من التصفح إلى الشراء.. كيف تصنع وسائل التواصل الاجتماعي عاداتنا الاستهلاكية؟
افتح هاتفك
لمتابعة إحدى المنصّات، سوف يقابلك سيلٌ لا ينتهي من الإعلانات، توقف لثوانٍ أمام
فيديو، سوف تظهر أمامك حقيبة أو ساعة لم تفكر من قبل في شرائهما، وسوف تكتشف أيضًا
أن المنصة ذاتها تقترح عليك ما قد تشتريه لاحقًا، وهكذا، تحوّلت وسائل التواصل
الاجتماعي من وسيلة للتواصل إلى سوق كبيرة يُعرض فيها كل شيء، وعلى اتساعها فإنها
موجودة في جيوبنا.
هذا التحوّل لم
يحدث بالصدفة، فالمنصات تمتلك قدرة متزايدة على فهم أنماط التصفح والتفاعل، وربطها
بالمحتوى والمنتجات التي قد تثير اهتمام المستخدم، ومع دمج الإعلانات ضمن
استخدامات وسائل التواصل أصبح الحد الفاصل بين المحتوى التجاري والمحتوى العادي
أقل وضوحًا، وبينما يظن المستخدم أنه يتصفح بدافع الفضول أو التسلية، أصبحت
المنتجات قادرة على الظهور في اللحظة التي يكون فيها أكثر استعدادًا للانتباه
إليها.
«الخوارزميات» تعرف ماذا نريد!
من الواضح أنه
في عالم وسائل التواصل هناك من يقرأ أفكارنا، إنها الخوارزميات، التي لا تسمع ما
نقوله لأنفسنا، لكنها تراقب سلوكنا وعاداتنا وتوجهاتنا، ومن خلالها تبني توقعاتها،
إنك لم تدخل التطبيق من الأساس لتشتري شيئًا، كنت فقط تمرر الشاشة، ثم ظهر فيديو
قصير، وبعده إعلان لمنتج ما، وبعد دقائق وجدت نفسك تردد الجملة التسويقية الشهيرة:
«يمكن أن أحتاج هذا»؛ ما يعني أن هناك مساحة صغيرة بين الملل والرغبة أصبحت وسائل
التواصل بارعة في استغلالها، وهذه واحدة من أكثر التحوّلات وضوحًا في اقتصاد
المحتوى الرقمي.
والحقيقة أن
المستخدم لا يقول للمنصة صراحةً: «أريد هذا المنتج»، لكنه قد يقترب من هذه النتيجة
دون أن يشعر، فمشاهدة مقاطع عن الرياضة مثلاً قد تقترن باهتمام بالأحذية الرياضية
أو الملابس أو أدوات التدريب، والتفاعل مع محتوى متعلق بالتصوير قد يقود إلى
توصيات بكاميرات أو أدوات التصوير الأخرى، وهكذا تتحوّل البيانات والإشارات إلى
توصيات، والخوارزمية بذلك لا تحتاج إلى ما نفكر فيه حرفيًّا، يكفيها أن تلاحظ ما
نفعله.
المحرّكات الخفية للشراء
في عالم التسوق الرقمي، لا تحتاج أحيانًا إلى إقناع المستهلك بمنتج ما، يكفي أن تقنعه بأن الوقت
ينفد، أو أن آلاف الأشخاص اشتروا هذه السلعة، أو أنه لم يتبق سوى ساعتين أمام
عملية الحجز، عبارات تبدو بسيطة، لكنها تضغط على واحد من أكثر دوافع الشراء
تأثيرًا، وهو الخوف من ضياع الفرصة، وهذه الآلية تستفيد من حساسية الإنسان تجاه
الخسارة المحتملة، وبذلك يمكن أن يتحوّل قرار كان يحتاج إلى أيام من التفكير إلى
عملية شراء تتم خلال دقائق، ويزداد التأثير عندما يرى آخرين يشاركون تجاربهم أو
يعرضون مشترياتهم.
ويأتي المؤثِّرون
كأحد أهم المحركات المحرّضة على الشراء على وسائل التواصل الاجتماعي، فعندما يقول
شخص نتابعه: إنه جرّب المنتج الفلاني وأعجبه، هنا يتحوّل المنتج من سلعة تعلن عن
نفسها إلى تجربة يرويها شخص نثق به ونعتقد أننا نعرفه، ونعرف تفاصيل حياته،
وأسلوبه وآراءه، وربما نشعر بأن بيننا وبينه مساحة من الألفة الرقمية، فتبدو
توصيته أقرب إلى نصيحة شخصية منها إلى رسالة إعلانية.
الاستهلاك المندفع.. وظاهرة «الترند التجاري»
كان الإعلان في
الماضي بداية رحلة طويلة نسبيًّا: يرى المستهلك المنتج، ثم يبحث عنه، ويزور الموقع
أو المتجر، ويقارن الأسعار والمواصفات قبل أن يتخذ قرار الشراء، أما وسائل التواصل
فقد أعادت تصميم هذه الرحلة بالكامل، حتى أصبح الانتقال من اكتشاف المنتج إلى
إتمام الدفع أقصر من أي وقت مضى، يشاهد المستخدم محتوى ما، فينجذب إلى منتج يظهر
بداخله، فيضغط على الرابط، ليبدأ عملية الشراء، دون الشعور بانتقاله من مرحلة إلى
أخرى، أو من نشاط إلى آخر، أصبح الشراء سريعًا إلى درجة أن لحظة الاكتشاف ولحظة الدفع
قد تتداخلان، حتى أسموه «الاستهلاك المندفع».
ويؤدي التعرض
المتكرر دورًا كبيرًا في تغيير أولوياتنا الاستهلاكية، ومع الخوارزميات يمكن لهذا
التكرار أن يتضاعف، فإذا أظهر المستخدم اهتمامًا بسيطًا بمنتج معين، قد يجد نفسه
أمام المزيد من المحتوى والمنتجات المتشابهة، ومن هنا نشأت ظاهرة «الترند التجاري»،
فالمنتج لا يصبح مرغوبًا فقط بسبب خصائصه، وإنما بسبب حضوره على وسائل التواصل،
وكلما تحدث عنه أكبر عدد من الناس زادت احتمالية أن يراه آخرون، في دائرة تبدأ
بالمحتوى وتنتهي بالمنتج، فليس كل ما نراه كثيرًا كان ضروريًّا، لكنه يصبح
مألوفًا، والمألوف لديه فرصة أكبر لأن يتحوّل إلى اختيار.
هل يمكن للمستهلك أن يعيد زمام الأمور؟
وسط هذا الكم
الهائل من الإعلانات والمحتوى التجاري، قد يبدو المستهلك وكأنه الطرف الأقل قدرة
على التحكم في سلوكه الشرائي، لكن فهم الطريقة التي تعمل بها وسائل التواصل يمكن
أن يكون الخطوة الأولى لاستعادة مساحة أكبر من القرار، البداية تأتي من التمييز
بين الحاجة والرغبة، فليس كل ما يلفت انتباهنا ضروريًّا، ثم تأتي قاعدة التوقف،
فبدلاً من الانتقال مباشرة من مشاهدة المنتج إلى الدفع، يمكن منح القرار بعض الوقت
لتحديد ما إذا كانت الرغبة مستقرة أم مجرد استجابة للحظة، ومن المهم أيضًا مراجعة
البدائل على مهل، وقراءة المحتوى التجاري بوعي وتؤدة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً