبح غاية تشغل الإنسان عن الآخرة، ثم تقارن ذلك بما أعده الله للمتقين من نعيم باقٍ ومتاع دائم.

وقد بيَّن سبحانه ما في الحب المذموم من تعلق بالشهوات، ويقول الزمخشري في «الكشاف»: «أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة، من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها».

الثانية: البُشرى:

وبعد التوعية بمكامن الشهوات الدنيوية الزائلة التي تُعلق قلب المؤمن بغير الله، عمد الخطاب القرآني لترسيخ قاعدة ربانية تُبشر المؤمنين بنعمة الله عليهم ومعونته لهم، فقال سبحانه: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: 7).

ويقول السعدي في معنى الآية: «والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه، ويكره إليكم الكفر والفسوق، بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر، وعدم إرادة فعله، وبما نصبه من الأدلة والشواهد على فساده، وعدم قبول الفطر له، وبما يجعله الله من الكراهة في القلوب له».

فالفطرة السليمة والأدلة الشاهدة المؤدية إلى الحق واستعداد القلوب لقبوله كلها نعم إلهية امتن الله بها على عباده المؤمنين لجعلهم منقادين للإيمان محبين للطاعة.

الثالثة: المعيار:

ثم ينتقل القرآن الكريم بعد المقارنة بين محبة الشهوات والمحبة الحقيقية الباقية، والتبشير بالفطرة السليمة التي أودعها الله في قلوب عباده فزين لهم بها حب الإيمان وكراهية المعاصي، إلى إقرار القاعدة الأهم في تنظيم مسألة الحب في حياة المؤمن، وهي تأسيس معيار حاكم ٍمُحكمٍ يُعين المؤمن على التمييز بين الحب المذموم والحب المحمود، فقال سبحانه: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216).

هذه القاعدة المُحكمة تُقرر أن الحب ليس معياراً وحيداً وكافياً للحكم على الأشياء، فمعيار المؤمن هو منهج الله وميزان الشرع حتى وإن خالف الشعور، إذ الشعور لا يساوي الحقيقة، لأن الحقيقة في علم الله.

ورغم أن الإنسان قد فطر على حب الخير، فإن فطرته وحدها لا تكفي في النجاة من فخاخ الحب والتعلق المذموم، وهو ليس مُحصناً من وقوع قلبه في مشاعر الحب المضللة، لذلك فإن جماع أمره التسليم لله تعالى في كل ما يفعل، إذ لله وحده العلم الشامل بما فيه الخير للمؤمن وإن بدا ظاهراً غير ذلك.

وليس أدل على ذلك من أن الآية نزلت في سياق الأمر بالقتال؛ فالقتال مكروه بالطبع لما فيه من التعرض للقتل والأسر وإتلاف الأموال، ومع ذلك قد يكون فيه الخير الكثير بإعلاء كلمة الله وأخذ الغنائم وردع الأعداء.

من هنا فالقرآن لا يحاكم ميل الإنسان إلى الحب ولا يرفض المحبة، وإنما يقدم للمؤمن ميزاناً ربانياً يرشده إلى وقاية قلبه من التعلق بالدنيا أو الانغماس فيها وإيثارها على الآخرة، ويهديه إلى التمييز بين الخير والشر بمعايير ربانية مُحكمة تحفظ قلب المؤمن من شراك الشهوات فتقوده إلى لذة الطاعة، وتسمو به فوق متاع الدنيا إلى ثواب الآخرة.

لا يكتفي هذا الميزان القرآني بتحذير القلب مما يصرفه عن الله، بل إنه يفتح له في المقابل طريقاً إلى المحبة التي تسمو به وتزكيه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة