‏«مدرسة المشاغبين».. كيف تغذِّي وسائل التواصل ‏الاجتماعي فوضى الفصول؟!‏

عامر شماخ

22 ديسمبر 2025

339

‏«مدرسة المشاغبين».. كيف تغذِّي وسائل التواصل ‏الاجتماعي فوضى الفصول؟!‏

«مجموعة طلاب يرقصون داخل الفصل، ويقذفون صندوق قمامة، ويهينون معلمة»، «3 طالبات يعتدين بالضرب على زميلة أصغر داخل إحدى المدارس الراقية»، «4 طلاب بإحدى المدارس الثانوية يسخرون من معلمهم داخل الفصل، ويمارسون معه العنف، بخلع نظارته ودفعه إلى الحائط»، «طلاب وطالبات يشعلون النار في معلمتهم بدافع المزاح احتفالًا بعيد ميلادها»..

هذه عينة من عناوين فيديوهات منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، تعكس الفوضى المدرسية، التي بلغت حدّ الظاهرة؛ ما يتطلب مناقشتها، والوقوف على دوافعها وآثارها على العملية التعليمية.

«مدرسة المشاغبين».. نموذج للفوضى

وللمقارنة بين سلوك الطلاب الفوضوي وسلوك أبطال مسرحية «مدرسة المشاغبين»، استعاد البعض مشاهد منها؛ للتأكيد على دورها في الترويج لهذه الظاهرة.

المسرحية عُرضت في «مصر» عام 1971م، وتدور أحداثها حول 5 طلاب مشاغبين ومعلِّمة تحاول تهذيبهم، لكنّ المبالغة في الجانب الكوميدي للمسرحية حوّلها من عمل فني إلى مرجع ثقافي للشغب داخل الفصول الدراسية.

لقد كسرت المسرحية الهيبة التقليدية للمعلم في الوعي الجمعي، وجعلته مادة للسخرية، ونزعت الوقار من رموز العلم والقائمين على العملية التعليمية برمتها.

والعجيب أن المسرحية ما زالت تُعاد وتُقتبس إلى اليوم، دون أن يتصدى لها أحدٌ بصورة رسمية حاسمة تعالج تأثيراتها؛ ما رسّخ واقعًا تربويًّا مختلًّا، ونماذج فوضوية مألوفة، وبدلًا من ضبط الخلل وإعادة الهيبة لصورة المعلم، تحوّلت الفوضى لمادة للضحك بدلًا من علاجها كمشكلة تربوية.

المشاغبون الجدد

هناك فرقٌ كبير بين مشاغبي الأمس ومشاغبي اليوم، الذين أصبحوا أكثر عنفًا وجرأة، لأسباب متعددة، حتى وصفهم البعض بـ«الجانحين»؛ إذ بالإضافة إلى أسباب الشغب المتعلقة بهم، هناك أسباب مؤسساتية، وأخرى تربوية راكمت الظاهرة، بل يعزو البعض هذا التغيّر في مجمله إلى البيئة، التي تغيّرت بشكل جذري، وخلقت فجوة كبيرة بين الجيل الجديد والأنظمة التعليمية غير المتطورة، ومن ذلك التحوّل الرقمي.

يقول المختصون: إن طالب اليوم لم يتربَّ على هيبة المعلم، أو الخوف من العقاب، بعد تقليص أدوات الردع، فتراجع لديه الخوف التقليدي، وأصبح أقل تقبلًا للسلطات المدرسية.

وفي الزمن الرقمي صار سريع الملل، لم يعد يتقبل الفصل التقليدي القائم على الشرح والتلقين، ولم يعد بحاجة إلى المعلم الذي كان في الماضي المصدر الوحيد للعلم والمعرفة، وفي هذه البيئة يظهر التناقض، ثم يحدث الانفلات.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لا شكَّ أن مواقع التواصل الاجتماعي غذَّت الفوضى المدرسية بشكل كبير، حتى تمددت جذورها إلى الفضاء الرقمي، كبيئة قادرة على صياغة السلوكيات والقيم والمشاعر تجاه المجتمع، ومنه المعلمون والطلاب.

إن غياب الحدود بين الخاص والعام لدى الطلاب، وعدوى التقليد، وتطبيع السلوك المتمرد، هي التي تصنع هذه الحالة من الفوضى وتشتت الانتباه والشغب داخل الفصل، التي تتخذ عدة أنماط، منها:

1- نشوء التوتر بين المعلم والطالب: لانشغال الأخير بوسائل التواصل سرًّا عن الدرس، ومن ثم انخفاض تركيزه، وضعف تفاعله، وتعطيل النظام والانضباط داخل الفصل.

2- انتهاك الخصوصية: خصوصية المعلم والطلاب، بتصويرهم من دون إذن؛ ما يكرّس فوضى القيم، ويضر بعلاقات المجتمع التعليمي القائم على الاحترام المتبادل.

3- التنمّر الإلكتروني: إما بالسخرية أو تهديد الطلاب أو المعلمين أو إدارة المدرسة، عبر الفيديوهات، وقد يتحول هذا السلوك إلى عنفٍ فعليٍّ، ينتقل  إلى الواقع، خارج الفضاء الأزرق.

4- خلق أزمات داخل المدرسة: بنشر الأخبار الكاذبة والشائعات حولها، بحثًا عن «الترند»، أو نشر محتوى مازح أو خطر ينتج عنه فوضى، وقد يكون هذا من خلال حسابات وهمية.

المعلمُ يفقدُ هيبتَه

في الزمن الرقمي تراجعت هيبة المعلم، وضعفت الثقة بينه وبين طلابه كأثر للمحتويات السلبية المنشورة عن المعلمين، أو خوفًا من تصويره سرًّا ونشر المقاطع، ومع صعوبة ضبط الصف، ومع شعوره بأن جهده لا يُقدّر، وبأنه مراقب ومحاسَب طوال الوقت، صار المعلم يعاني من ضغوط نفسية كبيرة، تفقده الدافعية، وتؤثر بالطبع على جودة التدريس.

كما لا تسلم البيئة المدرسية عمومًا من فوضى وآثار سلبية جرّاء استخدام الطلاب لوسائل التواصل، وتحديهم لقرارات المدرسة؛ وبالتالي زيادة العبء على الإدارة لفض النزاعات والشكاوى المتعلقة باستخدام الهواتف أثناء الحصص، أو علاج حوادث التنمُّر الإلكتروني، أو وضع حدٍّ للمخالفات الأخرى.  

كيف نعيد ضبط المشهد؟

إذا أردنا أن نستعيد احترام الفصل، في ظل بيئة رقمية جديدة وإرث «مدرسة المشاغبين» الفوضوي، لا بد من إعادة ضبط بوصلة الطلاب، من خلال وعي رقمي يفرض الانضباط واحترام المعلمين، وهذا يتطلب شراكة بين الأسرة والمدرسة، كالآتي:

1- تعزيز القيم، وتصحيح المفاهيم، وتوعية الطلاب بالفرق بين «السلوك الواقعي» و«السلوك الرقمي» المبني على «الترند»، ويهدف إلى الشهرة والظهور.

2- استغلال وسائل التواصل الاجتماعي في أنشطة تعلُّمية تفاعلية، تقلل من استخدام الطلاب لها كأداة فوضى وترفيه، وتحويل الطلاب من مستهلكين إلى صناع محتوى مفيد.

3- تزويد المعلمين بطرق حديثة لإدارة الصف، والتعامل مع سلوكيات الطلاب المشاغبين، وبناء بيئة مدرسية داعمة للانتماء وضبط قواعد السلوك.

4- أن ترسّخ الأسرة في نفوس أبنائها قيمة التعليم ومكانته، بإظهار التقدير للمعلمين وللمدرسة أمامهم، ووضع قواعد حاكمة للاستخدام الآمن لـوسائل التواصل.

5- أن تتواصل الأسرة بصفة مستمرة مع المدرسة، وأن تدعم الجوانب النفسية لأبنائها، وتناقشهم في الآثار السلبية للسلوك الفوضوي على تحصيلهم وتحصيل زملائهم.



اقرأ أيضاً:

ظاهرة العنف المدرسي وسبل مواجهتها

المُعلِّم.. من أيقونة إلى مادة للسخرية في الدراما العربية!

الغش الجماعي.. أزمة ضمير أم خلل في النظام التعليمي؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة