المعجم القرآني.. أسرار الفرائد اللفظية (1)
"ضِيزَى".. من دقة اللفظ إلى قوة الحجة
يضم المعجم
القرآني ألفاظًا لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، مثل: "ضِيزَى"،
و"قَسْوَرَة"، و"إِدًّا"، ولكل لفظة منها معناها الذي تؤديه
في سياقها، وخصوصيتها التي تظهر عند النظر في أصلها اللغوي وبنائها الصرفي
وعلاقتها بما يحيط بها من ألفاظ وتراكيب.
وقد يكون المعنى
العام لهذه الألفاظ معلومًا، أو يسهل الوصول إليه بالرجوع إلى كتب اللغة والتفسير،
لكن معرفة المعنى المعجمي تمثل بداية النظر؛ إذ يبقى تأمل موقع الكلمة في الآية،
وما تضيفه إلى السياق أو الصورة، وما يتحقق بها من تناسب بين دقة الدلالة وحسن
التأليف.
ومن هنا تأتي
هذه السلسلة التي نتوقف فيها عند بعض فرائد المعجم القرآني؛ لننظر في معانيها،
ونستعين بما ذكره اللغويون والمفسرون وأهل البيان في توجيهها، ثم نتأمل أثرها في
فهم الآيات التي وردت فيها؛ فقد تكشف لفظة عن تناقض في الاعتقاد، أو تستحضر مشهدًا
من مشاهد الآخرة، أو تعبّر عن شدة الإنكار على مقالة باطلة.
وسيتسع النظر في
السلسلة ليشمل صورًا متعددة من الفرادة؛ فهناك اللفظة التي وردت مرة واحدة في
القرآن كله، وهناك الألفاظ التي اختصت بها سورة، وقد تتكرر فيها، وهناك الصيغة
التي تنفرد بموضع مع ورود مشتقات أخرى من مادتها. وهذه صور ينبغي التمييز بينها؛
لأن تفرّد الكلمة بصيغتها لا يعني بالضرورة تفرّد أصلها اللغوي.
ولا نعني بذلك
أن قلة ورود اللفظ تكفي وحدها للحكم على خصوصيته البيانية؛ وإنما نتخذها مدخلًا
إلى دراسة استعماله، وربطه بسياقه، والوقوف على ما يتضح من وجوه اختياره. فالمقصود
أن تكون المعرفة اللغوية عونًا على التدبر، وأن نرى كيف تسهم الكلمة في بناء
المعنى وإحكام الحجة.
ونبدأ هذه
الرحلة بلفظة "ضِيزَى" في سورة النجم؛ حيث يكشف المعنى اللغوي عن جور
القسمة، ويكشف السياق عن تناقض أصحابها، وتتساند دلالة الكلمة مع تركيب الآية في
إبطال دعواهم.
فكلمة
"ضِيزَى" من فرائد المعجم القرآني؛ فقد وردت مرة واحدة في قوله تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى {21}
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) (النجم)، ومعناها الجائرة، لكن النظر في سياقها يكشف عن دقة في
التعبير تتصل بطبيعة القسمة التي أنكرها القرآن، وبالطريقة التي واجه بها المشركين
بتناقضهم.
وقد جاءت
الآيتان بعد ذكر اللات والعزى ومناة؛ حيث قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى {19}
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) (النجم)، ثم أعقب ذلك بالإنكار عليهم في تخصيص أنفسهم بالذكور،
ونسبة الإناث إلى الله تعالى، مع أنهم كانوا يفضلون الذكور ويكرهون أن يولد لهم
الإناث.
وهنا تتجلى
خصوصية اللفظ القرآني؛ إذ جاءت "ضِيزَى" وصفًا لقسمة تكشف فساد اعتقادهم
واختلال ميزانهم؛ فهم ينسبون إلى الله ما يكرهونه لأنفسهم، ثم لا يرون في ذلك ما
يناقض دعواهم. ويمكن الوقوف على بعض جوانب هذا التعبير من خلال ثلاثة أمور:
"ضِيزَى" في المعجم القرآني.. الجور والبخس
يوضح الزجاج
المعنى اللغوي للكلمة بقوله: "والضِّيزى في كلام العرب: الناقصةُ الجائرة،
يقال: ضازه يَضِيزُه: إذا نقصه حَقَّه" (معاني القرآن وإعرابه: 5 /73).
ويقول الإمام
الطبري في تفسير الآية: "قسمتكم هذه قسمة جائرة غير مستوية، ناقصة غير تامة،
لأنكم جعلتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم، وآثرتم أنفسكم بما ترضونه"
(تفسير الطبري: 22/ 525).
وهذه الدلالة
اللغوية تتناسب مع لفظ "قسمة"؛ لأن القسمة تقوم على توزيع الأنصبة،
وتستدعي النظر في العدل بين أطرافها، فإذا دخلها البخس والميل كانت قسمة جائرة.
ومن ثم جاء وصفها بـ"ضِيزَى" متصلًا بحقيقة الفعل الذي صدر منهم، كاشفًا
الخلل فيه.
فهم لم يكتفوا
بنسبة الولد إلى الله تعالى، وهو منزّه عن ذلك، وإنما جعلوا لأنفسهم ما يستحسنونه،
ونسبوا إليه ما يستقبحونه؛ فاجتمع في مقالتهم فساد الاعتقاد والجور في الحكم.
وللكلمة توجيه
صرفي ذكره القرطبي؛ حيث جعل أصل بنائها، في القراءة بغير الهمز، على
"فُعْلَى"، وعلل كسر الضاد بالمحافظة على الياء. وهذا من تداخل البناء
الصرفي والنظام الصوتي في العربية؛ إذ تتغير الحركة للمحافظة على حرف الكلمة.
(تفسير القرطبي: 17 / 203).
والمهم في هذا
السياق أن اللفظة ذات أصل عربي معروف، وأن خصوصيتها البيانية تتضح بالنظر إلى
علاقتها بموضعها، وما تضيفه إلى المعنى الذي سيقت له.
محاجّة المشركين بما يختارونه لأنفسهم
بدأت المواجهة
بقوله تعالى: (أَلَكُمُ
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى)؛ فالاستفهام هنا للإنكار، وفيه إلزام لهم
بمقتضى اختيارهم: كيف تستأثرون بما ترونه أفضل، ثم تنسبون إلى الله ما تكرهونه
لأنفسكم؟
وقد نبّه ابن
عاشور إلى دلالة تقديم الجار والمجرور في (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى)، وربطه بالاهتمام
بالاختصاص في مقام التهكم والتسفيه. كما قال في الجملة التالية: "وجملة (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى) تعليل للإنكار والتهكم المفاد من الاستفهام".
(التحرير والتنوير: 27 /106).
وهذا التقديم
يوجه النظر إلى موضع التناقض؛ فالقضية تتعلق بما خصّوا به أنفسهم، وما جعلوه لله
تعالى. وجاء التقابل بين "لكم" و"له"، وبين "الذكر"
و"الأنثى"؛ ليضع طرفي القسمة أمامهم، ثم يأتي الحكم عليها في الآية
التالية.
وفي هذا المسلك
قوة في الاحتجاج؛ لأن فساد الدعوى يظهر من داخلها؛ فأصحابها لا يلتزمون حتى
بالميزان الذي يرتضونه لأنفسهم. فإذا كانوا يرون الذكر أفضل، فكيف يخصون أنفسهم
به، ويجعلون لله الأنثى؟
ولا يعني
الاحتجاج عليهم بهذا التفضيل إقرار نظرتهم إلى الإناث؛ وإنما هو مجاراة لهم في
اعتقادهم لإظهار تناقضه، أما نسبة الولد إلى الله فباطلة من أصلها.
ولهذا يعقب
السياق بقوله تعالى: (إِنْ
هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ
اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (النجم: 23)؛ فينتقل من كشف اختلال مقالتهم
إلى إبطال ما أقاموا عليه عبادتهم من أسماء ودعاوى لا برهان عليها. وهذا الانتقال
مما بيّنه ابن عاشور في تفسير السياق.
وهكذا يخدم
البناء اللغوي تقرير المعنى العقدي؛ فالاستفهام يكشف التناقض، وتقديم الجار
والمجرور يبرز الاختصاص، ثم يأتي وصف القسمة حكمًا على ما ادّعوه.
دقة الدلالة ومراعاة الفاصلة
جاءت
"ضِيزَى" في ختام الآية، متناسبة مع الفواصل السابقة:
"العُزَّى"، و"الأُخْرَى"، و"الأُنْثَى"؛ فاجتمعت
فيها دلالة الجور مع الانسجام الصوتي الذي ينتظم هذا الموضع من السورة.
وهنا ينبغي تأمل
الأمرين معًا؛ فقولنا إن "ضِيزَى" بمعنى "جائرة" يقرّب المعنى
إلى القارئ، لكن لكل لفظ هيئته وبناؤه وموقعه من الكلام. واللفظة القرآنية تؤدي
معناها في تركيب تتساند أجزاؤه، وتنسجم فواصله.
ويمكن ملاحظة
هذا التساند في قوله تعالى: (تِلْكَ
إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)؛ فاسم الإشارة يعيد إلى الذهن ما سبق من تخصيص
أنفسهم بالذكور ونسبة الإناث إلى الله، و"إذًا" تصل الحكم بتلك الدعوى،
ثم تأتي كلمة "قسمة" لتصور ما فعلوه في صورة توزيع للأنصبة، ويجيء الوصف
الأخير ليحكم على هذا التوزيع بالجور.
ولو وقف القارئ
عند (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ) لظل منتظرًا ما يحدد طبيعتها؛ فإذا قرأ (ضِيزَى)
اكتمل الحكم، وانكشف وجه الإنكار؛ فموقع الصفة في ختام الجملة يجعلها موضع استقرار
الحجة، فضلًا عن تناسبها مع فواصل الآيات.
وتظهر من هذا
المعالجة ثمرة مهمة في قراءة المعجم القرآني؛ فالكلمة تسهم في توجيه النظر إلى
حقيقة الموقف، وتشارك في إقامة الحجة عليه. و"ضِيزَى" مثال لذلك؛ إذ يصل
معناها اللغوي بين الجور في القسمة والتناقض في الاعتقاد.
وهكذا نجد أن
الوقوف عند لفظة واحدة يفتح بابًا لفهم بناء الحجة القرآنية؛ فقد جمعت الآيتان بين
مواجهة المشركين بما يختارونه لأنفسهم، وإظهار اختلال حكمهم، ثم وصفه بلفظ يوافق
المعنى وينسجم مع النظم. وهذه ثمرة النظر في فرائد الألفاظ: أن تقودنا معرفة
الكلمة إلى مزيد من الوعي بدقة البيان، وما يحققه من إحكام المعنى وقوة الاستدلال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً