تغير المعنى بتغير الحرف في اللغة العربية

صورة بها صورة الدكتور محمد حسان الطيان وبجواره صورة تعبيرية لبعض الحروف العربية.

من بديع أسرار لغتنا الجميلة تغير المعنى بتغير الحرف، وهذا موجود في كل اللغات؛ فمتى تغير حرف في الكلمة تغير له المعنى، وقد قال علماء اللسانيات: "إن أقل ما يمكن أن يغير المعنى في الكلمة يدعى بالفونيم، وعربوه بالصَّوْتِيم"، وأريد أن أمثل لهذا بقصة طريفة في البداية، ثم آتي إلى أمثلة قرآنية.

يروى أن أبا نواس كان في مجلس الرشيد يومًا، ويبدو أنه مدحه بقصيدة فلم يعطه شيئًا، وإنما أعطى جاريةً تسمى خالصة، فامتعض أبو نواس من هذا، وذهب إلى باب خالصة بعد انقضاء المجلس، وكتب عليه:

لَقَدْ ضَاعَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاعَ عِقْدٌ عَلَى خَالِصَةْ

ولما قرأت خالصة ما كتب على بابها غضبت، وذهبت إلى الرشيد، تشكو أبا نواس، ولكن أبا نواس كان أسرع منها إلى الشعر، فمحا ذيل العين من الشطرين، "لقد ضاع" فلما محا الذيل أصبحت "لقد ضاء" وغدا البيت على هذا:

لَقَدْ ضَاءَ شِعْرِي عَلَى بَابِكُمْ ... كَمَا ضَاءَ عِقْدٌ عَلَى خَالِصَةْ

ولما قرأ الرشيد البيت سرَّ به، وأمر لأبي نواس بعطاء.

إذًا ماذا فعل أبو نواس؟ غيَّر حرفي العين، فجعلهما همزتين، ولذا قيل في هذا البيت: "هُمِزَت عيناه فأبصر"، والهمز في اللغة اللكز، فإذا همزت العين الباصرة انقلعت، ولكن الأمر هنا انقلب؛ لأن العين التي همزت ليست بالعين الباصرة، ولأن الهمز إنما كان بقلبها همزة لا بضربها أو لكزها. وهكذا انقلب الهجاء إلى مديح!

في رحاب كتاب الله

يقودني هذا إلى بعض الأمثلة القرآنية التي نجد فيها الفعل وأخاه، أو الفعل وما يشبهه تمامًا بتغيير حرف أو بتغيير نقطة، من مثل فعليْ "نَفِدَ" و"نَفَذَ" فهذان الفعلان متشابهان في اللفظ مختلفان في المعنى، أما الأول وهو "نَفِدَ" فمعناه انتهى، وأما الثاني وهو "نفَذ" فمعناه دَخَل.

وقد ورد الأول في قوله تعالى في سورة الكهف: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف: 109).

لنَفِدَ البحر أي "انتهى"، ولا يجوز هنا أن نقول: "نَفِذَ".

وورد الثاني "نفَذَ" –وهو من باب نصَر ينصُر أي نَفَذَ ينفُذُ- في قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (الرحمن: 33). تنفذوا: تخترقوا.

ومن جميل التعليلات التي كنت سمعتها من شيخنا الشيخ هشام الحمصي رحمه الله وهو صاحب نظرات ووقفات وتأملات في كتاب الله بما أوتي من علم في اللغة، ومن بيانٍ رفيعٍ، ومن حس مرهف، أن الفرق بين نفد ونفذ يتبدَّى في وجود هذه النقطة أو انعدامها، فما كان فيه نقطة وهو: نَفَذ، هو الذي يبقى منه أثر كهذه النقطة، فالمسمار إذا نفذ يخرج رأسه من الناحية الأخرى، وتمثله هذه النقطة. أما "نَفِدَ" فلا نقطة فيه، لأن ما ينفَدُ ينتهي، ولا يبقى له أي أثر.

إذًا ما كان بالذال يبقى له أثر، وما كان بالدال لا يبقى له أثر.

تغير المعنى لزيادة حرف

ومن أمثلة اختلاف معنى الكلمة لزيادة حرف فيها كلمتا: "القاسط والمقسط".

فالقاسط الجائر عن القصد، وهو مذموم، واشتقاقه من "قَسَطَ" الثلاثي، وهو اسم فاعل من قَسَطَ يَقسط فهو قَاسِطٌ، ومعنى قَسَطَ جَارَ عن القصد.

وقد ورد في قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) (الجن: 15). فالقاسطون هم الجائرون، الظالمون، الذين عَدَلُوا عن حكم الله،

أما المُقْسِطُ فهو الذي يحكم بالعدل، ولا يجور ولا يظلم، إذن فهو ضد القاسط، واشتقاقه من أقسط الرباعي، فهو اسم فاعل من أقسط يُقسط فهو مقسط.  وقد ورد في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9).

وقد يسأل سائل: كيف تحول المعنى؟

والجواب أن قَسَطَ حرف من الأَضْداد. قال ابن الأنباري في كتابه الأضداد: "يقال: قَسَطَ الرَّجل إِذا عدل، وقَسَط إِذا جار، والجوْر أَغلب على قَسَطَ؛ قال الله عز وجل: (وأَمَّا القَاسِطُونَ فكَانُوا لجَهَنَّمَ حَطَبًا)، أَرادَ الجائرون. وقالَ القُطاميّ:

أَلَيْسُوا بالأُلى قَسَطُوا جمِيعًا ... على النُّعْمانِ وابْتَدَرُوا السِّطَاعَا"(1)

فالفعل قسط الذي بمعنى جار وظلم، دخلت عليه همزة الإزالة: "أَقْسَطَ" فصار معناه: أَسْقَطَ الظلم، أو أزاله. قالوا: هذه الهمزة همزة الإزالة، إذا دخلت على الفعل أزالته، كأنها تعكس معناه.

ومن هنا قوله تعالى: (وَأَقْسِطُوا) (الحجرات: 9)، فهو أمر بالعدل.

أبيات طريفة

أمثلة اختلاف الحرف، أو اختلافِ المعنى لاختلاف الحرف كثيرة، أختمها بقصيدة طريفة أدى اختلاف أحرفها إلى اختلاف بيِّن في المعنى؛ إذ قلب الأمر رأسًا على عقب، وأحال القصيدة من الذم إلى المدح، تقول القصيدة:

1 - مَنْ رَامَ أَنْ يَلْقَى تَبَارِيحَ الكُرَبْ ... مِنْ نَفْسِهِ فَلْيَأْتِ أَجْلَافَ الْعَرَبْ

هذا ذم، لكنه ينقلب إلى مديح بوضع بعض النقاط، أو بإزالة بعض النقاط، فيصبح:

مَنْ رَامَ أَنْ يُلْقِي تَبَارِيحَ الكُرَبْ ... مِنْ نَفْسِهِ فَلْيَأْتِ أَحْلَافَ العَرَبْ

هناك أجلاف هنا أحلاف، أزيلت النقطة، فانتقل الكلام من هجاء إلى مديح.

2 - يَرَ الجِمَال والجِلال والخَشَبْ ... والشَّعْرَ والأَوْبَارَ كَيْفَمَا انْقَلَبْ

هذا ذم، ينقلب إلى مديح بتغيير بعض الأحرف وبعض الحركات:

يَرَ الجَمَال والجَلال والحَسَبْ ... والشِّعرَ والأوتارَ كيفما انقلبْ

"ير الجِمال" الجِمال صارت "الجَمال"، الشَّعر صارت الشِّعر، هنا لم يتغير الحرف، وإنما تغيرت حركته، على أن حرف الخشب تغير إلى الحسب، والأوبار إلى الأوتار.

3 - أَسْرَقُ أَهْلِ الأَرْضِ عَنْ أُمٍّ وأبْ ... وأسمجُ الناسِ وأخزى من نهبْ

هذا ذم يتحول إلى مديح:

أشرقُ أهلِ الأرض عن أمٍّ وأبْ ... وأسمحُ الناسِ وأجزى من يَهَبْ

أسرق صارت أشرق، وأسمج صارت أسمح، وأخزى صارت أجزى.

ومن طريف ما يروى في هذا قول الشاعر:

رأى الصيفَ مكتوبًا على باب داره ... فصحَّفَه ضيفًا فقام إلى السيفِ

فقلتُ له خيرًا فظنَّ بأنني ... أقولُ له خُبزًا فمات من الخوفِ

فهو يصف بخيلًا رأى كلمة "الصيف" مكتوبة على باب داره، فظنها: "الضيف" تصحيفا لها بسبب بخله، فقام إلى السيف. ولما قيل له "خيرا" صحفها "خبزا" فمات من الخوف.

الهوامش
  • 1 الأضداد لابن الأنباري (1/ 58)
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة