ماذا بعد رمضان والعيد؟

إخوة الإيمان:

ماذا بعد رمضان والعيد؟ لقد انتهى رمضان بأجوائه الروحية ذات الألوان الجميلة المختلفة، وذات الصور المضيئة المشرقة، وهذه أيام العيد تمضي بمباهجها ومظاهر اللهو والمرح فيها، وأقبلت أيام مرحلة جديدة من مراحل عمر المسلم، فماذا يجب على المسلم بعد رمضان؟

من الواجب علينا بعد أن دخلنا مدرسة رمضان النفسية، وبعد أن اجتزنا فيها دورة تدريبية تربوية ذات مستوى راق، أن نستمر على الحالة الحسنة الفاضلة التي اكتسبناها في شهر رمضان.

فالدورات التدريبية إنما يقصد منها إعداد النفس والجسد للعمل الصالح المستمر، فهي وسيلة إصلاح وتهذيب ليستمرا دائمين، بعد الدورة.

ومن الواجب علينا أيضًا إجراء جرد لأعمال السنة الماضية، يقوم به أفراد المسلمين وعامتهم وجماعاتهم، على مختلف المستويات، وبعد الجرد تأتي محاسبة النفس على أعمالها، ثم بعد ذلك يكون تقدير الأرباح والخسائر، ثم يكون إعداد الخطط الحكيمة لتدارك النقص، وتلافي الخطأ، والسير في طريق الكمال والمجد.

ثم يأتي الاستعداد لتنفيذ الخطط المشتمل على إصلاح الأوضاع العامة الفردية والاجتماعية، ثم بعد ذلك تأتي متابعة التنفيذ بدقة كاملة.

 ومن الواجب علينا أيضًا أفرادًا وجماعات، بعد اجتيازنا مرحلة فاصلة بين سنة منصرمة وعام قادم، الاستفادة من الدروس العملية التي مرت خلال العام المنصرم، وأن نضع نصب أعيينا عظاتها وخبراتها التجريبية، فمن لم يستفد من عظات الماضي لم يظفر بثمرات المستقبل، ولم يأمن مخاطره، ومهالكه، والعاقل الرشيد هو الذي يعلم أن الحياة كلها دروس وعظات، فهو شديد الانتباه للاستفادة منها.

ومن الواجب علينا أن نفتح صفحة الواقع المؤلم الذي نعاني منه من قبل أنفسنا ومن قبل أعدائنا، وأن نجتمع على عمل مشترك عام، قائم على مفاهيم الوحدة الإسلامية، ومعاني الجسدية الواحدة بين المؤمنين، والأخوة الإيمانية التي عقدها الله بين المؤمنين، بغية أن ندفع عن أنفسنا وبلادنا ما هو جاثم فوق صدورنا من بلاء عظيم لا صارف له إلا العودة إلى طريق الإسلام الحق، والاستمساك بتعاليمه القويمة في كل أمر من أمور الدين وأمور الحياة.

 وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نصوم بعد رمضان ستة أيام من شوال، ليكون ذلك لنا بمثابة صيام الدهر كله، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فالشهر الذي هو رمضان بقوة عشرة أشهر، وستة أيام من شوال بقوة ستين يومًا، وهما شهران، فمن صامها مع رمضان فكأن صام في السنة اثني عشر شهرًا، وهي سنة كاملة.

روى الإمام مسلم عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، كان كصيام الدهر» وأما الصيام المسنون غير صيام ست من شوال، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه التزم أيامًا معينة من كل شهر من أشهر السنة، ونستطيع من خلال استعراض ما ورد في ذلك من أحاديث، أن نعرف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الصيام المسنون.

 روي عن البخاري ومسلم عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صيامًا في شعبان».

 وروى مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: «قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا كله؟ فقالت: ما علمته صام شهر كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله»، أي: حتى توفاه الله.

فمن هذا يظهر لنا أنه عليه الصلاة والسلام، ما كان يمر عليه شهر من الشهور إلا ويصوم منه مقدارًا ما قل أو كثر، وجاء في الصحيح تفضيل صيام شهر الله المحرم، فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل».

وثبت أيضًا تفضيل صيام يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، ويرى كثير من فقهاء الدين أنه كان واجبًا قبل نزول فرض صيام رمضان، ثم نسخت الفريضة وصار مسنونًا، ويسن أيضًا صيام يوم قبله مخالفة لأهل الكتاب.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه.

وروى مسلم عن ابن عباس قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع».

وفي رواية عند الإمام أحمد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا قبله يومًا، وبعده يومًا».

وفي نهاية أحاديثي حول العيد، أذكركم بمقالة من سبقونا بإحسان «ليس العيد لمن لبس الجديد، ولكن العيد لمن خاف الله ويوم الوعيد»[1].

  اقرأ المزيد 

- لماذا نحب يوم العيد؟

- العيد طاعة وفرحة

- التكبير في عيد الفطر 

 

 

 




الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة