أفق النظم البلاغي.. أصالة المفهوم وإعجاز النموذج القرآني

أفق النظم البلاغي.. أصالة المفهوم وإعجاز النموذج القرآني

قضيّة النظم من القضايا الأصيلة في البلاغة العربيّة، وقد ارتبطت –في جوهرها– بالكلام عن إعجاز كتاب الله عز وجلّ، واعتبار القرآن الكريم نظمًا فريدًا متميزًا لا مثيل له، ولا يقدر مخلوق على الإتيان بمثله.

ولعل التعريف الأوفى والأشمل للنظم هو تعريف واضع هذه النظرية، العالم اللغوي والإمام البلاغيّ عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، وذلك في كتابه الفذّ "دلائل الإعجاز"؛ إذ يقول: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نُهِجَت، فلا تزيغُ عنها، وتحفظ الرسوم التي رُسِمَتْ لك، فلا تخل بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه».

مقتضيات نظرية النظم

ويقتضي هذا التعريفُ أن يكون الناظمُ على بصيرةٍ بالتراكيب النحويّة؛ فيضعُ كلَّ كلمة في موضعها المناسب لما يريد تبليغه من المعاني؛ من حيث: الفاعلية والمفعولية والحالية والظرفيّة... إلخ؛ فلا يضع المرفوع في موضع المنصوب –مثلاً– ولا يعيد الضمير على متأخر عنه، أو يقدم الكلام ويؤخره عبثًا كيفما اتفق؛ فهو ما لم يراعِ قواعد النظم السليم يُخل بما عهده الناس من تراكيب الكلام المفهوم، ويتجرد من الفصاحة والبلاغة، فضلاً عن كون كلامه –إذ ذاك– كلامًا غامضًا مجهولاً غيرَ مبينٍ؛ لأنه بكل بساطة: «كلام فاسد النظم».

تعدد أساليب النظم واختلافها تبعًا للمعنى

وأما أسلوب الناظم فهو يتحدد من خلال قدرته على النظر والتفكير، ثم الانتقاء والاختيار من بين الوجوه المتعددة الكثيرة المتاحة التي يقبلها النحو في عمومها، ويجيز كلًّا منها، وانظر إلى هذه الجمل التي أسوقها لك على سبيل المثال:

  • الشعر ديوان العرب.
  • ديوان العرب هو الشعر.
  • الشعر للعرب ديوان.
  • للعرب ديوان هو الشعر.
  • شعر العرب ديوان لهم.

وكل هذه الجمل التي ذكرناها صحيحة النظم، وهي في مجموعها تعبر عن قضية واحدة ومعنى واحد؛ ولا تكاد ألفاظها تختلف ما بين جملة وأخرى، لكنَّ اختلاف الوجوه النحوية التي نُظِمت فيها الكلمات تؤدي إلى اختلاف إيحاءات المعنى وظلاله، ومدى تأثيره في متلقيه سامعًا أو قارئًا. ويتحدد أسلوب الناظم تبعًا لاختياره من بين وجوه الكلام، والغالب أنه لا يلزم أسلوبًا بعينه على الدوام؛ وإنما ينتقي ما يوافق الحال والمقام من الوجوه النحويّة السليمة.

نموذج قرآني لاستقامة النظم وبلاغته

وسوف نسوق للقارئ مثالاً يبين له استقامة النظم وبلاغته في كتاب الله -عزّ وجل-، وليكن قول الله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62).

ومعنى الآية الكريمة أن الله عز وجلَّ يلوم الناس على جحودهم لفضله، فيقول لهم: من الذي يستجيب لدعاء المحتاج الذي أجهدته الحاجة إلى ما هو متعسر مقطوع عنه، ويكشف عنه السوء الذي أصابه، ويجعل منه ومن ذريته خلفاء يعمّرون الأرض، أيكون مع ذلك الكريم المـُجيب الجوّاد إله؟ بل إنكم قليلاً ما تذكرون نعمة الله عليكم.

تحليل لاستقامة النظم في كل جملة على حدة

وفي هذه الآية الكريمة المباركة نُظِمَت خمس جمل على نسق ونظام بعينه، وسوف نتناول استقامة النظم أولاً في كلِّ جملة على حدة، ثم في نظم الجمل مجتمعةً، وقد اكتفينا في هذا الصدد بأوجه محدودة ننبه من خلالها القارئ لمزيّة النظم القرآني، وذلك لأن استقصاء جماليات النظم القرآني مما يحتاج إلى توسّع غير متاح في نطاق هذه القراءة المحدودة.

1- (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ): يصح للناظم البشريّ أن يقول تعبيرًا عن هذا المعنى، في غير السياق القرآني المبارك: «أمَّن إذا دعاه المضطر أجابه»، على أن النظم القرآن الجليل قدَّم عبارة: «يجيب المضطر» على الفعل الذي يدل على طلب الإجابة: «دعا»، وفي ذلك أدلّ دليل على سرعة الإجابة، وعلى أن الله عز وجل يعلم بما سيكون قبل أن يكون.

2- (وَيَكْشِفُ السُّوءَ): يصح للناظم البشريّ أن يقول تعبيرًا عن هذا المعنى، في غير السياق القرآني المبارك: «ويكشف السوء عنه»، لكن النظم القرآني الجليل لم يخص الداعي وحْدَه بكشف السوء، فالله عز وجل لا يحدد في هذه الآية الكريمة داعيًا بذته، وإنما غاية النظم القرآني بيان فضل الله الذي يعم البشرية جميعًا، وأن كشفه عز وجل للسوء عام، وقد يكشف الله السوء عن الغافل عن دعوته بفضل منه وامتنان، وبكرمه وعطائه الذي يطول البرّ والفاجر، والمحسنَ والمسيءَ، والأحرى ألا تكون «أل» التعريفيّة التي لحقت بكلمتي: «المضطر» و«السوء» عهديةً، فهي لا تخص سوءًا بذاته دون سواه، واقعًا على «مضطر» بذاته دون سواه؛ وإنما هي جنسية، تدل على السوء كافةً مما يقع على البشر كافةً.

3- (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ): يصح للناظم البشريّ أن يقول تعبيرًا عن هذا المعنى، في غير السياق القرآني المبارك: «ويجعلكم خلفاء في الأرض»، لكن النظم القرآني الجليل أضاف كلمة: «خلفاء» لكلمة: «الأرض»، على تقدير انفرادهم بهذه الخلافة بإنعام الله عليهم، واستحواذهم عليها دون منازع لهم، خلافًا لعبارة: «خلفاء في الأرض» التي تجيز الشراكة والتعدد.

4- (أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ): يصح للناظم البشريّ أن يقول تعبيرًا عن هذا المعنى، في غير السياق القرآني المبارك: «أمع الله إله؟»، لكن النظم القرآني الجليل قدّم كلمة: «إله»، وجعلها في صدارة الجملة؛ لتدل على تهويل الادعاء الكاذب، وتعجيل استنكار الشرك بالله مع جلاء ربوبيته.

5- (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ): يصح للناظم البشريّ أن يقول تعبيرًا عن هذا المعنى، في غير السياق القرآني المبارك: «قلَّما تذكرونه»، لكن النظم القرآني الجيل استخدام الصفة المشبهة: «قليل» في صدر الجملة؛ ليدل على ثبوت معناها ودوامه، بينما تدل الصيغة الفعليّة على التحول، وإنما أراد النظم القرآني أنْ يبين ثباتَ قلة الشكر من الإنسان.

وقد حُذِف المفعول به في النظم القرآني بعد الفعل «تذكّرون»، دون تحديد لما يتم تذكّره، فهو يدل على ما لا يعد ولا يحصى من نعم الله عز وجلّ، خلافًا لما تدل عليه الهاء التي جاءت في موضع المفعولية في غير النص القرآني «تذكرونه» من تخصيص لنعمة واحدة بذاتها.

استقامة النظم في الجمل مجتمعة

وقد استقام نظم الجُمل في هذه الآية الكريمة المباركة في تواليها المتدرّج تبعًا لسياق دلاليّ مُحكم؛ فقد بدأت الآية بجملة فيها استفهام للتقريع واللوم للجاحدين، وبيان أن الله عز وجل وحده هو الذي يجيب صاحب الحاجة العصيّة، بعدما انقطعت به السبل، واستيأس من النجاة.

ثم ثنّت الآية بأن الله يكشف السوء، وكَشْفُ السوء نتيجة حتمية لإجابة دعاء المضطر، وكشف السوء أعم وأوفى، فهو يتضمن -بطبيعة الحال- كشف الضر الذي كان سبب الدعاء وزيادة.

ثم تتوالى نعماء الله بزيادة وزيادة، فقد زال الضرّ، وانكشف السوء، وتبدلت الحال من بلاء الاستغراق في المأزق، إلى التمتّع بنعمة خلافة الأرض، وفي هذا بيان لفضل الدعاء والتوسّل إلى الله، فالله عزَّ وجل -بفضله وكرمه- يصرف الكرب، ثم يمنح العطيّة.

وإذا كانت نعماء الله تغمر عباده الذين يلجؤون إليه بفطرتهم الإيمانيّة، فتنصرف فطرتهم عن غيره إذا أصابها الضرُّ، وتتعلق آمالهم به -وحده دون سواه- في يقين تام بأنه لا ملجأ إلا إليه؛ فكيف تعود إلى غفلتها ولا تتنبه إلى ألوهيته التي تستيقنها نفوسهم؟ ومن ثمَّ يكون هذا الاستفهام التوبيخيّ الذي يُطْرَح بعد تمام اليقين: أإله مع الله؟

ومحصّلة هذا كله ونتيجته الخاتمة أن الإنسان بفطرته موقن بوجود الله وألوهيته وإن أبدى لسانه جحودًا؛ لكن الناس قليلاً ما يتذكرون، وإنما تُجلى أعماق ضمائرهم عن تلك الحقيقة الإيمانيّة الساطعة إذا مسّتهم الضراء، فإذا صرف الله –عز وجل وتبارك– عنهم السوء، وغمرتهم نعماؤه؛ نسوا ما كانوا فيه من كرب، وغفلوا عمَّا أصابهم من لطف الله وكرمه، وعادوا إلى جحودهم؛ لأنهم: قليلاً ما يذَّكرون.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة