المسلمون قادمون.. رعب يجتاح المجتمعات الغربية!
في صباح رمادي،
وأثناء احتسائه قهوته التي اعتادها كل صباح في كافيه بشارع إدجوور رود المعروف
بالتجمعات العربية في لندن، جمع نقاش ساخن لكنه لا يفتقد للحميمية بين المدرس
البريطاني توماس ويلكينز وعدد من الشباب من أصول عربية وآسيوية وأوروبية في حي
يشهد تواجداً مكثفاً للجاليات، انطلقت صيحات الجميع بمجرد أن أذاع الراديو أنباء
عملية إرهابية ضد مدنيين كانوا يحتفلون بأحد أعياد اليهود على شاطئ بوندي في سيدني
بأستراليا.
وفيما همّ أحد
الشباب البريطانيين بالتراشق الذي وصل للاشتباك بالأيدي مع شاب آسيوي عكست كلماته
بتمجيد العملية لأنها ضد اليهود «الملعونين»، تفجّر الدم من وجه البريطاني واتهم
كل المسلمين في بلاده بأنهم مشاريع لإرهابيين دمويين.
هنا سعى الشباب
لفض الاشتباك بين الشابين؛ وقال أحد الحضور وقد بدت كلماته أكثر هدوءًا وثقة حين
وصف قتل المدنيين بالعمل الإرهابي الذي لا يخدم المسلمين ولا يمثلهم، ومؤكداً أن
تلك العمليات تشعل نزعة «الإسلاموفوبيا».
على مدار عقود،
اعتاد ويلكنز أن يتمشى في شوارع لندن مدينته التي ارتحل إليها مبكراً، ولكنه لاحظ
أن مظاهر الثقافة الإسلامية تزداد بشكل كبير، وثمة لافتات ترفعها المحال بأن
الطعام «حلال»، إلى جانب انتشار الحجاب بين الشابات المسلمات، وكثير من التجمعات
الجاذبة التي تحتضنها المساجد الكبرى لمسلمين وغير مسلمين، لم يكن ذلك يشكل خطرًا
في رأيه على هوية بلاده التي عرفت هذا الاختلاط والتعددية رغم كونها قلعة الثقافة
الأوروبية الكلاسيكية.
ولطالما التقى ويلكنز
بطلابه المسلمين الأفارقة والآسيويين في الجامعة، حيث يقوم بتدريس الأدب المقارن،
ونشأت بينهم صداقة حقيقية، اجتازت حواجز الكراهية التي تتفنن وسائل الإعلام في
نسجها يوماً بعد يوم.
تنامي الوجود الإسلامي
قرأ ويلكنز في
دورية مؤخرًا استطلاعاً عن مركز «بيو» يشير لتزايد عدد المسلمين في أوروبا
والولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى تمثيل الإسلام رسميًا في المجال العام، ومن ذلك
انتخاب المسلم زهران ممداني عمدة لنيويورك في تحدٍّ صارخ لسياسات الرئيس الأمريكي
دونالد ترمب الفاشية ضد المسلمين والمهاجرين على حد سواء، بل وبدا الأمر أقرب
كثيراً مما تخيله كثيرون حين تولى صادق خان، السياسي البريطاني من حزب العمال
والمنتمي لأصول باكستانية، عمدة لندن لأول مرة عام 2016م، وأعيد انتخابه لمرات
ثلاث نظرًا لنجاحه الكبير في مكافحة الانقسامات الاجتماعية وتحسين جودة الحياة
للمواطنين.
مرر ويلكنز عدة
أسطر حتى جذب انتباهه هذا الرقم الدال في الاستطلاع أنه بحلول عام 2050م، فمن
المتوقع أن يرتفع عدد المسلمين من 4.9% إلى 7.4%، وفي ظل سيناريو هجرة مرتفع، قد
يرتفع العدد إلى 14% مع تزايد الهجرة وارتفاع معدلات المواليد في الأسرة المسلمة.
بعض وسائل
الإعلام الغربية مثل «The
Times» و«The Guardian» ناقشت التوقعات الديموغرافية بحذر، مع نقاشات سياسية حول الهوية
والتعددية وتوقعات تشير إلى أسلمة الغرب، حسب بعض التحليلات أو زيادة النفوذ
الإسلامي.
تذكر الأستاذ
البريطاني ما قرأه في تقرير مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية عام 2024م بأن هناك
وتيرة متزايدة لحوادث الكراهية ضد المسلمين والفلسطينيين في النصف الأول من العام،
صاحب ذلك محاولات تيار اليمين المتصاعد لتضييق الخناق على المنظمات الإسلامية مثل
اتحادات مسلمي فرنسا، والمجلس الإسلامي البريطاني، والجمعية الإسلامي لأمريكا
الشمالية، وروابط الطلاب والنساء في أمريكا وأوروبا، وربطها بجماعات سياسية معينة،
ووصمها بالإرهاب.
خطر أم فرصة تعايش؟
يبدو الأمر أشبه
بمؤامرة حين يطالع ويلكنز عناوين الصحف كل يوم التي تظهر تحيزاً فجاً ضد المسلمين
خاصة مع كل حادثة إرهابية يجري تعميمها وكأنها مرادفة للإسلام ذاته، في المقابل لا
تظهر معظم وسائل الإعلام الغربية ما يحدث في فلسطين من إبادة وتصفية للأبرياء ومحو
مدينة عامرة بسكانها من الوجود في أشهر معدودة حتى وصلنا لأكثر من 70 ألف بريء
طالتهم قنابل ورصاصات «إسرائيل»، وتركت من سواهم أسرى وجرحى ولاجئين في خيم مهترئة
في الصحراء تفتك بهم الأمراض وتقلبات المناخ.
كان الأستاذ
البريطاني يتحرق قلبه ألمًا خلال المظاهرات وهو يشاهد صور الأطفال والنساء
الفلسطينيين، ويبصق على حكومات أوروبا لأنها لا تستطيع وقف هذه المقتلة بل وتدعمها
بالسلاح، مع عبارات سياسية مطاطة تشجب وتدين!
تساءل في نفسه:
هل هذا هو الإرهاب الإسلامي الذي يحذروننا من تفشيه واحتلاله بلادنا، أم أن
الإرهاب صنعة خرجت من عندنا نحن الغرب منذ نشرنا الحملات الاستعمارية التي نهبت
بلاد هؤلاء العرب والمسلمين وقتلتهم، ولا تزال؟!
لقد أخبره أحد
الباحثين معه في مجال الاتصالات الرقمية، كيف أن خوارزميات المنصات الاجتماعية
الكبرى ومنها «فيسبوك»، تعزز الصورة النمطية السلبية عن المسلمين، وتواجه أي
انتقادات لـ«إسرائيل» أو اتهامات لإدارة ترمب واليمين الأوروبي إذا ما تعلق الأمر
بالمسلمين، وقد فحصت دراسة بيرترام فيدجن (2019م) أنماط خطاب الكراهية المعادي
للإسلام في بريطانيا، لتؤكد أن تلك الخوارزميات تدعم اليمين المناهض لما هو إسلامي
مع تعزيز لهجة «معاداة السامية» وربطها بالمسلمين.
يعلم الأستاذ
البريطاني كم ساهمت الهجرة من خارج أوروبا في تعزيز حضور المسلمين والإسلام في
المجتمع الأوروبي، لكنه يعلم أنه عندما يصادف الأوروبيون أشخاصًا بمظهر إسلامي قد
يشعر بعضهم بعدم الارتياح، وقد تأثر تدفق الهجرة الإسلامية غير النظامية إلى
أوروبا بشدة بالربيع العربي؛ فعلى سبيل المثال، غادر أكثر من 5 ملايين سوري سورية،
وعلق ما يقرب من 4 ملايين في تركيا بحثًا عن ملاذ آمن في أوروبا، أما البقية،
فوصلوا إلى أوروبا عبر التهريب أو من خلال شبكات داخلية.
تشير بعض
الإحصاءات عام 2020م إلى أن عدد المسلمين في أوروبا الغربية يبلغ حوالي 20 مليون
نسمة، منهم حوالي 6 ملايين مسلم في فرنسا وحدها، ونحو 5 ملايين في ألمانيا، وما
يزيد على 3 ملايين في بريطانيا، ومليونين في إسبانيا، أما في أمريكا فهناك نحو 4 ملايين
مسلم إلى جانب مليون مسلم في كندا، وفق مركز «بيو» للأبحاث.
لكن مع التخوفات
التي تثيرها النخب المحافظة من التغيرات الديموغرافية تبرز نزعة غير مرحبة بمزيد
من المسلمين؛ خاصة وأنه يُتوقع أن ينخفض عدد المسيحيين في أوروبا بنحو 100 مليون
نسمة بين عامي 2010 و2050م، ويُتوقع أن يرتفع عدد المسلمين من 43 مليوناً إلى 71
مليوناً خلال الفترة نفسها.
لسوء الحظ،
يُنذر المشهد الجديد للتطور الديني باحتمالية أكبر لتفاقم التوترات الاجتماعية،
هذا ما قرأه الأستاذ البريطاني في تحليل حول «الإعلام والإسلاموفوبيا في أوروبا» الصادر
في معهد النشر الرقمي السويسري، وتبرز تلك الظاهرة غير المرحبة بالمسلمين لا سيما
بين الأفراد الذين يشعرون بأن هوياتهم الثقافية والأصلية والدينية مهددة وتواجه
أزمة.
هنا فكّر ويلكنز
في جمع فريقه من الباحثين والطلاب، والذهاب في نشاط تطوعي ضمن مؤسسة جديدة لمكافحة
الكراهية ضد المسلمين في المملكة المتحدة، أصبحوا يتحدثون مع هؤلاء الغاضبين في
المتاجر والشوارع، يحملون لافتات وصورًا تتحدث عن حقيقة التسامح الذي جاءت شريعة
السماء لتحقيقه، دعاهم ويلكنز للكتابة في الصحف غير المتحيزة عن نجاحات المسلمين
في بلادهم، وكيف أسهموا في نهوض البلاد ووسعوا من رقعة التعايش مع الآخر وفهم ما
يدور في النصف الآخر من العالم.
اقرأ
أيضاً:
استطلاع
«إيفوب» ومسلمو فرنسا.. أزمة نتائج أم أزمة تفسير؟
انتصارات
المسلمين الأمريكيين 2025م تعيد تشكيل السياسة
مسلمو ألمانيا
بين مطرقة الكراهية وسندان الاندماج.. هل يتحقق الاعتراف أخيراً؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً