حين يوقظ الخوف من الله بصيرة المنتصر
زيد بن صوحان.. وفقه مراجعة النفس في زمن الفتن
عن غيلان بن
جرير، قال: «ارتثَّ(1) زيد بن صوحان يوم «الجمل»، فدخلوا عليه، فقالوا:
أبشر بالجنة، قال: تقولون قادرين، أو النار فلا تدرون، إنا غزونا القوم في بلادهم،
وقتلنا أميرهم، فليتنا إذ ظُلمنا صبرنا».
في لحظة تختلط
فيها أصوات المعركة بأنين الجراح، وتقترب فيها النفس البشرية من نهاية الرحلة،
يظهر معدن الإنسان الحقيقي؛ فبعض الناس يطلب عند الموت عبارات تطمئنه، وبعضهم يطلب
الحقيقة ولو كانت مؤلمة، وموقف زيد بن صوحان يفتح نافذة واسعة على معنى المحاسبة،
وخطورة الفتن، وضرورة أن يبقى ميزان الشرع فوق ضغط الجماعة وحماسة اللحظة.
والقراءة هنا
ليست إصدار حكم على جميع تفاصيل أحداث الفتنة التاريخية، بل محاولة لفهم القيمة
التربوية والإنسانية التي يحملها هذا الموقف؛ كيف يمكن للإنسان أن يقف أمام نفسه
حين تنكشف له العواقب؟ وكيف يكون الورع أحيانًا أقوى من الحماسة، وأعمق من
الشعارات؟
لماذا لا تكفي النية الصادقة لسلامة النتائج؟
كانت وقعة «الجمل»
سنة 36 هـ من الأحداث الكبرى التي واجهت الأمة الإسلامية في صدر تاريخها، وقد دخلت
فيها شخصيات عظيمة في سياق معقد من الاجتهادات والظروف السياسية، وفي مثل هذه
البيئات لا تكفي سلامة المقصد وحدها؛ لأن الأعمال تُقاس كذلك بآثارها ومآلاتها.
كان زيد بن صوحان من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعُرف بالعبادة والشجاعة، وحين أصيب
في المعركة وحُمل إليها مثخنًا بالجراح، لم يكن أكثر ما يشغله صورة البطولة التي
قد يراها الناس فيه، بل كان السؤال الأكبر: هل كان الطريق الذي سلكه هو الطريق
الذي يرضي الله؟
لقد كان هذا
الجيل الفريد يخاف من الوقوع في الخطأ خوفاً كبيراً، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أراد قتل ابن صياد لاعتقاده بنيّة خالصة أنه الدجال، فاستأذن النبي
صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن سلامة القصد
لا تكفي إذا كانت المآلات والنتائج غير مجدية، فقال له: «إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا
تُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ»(2).
وهذا علي بن أبي
طالب رضي الله عنه يوم «الجمل»، حين رأى طلحة بن عبيد الله صريعاً، فنزل عن دابته
ومسح الغبار عن وجهه ولحيته وهو يترحم عليه، واستشعر ثقل النتائج والمآلات قائلاً:
«ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(3).
لماذا رفض زيد بن صوحان بشارة أصحابه؟ قراءة في فقه الخوف من الله
قولهم له: «أبشر
بالجنة» كان تعبيرًا عن محبتهم وثقتهم بموقفه، لكنه واجه ذلك بقوله: «تقولون
قادرين، أو النار فلا تدرون»، وهذه العبارة تكشف منزلة عالية من الورع؛ فالعبد
مهما بلغت تضحياته لا يملك أن يحكم لنفسه بمقام عند الله.
وهذا المعنى
تؤكده قاعدة قرآنية عظيمة: (فَلَا
تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، فالتقوى
ليست ادعاءً، ولا تُقاس بمجرد الانتماء إلى صف معين، بل يعلم حقيقتها الله سبحانه.
لقد كان زيد
يرفض أن تتحول التضحية إلى ضمانة، أو أن يتحول الألم إلى مبرر يعفي الإنسان من
مراجعة نفسه، وهذه من أعمق صور الوعي الإيماني؛ لأن أخطر ما يصيب الإنسان أن يظن
أن صدق الشعور يغنيه عن صحة الطريق.
ولهذا كان سيدنا
عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ما يقال في حقه من شهادات أصحابه بالعدل والفضل
يقول: «وَدَدْتُ أَنِّي أَنْجُو مِنْ ذَلِكَ كَفَافًا لا لِي وَلا عَلَيَّ»(4).
كما يتجلى هذا
المعنى في قصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين دخل عليها عبدالله بن عباس
يثني عليها ويمدحها ويبشرها بمكانتها، فرفضت هذه البشارة من شدة خوفها وورعها
قائلة: «دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً»(5).
ويتطابق هذا
المفهوم مع حال علي بن الحسين (زين العابدين) الذي كان إذا قام إلى الصلاة أخذته
رعدة شديدة خوفاً وورعاً، ولما سُئل عن ذلك أجاب مستشعراً عظمة الموقف: ما تدرون
بين يدي من أقوم ومن أناجي؟(6).
شجاعة الرجوع للحق حين تتضح عواقب القرارات
كثير من الناس
يظنون أن الاعتراف بالمراجعة ضعف، لكن موقف زيد يقدم صورة مختلفة؛ فالإنسان القوي
ليس من يتمسك بموقفه مهما كانت النتائج، وإنما من يملك شجاعة النظر في المآلات.
وقوله: «إنا
غزونا القوم في بلادهم، وقتلنا أميرهم» يحمل تأملًا في طبيعة الصراع الداخلي؛
فالصدام بين المسلمين ليس كغيره من المواجهات، لأن خسائره لا تقف عند حدود
الميدان، بل تمتد إلى وحدة المجتمع وثقة الناس واستقرار الأمة.
وهذا الزبير بن
العوام رضي الله عنه يعبر عن عمق شجاعة التراجع عن الاستمرار في طريق الفتنة
والقتال، فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: انصرف الزبير يوم «الجمل» عن عليّ فلقيه
ابنه عبدالله، فقال: جبنا جبنا، قال: يا بني، قد علم الناس أني لست بجبان ولكن
ذكرني عليّ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت ألا أقاتله، فقال:
دونك غلامك فلاناً فقد أعطيت به عشرين ألفاً كفارة عن يمينك، قال: فولى الزبير وهو
يقول منشداً:
تَرْكُ
الْأُمُورِ الَّتِي أَخْشَى عَواقِبَها في الله أَحْسَنُ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ(7)
ومن هنا يظهر
درس قيادي مهم؛ أن القرارات الكبرى لا تُبنى على الحماس وحده، بل تحتاج إلى تقدير
دقيق للمصالح والمفاسد، ففي عالم الإدارة والعمل والمجتمع اليوم قد يدخل الإنسان
معركة يظن أنها دفاع عن حق، ثم يكتشف أن طريقة التعامل معها أنتجت أضرارًا أكبر من
المشكلة الأصلية.
كيف تقاوم ضغط الجماعة للثبات على الحق؟
من أخطر ما
تكشفه الفتن أنها تصنع بيئات يصبح فيها السؤال: مع من أنت؟ أقوى من السؤال: ما
الصواب؟
لقد واجه زيد بن صوحان في
آخر لحظاته ثقافة جماعية كانت ترى الموقف من زاوية واحدة، لكنه أعاد فتح باب
السؤال الأخلاقي، لم يسمح لمحبته في نفوس أصحابه أن تمنعه من محاسبة نفسه.
وهذه قيمة
يحتاجها الإنسان في كل عصر؛ في الأسرة، وفي بيئة العمل، وفي الإعلام، وفي النقاشات
العامة، فالجماعة قد تمنح الإنسان قوة، لكنها قد تمنحه كذلك شعورًا زائفًا باليقين،
ولذلك كان من علامات النضج أن يستطيع المرء أن يقول: قد أكون مخطئًا، حتى لو كان
حولي من يؤكد لي أنني مصيب، وقد أكون مصيباً حتى لو كان حولي من يؤكد لي أنني
مخطئ.
ويتجسد هذا
المبدأ بوضوح في قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، حيث قاوم ضغط المجتمع
بأسره، فبمجرد أن استقر الإيمان في قلبه، لم يكترث لضغط المجتمع المكي المعادي،
وأبى إلا أن يجهر بصوت ضميره ويقينه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ
حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»(8)، وقاوم ضغط
الجماعة رغم أنهم قاموا إليه فضربوه حتى أضجعوه، وعاد في اليوم التالي وكرر نفس
الموقف البطولي مقدماً صوت الحق على سطوة الجماعة المشركة.
كما يظهر ذلك
أيضاً في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فور إسلامه، حيث قاوم ثقافة القطيع ورفض
إخفاء دينه مسايرة للمجتمع المكي، وقال: يا رسول الله، علامَ نخفي ديننا، ونحن على
الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل؟!(9)، وخرج يتحدى ضغط قريش بأسرها،
واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فجهر بالإيمان غير هائب ولا خائف.
ومن صور مقاومة
ضغط الجماعة الثبات العظيم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أجمع رأيه على قتال
المرتدين ومانعي الزكاة، بينما أبى سائر الصحابة ذلك في البداية واحتجوا عليه،
فقاوم ضغط الجماعة بأسرها وتمسك بصوت الحق واليقين قائلاً: «الزكاة حق المال،
والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة»(10).
متى يصبح الصبر أوجب من مواجهة الظلم؟
الجملة الأخيرة
في كلام زيد بن صوحان: «فليتنا إذ ظلمنا صبرنا» ليست مجرد ندم شخصي، بل تحمل معنى إنسانيًا
عميقًا حول طبيعة الصراعات.
فالصبر في
التصور الإسلامي ليس استسلامًا للعجز، وإنما قد يكون اختيارًا واعيًا عندما تكون
كلفة المواجهة أعظم من كلفة الاحتمال، قال الله تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ) (الشورى: 43).
وهنا تظهر
البلاغة في اختيار الكلمات؛ فلم يقل: «ليتنا لم نفعل شيئًا»، بل قال: «ليتنا إذ
ظلمنا صبرنا»؛ يعيد تقييم لحظة كان يرى فيها أن الفعل هو الطريق، ثم ظهر له أن
احتمال الظلم كان ربما أقل ضررًا من فتح باب الصدام.
ومن المواقف
التي التزم أصحابها بالصبر والحكمة والتروّي ما حدث من سهيل بن عمرو رضي الله عنه
حين مات النبي صلى الله عليه وسلم واضطربت مكة وكادت أن تقع الفتنة وتُسفك الدماء،
حتى إن أمير مكة عتَّاب بن أسيد اختفى وخاف على نفسه، فقام سهيل وتدارك المأساة
مفضلاً الصبر والحكمة على الصدام، فخطب في الناس خطبة بليغة ثبت الله بها قلوبهم
وأخمدت نار الفتنة(11).
كيف رسخ السلف الصالح ثقافة المراجعة وتقبل النصيحة؟
إن أعظم ما يمكن
أن يتعلمه الإنسان من هذا الموقف ليس مجرد قصة تاريخية، وإنما منهج في التعامل مع
القرارات.
- في التربية،
يحتاج الأب والمربي أن يعلم أبناءه أن الاعتذار عن الخطأ ليس سقوطًا، بل علامة عقل
ونضج.
- وفي الدعوة،
يحتاج الداعية إلى أن يوازن بين الحماسة والحكمة، وبين وضوح الغاية وسلامة
الوسيلة.
- وفي العمل،
يحتاج القائد إلى مستشارين لا يكتفون بتأكيد قراراته، بل يملكون شجاعة التنبيه إلى
المخاطر.
- وفي المجتمع،
تحتاج الجماعات إلى ثقافة تمنع تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى صراع لا
ينتهي.
فالبصيرة ليست
أن يرى الإنسان ما يؤيد موقفه فقط، بل أن يملك القدرة على رؤية ما قد يخفى عليه.
ولهذا استجاب
عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمراجعة القاسية من خولة بنت ثعلبة حين أوقفته في
الطريق وأغلظت له في القول والموعظة، فتقبل منها وحبس الناس لأجلها، ولما لامه
الجارود على ذلك رده عمر بقوة قائلاً: «دعها»، مؤسساً بذلك ثقافة مجتمعية وقيادية
تتقبل النصح والمراجعة ولا تضيق بها(12).
وكان ميمون بن مهران رحمه الله يطلب من أخيه أن يواجهه بعيوبه لتكون المراجعة الصادقة منهجاً حقيقياً في حياته، حيث قال: «يا جعفر، قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره»(13)، بل إنه اتخذ قاعدة لمحاسبة نفسه قائلاً: «لا يكون الرجل تقياً حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين مَلْبَسُهُ وَمَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُه»(14).
الهوامش
- 1 المرتث: الصريع الذي يُثْخَنُ في الحرب ويحمل حيًّا ثم يموت، انظر: لسان العرب (2/ 151).
- 2 صحيح البخاري (6173).
- 3 تاريخ الطبري (4/ 537).
- 4 أنساب الأشراف: البلاذري (10/ 431).
- 5 الطبقات الكبرى: ابن سعد (8/ 75).
- 6 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 354).
- 7 حلية الأولياء: الأصفهاني (1/ 91).
- 8 متفق عليه، رواه البخاري (3861)، ومسلم، (2474).
- 9 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 78).
- 10 سير أعلام النبلاء: الذهبي (2/ 378).
- 11 شذرات الذهب: ابن العماد الحنبلي (1/ 158).
- 12 حياة الصحابة: الكاندهلوي (3/ 168).
- 13 تاريخ دمشق: ابن عساكر (61/ 365).
- 14 سير أعلام النبلاء: الذهبي (5/ 74).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً