فن الإنصات وتشكيل الوعي.. درس من السيرة النبوية

فن الإنصات وتشكيل الوعي.. درس من السيرة النبوية

يقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: إن الله خلق للإنسان أذنين ولسانًا، ليكون مصاحباً له دائماً أن استماعه ينبغي أن يكون أكثر من حديثه.

لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم منذ بعثته، كيف أن يكون المسلم متمتعاً بكاريزما «فن الإنصات» التي كان هو صلى الله عليه وسلم فيها نموذجاً ملهماً، حتى مع أكبر خصومه.

النبي.. وفن الإنصات

حينما وفد أبو الوليد عتبة بن ربيعة ممثلاً لقريش في إحدى محطاتها التفاوضية مع النبي صلى الله عليه وسلم، جاء يعرض عليه شروطاً لا تليق بقدر النبوة وكأنه طالب دنيا.

وكان عتبة بن ربيعة سيداً حليماً، قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منا بعضها ويكف عنا؟

قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك، حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفرغت يا أبا الوليد؟»، قال: نعم، قال: «فاسمع مني»، قال: أفعل، ثم تلا صلى الله عليه وسلم صدر سورة «فصلت».

فلما أنهى النبي صلى الله عليه وسلم حديثه، ورجع عتبة إلى قومه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.

فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وما هو فيه، واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.

لقد أبهر النبي صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة بفنه الاستماعي، وعندما تحدث معه تحدث بما يناسب حلمه وذكّره بما حدث للأولين، وإن لم يؤمن عتبة برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كسب تحييده، وهو ما عبّر عنه سادة قريش أنه ذهب بوجه وجاء بوجه آخر.

أيضاً، تكشف لنا إحدى الوفادات على النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه وفد عبد القيس فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله، وانتظر أشجّ عبد القيس حتى أتى بعد أن لبس ثوبيه كان قد احتفظ بهما لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه فقال له: «إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة»، قال: يا رسول الله: أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما»، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقتين يحبهما الله ورسوله.

ولو تتبعنا عامة استقباله صلى الله عليه وسلم للوفود سنجد إبهاراً حقيقياً في حسن صمته واستقباله وإدارته للحوار، وتوظيف لغة الجسد؛ صوتاً وصورة وكلمة.

لذلك ينبغي لكل من وصل إلى سدة المسؤولية أن يتمتع بفن الإنصات، وأن يكون أكثر استماعاً للآخرين من التحدث إليهم.

فن الإنصات وإدارة الخصومة

لقد كانت قطيعة الصحابة للصحابي كعب بن مالك في غزوة «تبوك» أشهر واقعة في عصر الرسالة، التي بلغ مداها النفسي على الصحابي أنه قال: وأنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت.

وسط هذه القطيعة والصمت المطبق كان هناك صمت من نوع آخر، وهو الصمت المنهجي المدروس الذي يربّي ولا يورث القطيعة الأبدية بين الطرفين، وهو «صمت النبوة» في هذه الواقعة، ولنترك الصحابي الجليل كعب بن مالك يصف لنا هذا المشهد: «فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني».

إن هذا المشهد يعبر عن صمت المحبة، الذي أثبته صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة وأكده الصحابي كعب بن مالك «فأسارقه النظر»؛ وهو دليل على المحبة وتبادل لغة الأعين بين المحبين، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يشعره برد غير مشبع وحركات جسده الشريفة تقترب منه وتحرك مشاعره بالقرب والبعد معاً، وهذا من تمام أدبه وحسن تربيته.

فالصمت هنا وُظّف لمصلحة سامية وليس بالصمت الجافي والقاسي، الذي يسحق المشاعر ويشتت القلب، ولذلك حينما تاب الله على الصحابي كعب بن مالك ودخل المسجد والجميع يهنئه، وصف حالة النبي صلى الله عليه وسلم: «ووجهه يبرق من السرور»، ليكشف لنا تمام أدبه وحسن معاملته لأصحابه.

الصمت ولغة الجسد

إن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الكلمة، والصوت، والحركة، فالكلمة تأخذ 7% من الأهمية، والصوت يأخذ 38%، والحركة تأخذ 55%، وذلك حسب أحدث الدراسات الإعلامية الأمريكية.

وتؤكد الدراسات أن الأشخاص الذين يتحدثون بحركة جسد ووجه وعيون بارعة غالباً ما يكونون أكثر تأثيراً وإقناعاً.

ولا ننسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تحدث تلوّن صوته، واحمرّ وجهه كأنه منذر حرب، فالعبرة إذاً في حيوية الحركات والأداء.

أما صمته صلى الله عليه وسلم فكان أيضاً تشريعاً وحافظاً لماء الوجه معاً، فحينما كان يسأل عن شيء ويحب ألا يعطيه سكت: «وكان لا يسأل شيئاً إلا أعطاه أو سكت» (صحيح على شرط مسلم).

إن الرد بالمنع قاسٍ وشاق على النفس، فالصمت هو العلاج الناجع لحفظ ماء وجه غير المستحق، وإدامة الألفة بين الطرفين.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة