وجوه إعجاز القرآن الكريم
لا يسع أي باحث
في كتاب الله تعالى أن يحيط بوجوه إعجاز القرآن الكريم كلها، ولا بأكثرها، ولا
يسعى أحدهم إلى ذلك، لعلمه أنه لا يحيط بكلام الله إلّا الله، ولكن ما لا يدرك كله
لا يُتْرَك جله.
من هنا نقَّب
الباحثون كلٌّ على قدر طاقته وعلمه على هذه الوجوه في بيانه وتشريعه وعلومه
ومعارفه، فحصَّلُوا من هذه الوجوه قدرًا كافيًا.
وذكر كل مجتهد
ما رآه أولى بالذكر من غيره.
وسنحاول تلخيص
أهم هذه الوجوه، ونبيِّن ما نراه راجحًا على غيره، مستأنسين في ذلك بأقوال من
سبقنا، بعد شيء من التدبر والتأمل في الوجوه مجتمعة.
الوجه الأول من وجوه إعجاز القرآن: لغته وأسلوبه
فقد بهر بلغته
السهلة الجزلة، الخالية تمامًا من التنافر والتعقيد أساطين البلاغة والبيان، وملك
بأسلوبه في تأدية المعاني عقول الحكماء ودعاة الخير والإصلاح، فأيقنوا بأنه وحي
منزَّل يستحيل أن يتقوَّلَه أحد، لما رأوه فيه من جمال التعبير ودقة التصوير وروعة
البيان.
فقد اشتمل على
خصائص لغوية في تأدية المعاني لم تتوفَّر لكلام سواه، واتصف مَنْطِقُه بسمات
بلاغية كأنَّ العرب لم يقعوا عليها في غير هذا القرآن، مع أنه نزل بلغتهم، وهذا
منتهى التحدي، وقمة الإعجاز.
"وها قد
مرَّت على اللغة العربية من عهد نزول القرآن إلى عصرنا هذا أدوار مختلفة، بين
علوٍّ ونزول واتساع وانقباض، وحركة وجمود، وحضارة بداوة، والقرآن في كل هذه
الأدوار واقف في عليائه، يطل على الجميع من سمائه، وهو يشعُّ نورًا وهداية، ويفيض
عذوبة وجلالة، ويسيل رقة وجزالة، ويرف جدة وطلاوة، ولا يزال كما كان غضًّا طريًّا
يحمل راية الإعجاز، ويتحدى أمم العالم في يقين وثقة، قائلًا في صراحة الحق وقوته،
وسلطان الإعجاز وصولته: (قُلْ
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا
الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
(الإسراء: 88).
الوجه الثاني: طريقة تأليفه
وبيان ذلك أنه
قد رُتِّبَتْ آياته وسوره ترتيبًا غاية في الائتلاف والتناسق، مع أنه نزل منجَّمًا
في نحو ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع والحوادث، ومقتضيات الأحوال.
حتى إنَّ الناظر
فيه دون أن يعلم بتنجيم نزوله لا يخطر على باله أنه نزل منجَّمًا، وحتى إنك مهما
أمعنت النظر وبحثت لا تستطيع أن تجد فرقًا بين السور التي نزلت جملة، والسور التي
نزلت منجَّمَة؛ من حيث إحكام الربط في كلٍّ منهما، ومن حيث نظام المبنى ودقة
المعنى، وتمام الوحدة الفنية.
الوجه الثالث: بلاغته
ونعني ببلاغته:
ما اشتمل عليه أسلوبه من أنواع المعاني والبيان والبديع، مما يُحْدِثُ في النفس من
التأثير الذي لا يحدثه غيره من الكلام.
قال الزركشي في
البرهان: قال الخطابي في كتابه -يعني "بيان إعجاز القرآن"-: "إن
وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر، لكن لمَّا
صَعُبَ عليهم تفصيلها صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس، قال: والتحقيق أن
أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجة البيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة
متباينة غير متساوية، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل،
ومنها الجائز الطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود، دون النوع الهجين
المذموم الذي لا يوجَد في القرآن شيء منه البتة.
فالقسم الأول
أعلاه، والثاني أوسطه، والثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من
هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، انتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من
الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتها كالمتضادين؛ لأن
العذوبة نتاج السهولة، والجزالة، والمتانة في الكلام يعالجان نوعًا من الوعورة،
فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبوّ كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن،
يسرها الله بلطيف قدرته، ليكون آية بينة لنبيه، ودلالة على صحة ما دعا إليه من أمر
دينه" ا. هـ.
الوجه الرابع: تأثيره في القلوب
فهو يقتحم
بمبانيه ومعانيه أعماق القلوب، قبل أن يتجاوز الآذان ويغوص في بواطن النفوس وخلجات
المشاعر، حتى يهيمن بسلطانه على ملكات العقل والحسِّ، فينشر فيها السرور بجميل
وعده، ويشيع فيها الحزن والخوف بشدة وعيده، ويجمع بين هذا وذاك في آنٍ واحد من
خلال أسلوب ترغيبه وترهيبه؛ فتنقلب القلوب بين الخوف من عذابه، والطمع في رحمته.
وتتجلجل الجوارح
في خشية الله بين التصدُّع والطمأنينة، وفي هذا وذاك يكون الدواء، والشفاء من
أمراض القلوب، وعللها، فتسلم بتلاوته وسماعه من كل ما يعكِّر صفوها، ويكدِّر
جلوتها، ويطمس شيئًا من نورها.
قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ
عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر:
21)، وقال تعالى: (اللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر: 23)، وقال جل في علاه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا
هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء: 82).
الوجه الخامس: علومه ومعارفه
وبيان ذلك الوجه
أن هذا القرآن قد نزل من عند الله -عز وجل- على نبيٍّ أميِّ، لم يقرأ ولم يكتب ولم
يجلس إلى معلم، فألفيناه كتابًا جامعًا لأخبار الأولين والآخرين، حافلًا بالإشارات
الدالة على ما في الكون من آيات وعِبَر، ومعلومات كانت مستترة عن سائر البشر، ومغيبات
ما كان لأحد أن يعرفها إلّا عن طريق هذا الكتاب المبين.
ووجدنا فيه جميع
أسباب الهداية، ووسائلها الحكيمة، وعرفنا منه ما يكون فيه صلاح الناس جميعًا في
دنياهم وآخرتهم؛ فقد اشتمل هذا الكتاب العزيز على كثير من العلوم والمعارف
الكونية، والإنسانية، والمشتملة على أصول الإصلاح العقدي، والنفسي، والخلقي،
والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والفكري، فكان بذلك كتاب هداية، ومنهج حياة.
"تقرؤه
فإذا بحر العلوم والمعارف متلاطِمٌ زاخر، وإذا روح الإصلاح فيه قويٌّ قاهر، ثم إذا
هو يجمع الكمال من أطرافه، فبينما تراه يُصْلِحُ ما أفسده الفلاسفة بفلسفتهم، إذ
تراه يعدم ما ترَدَّى فيه الوثنيون بشركهم، وبينما تراه يصحح ما حرَّفه أهل
الأديان في دياناتهم، إذ تراه يقدِّم للإنسانية مزيجًا صالحًا من عقيدة راشدة ترفع
همة العبد، وعبادة قومية تطهِّر نفس الإنسان، وأخلاق عالية تؤهل المرء لأن يكون
خليفة الله في الأرض، وأحكام شخصية ومدنية واجتماعية تكفل حماية المجتمع من الفوضى
والفساد، وتضمن له حياة الطمأنينة والنظام والسلام والسعادة.. دينًا قيمًا يساوق
الفطرة ويوائم الطبيعة، ويشبع حاجات القلب والعقل، ويوفِّق بين مطالب الروح
والجسد، ويؤلف بين مصالح الدين والدنيا، ويجمع بين عزِّ الآخرة والأولى، كل ذلك في
قصد واعتدال، وببراهين واضحة مقنعة تبهر العقل، وتملك اللب، والكلام على هذه
التفاصيل يستنفد مجلدًا بل مجلدات" أ. هـ (انظر: مناهل العرفان: ج2، ص238، 239).
الوجه السادس: إنه شيء لا يمكن التعبير عنه
وهو اختيار
السكاكي حيث قال في "المفتاح": واعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يُدرَك ولا
يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، وكما يدرك طيب النَّغم
العارض لهذا الصوت، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة، إلّا بإتقان
علمَيْ المعاني والبيان والتمرُّن فيهما".
وقال أبو حيان
التوحيدي في "البصائر": لم أسمع كلامًا ألصق بالقلب، وأعلق بالنفس من
فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي -وكان بحرًا في العلم، وقد سُئِلَ عن موضع
الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولك: ما
موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان، بل متى أشرت إلى جملته
فقد حققته، ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلّا وكان ذلك
المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدًى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة
بأغراض الله في كلامه، وأسراره في كتابه، فلذلك حارت العقول، وتاهت البصائر
عنده".
الوجه السابع: أنه معجِز لأنه معجِز
وبيان ذلك كما
ذكر الرافعي: "إنه معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه، فهو
أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغًا، وليس إلى ذلك مأتى ولا جهة، وإنما هو
أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة، وهيئة الوضع، وينفرد عنها
بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغًا من ذوب تلك المواد كلها.
وما نظنه إلّا
الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله.
فالقرآن معجِزٌ في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامَّة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي باقية ما بقيت" أ. هـ.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً