التدوينة الدوّارة.. وصناعة الوعي المضلل!

التدوينة الدوّارة.. وصناعة الوعي المضلل!

في فتوحات الشام، كان من جملة الموروث القيمي أن جماعة من الصحابة تداولوا شربة ماء، إيثاراً منهم لبعضهم فماتوا جميعاً، ولم يشربها أحد بعد أن دارت على أولهم ورفض أن يشربها دون صاحبه حتى وصلت إلى الأول مجدداً.

إن نظام تدوير القيمة من أعظم الإيجابيات في المجتمع، فالقيم بمثابة التيار الكهربائي الذي ينعش أجهزة المجتمع، وعند فصله تتوقف الأجهزة كلياً، ولذلك تتكشف الأخلاق وتظهر على حقيقتها في المجتمع المأزوم أخلاقياً.

كليلة ودمنة والتدوينة الدوارة

لا يمكننا الآن أن نعيش بعيداً عن مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه عزلة لا يمكن لمجتمع أن يتبناها لأفراده، وإلا سيعيش منعزلاً، وكأنه في عصور ما قبل التاريخ.

ومع استعمال وكثرة الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر لنا منافعها كما مساوئها، حيث يأتي ما يعرف بـ«التدوينة الدوّارة» على رأس هذه المساوئ.

تبدأ التدوينة أو التعليقات الدوّارة حينما يقوم محترف من محترفي التعليقات بتوجيه ما تم نشره لصاحب التدوينة الحقيقية، بعبارة جديدة لتفريغ المنشور الأصلي من مضمونه، هذه الحالة عندما أراها على معظم منصات التواصل الاجتماعي تذكرني بحالة الكتاب القليل الحجم الكثير المنفعة «كليلة ودمنة».

صاحب هذا الكتاب الفيلسوف «بيدبا» صنع لنفسه أسلوباً فنياً، لأجل إكمال الحكمة ومنظومة القيم، التي يريد أن يوصلها للملك دبشليم، ويترك نفعاً عاماً للأجيال للحفاظ على منظومة القيم، فاختار أسلوباً فنياً هو تداخل الحكايات.

جاء أسلوب «تداخل الحكايات» كأحد مناهج البحث في العصر القديم، وهو ما فتق به ذهن الفيلسوف حينها، لأجل أن يكون لديه مساحة من التحرك والتنقل بين حكايات الباب، دون عناء أو ملل لينتقل بسلاسة من سرد حكمة على لسان أحد الحيوانات أو الطيور، التي غالباً ما تكون على لسان الملك دبشليم: «كيف كان ذلك؟»، ليرد الفيلسوف بمثل وحكاية جديدة، وهكذا من مبدأ الكتاب إلى آخره، دون أن تضيع القيمة أو الحقيقة.

لكن في واقعنا الجديد المنوط بالتعليق أو التدوينة الدوارة على منصات التواصل الاجتماعي، وما يقوم به صاحبها المأزوم من استنطاق التدوينة بما لا تتحمله، ليتلقفها آخر ضيق الصدر بالقراءة يصنع وعياً مضللاً وبعيداً عن الحقيقة، إذ يمكن القول: إن ما يتم في كثير من الأحيان من تعليقات، لم يقصده الكاتب أو يتطرق إليه حتى في خياله، ليجد نفسه مضطراً أن يكتب ويصوّب ما يريد أن يوصله لكن دون جدوى، وذلك بعد أن تكون الغلبة للتعليقات والتدوينات المضللة، لما تم اجتزاؤه من فهم ناقص من أصل التدوينة.

مهارة النقل القيمي

إن عملية النقل والفهم الصحيح والتعبير الدقيق عن الذات مهارة حثّ عليها الإسلام، بل إن الفاروق عمر كان يصكّ وجه من يتلجلج في حديثه ويقول: «سبحان الله! إن الذي خلق هذا، خلق عمرو بن العاص»، لتمكن الصحابي عمرو بن العاص من التعبير عن نفسه بأفصح وأوضح عبارة.

أيضاً، لدقة النقل في الوصف؛ حسّاً ومعنى، نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم من أثر رسم الصورة المسبقة في النقل حيث قال: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليهم، وأنا سليم الصدر» (رواه أبو داود).

كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما ذكر رجل من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلا ما كان من زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه»، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم «زيد الخير».

إن هذا التوجيه النبوي منه يصنع وعياً مبكراً للأمة في أمانة النقل ورسم الصورة الصحيحة، دون أن ينقل المرء دون وعي أو يستخفّه طرب مواقع التواصل وكثرة الناقلين لقضية، جرياً وراء «الترند»، ليرسموا صورة تقتل صاحبها وتسحق معنوياته.

إن المتعة الحقيقية تبقى مضبوطة بالنقل القيمي ورسم الواقع كما هو، والتنقل بين الموضوعات دون صخب، فالصحابة كانوا يسمعون الوحي ويكتبونه، وينتقلون لأمور الدنيا، كل ذلك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم دون صخب أو ضجيج، بل في مناخ تسوده الراحة النفسية دون تكلف أو عنت.

وبالجملة، فإن الثمرة الحقيقية في كل من يخرج من عند مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يخرجون من عنده فقهاء أدلة على الخير، وليكن هذا حالنا في النقل والتعليق أن نقرأ ونسمع بوعي، وننقل لتشكيله إيجابياً وليس لتضليل الناس.

حلول نبوية على مواقع التواصل

1- كان صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه، دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش.

2- كان صلى الله عليه وسلم يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه.

3- كان لا يذمّ أحداً ولا يعيّره ولا يعيبه، ولا يطلب عورته.

4- كان صلى الله عليه وسلم يحسّن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف.

5- يقول الصحابي زيد بن ثابت: كنت جار النبي عليه السلام، وكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليَّ فأكتب الوحي، وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة