من إسطنبول إلى لاهاي: مذكرات اعتقال مرتكبي الإبادة الجماعية في غزة تحاصر الكيان الصهيوني

جمال خطاب

11 نوفمبر 2025

598

من إسطنبول إلى لاهاي: مذكرات اعتقال مرتكبي الإبادة الجماعية في غزة تحاصر الكيان الصهيوني

في تحدٍّ للعربدة الصهيونية، وفي تصعيد قانوني ودبلوماسي غير مسبوق، أصدرت تركيا مذكرات توقيف بحق بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الصهيوني، و36 مسؤولًا صهيونياً آخرين، بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت خلال الحرب المستمرة على غزة.

وقد جاء الإعلان عن هذه الإجراءات من مكتب المدعي العام في إسطنبول، في7 نوفمبر الجاري، ويُعتبر نقطة تحول في ردود الفعل الدولية على العدوان الصهيوني البربري الهمجي الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، أغلبهم من النساء والأطفال منذ أكتوبر 2023م.

زلزال قانوني

استندت مذكرات التوقيف الموجهة ضد مجرمي الحرب الصهاينة نتنياهو ورفاقه، إلى المادة (13) من القانون الجنائي التركي، التي تتيح محاكمة الأجانب على جرائم ارتُكبت خارج الأراضي التركية، وقد شملت القائمة كلاً من وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير، ورئيس أركان جيش الدفاع الفريق إيال زامير.

وذكر بيان المدعي العام أن الاتهامات تستند إلى سلسلة من الجرائم الموثقة، أبرزها قصف مستشفى المعمداني في 17 أكتوبر 2023م الذي أسفر عن مقتل أكثر من 500 مدني، وتدمير البنية التحتية الطبية، في 29 فبراير 2024م، بالإضافة إلى قصف مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني في مارس 2025م.

وتأتي هذه الخطوة بعد انضمام تركيا العام الماضي إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد «إسرائيل» أمام محكمة العدل الدولية؛ ما يعزز موقف أنقرة كأحد أبرز المعارضين للعدوان الصهيوني على غزة.

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرات مشابهة بحق نتنياهو، وجالانت، وقامت مؤسسات حقوقية وأكاديمية دولية، منها منظمة العفو الدولية بوصف ما وقع في غزة كإبادة جماعية، مشيرة إلى حجم الدمار وعدد الضحايا الذي تجاوز 68 ألف شهيد.

ومع استمرار العدوان وتعثر إعادة الإعمار، تزداد عزلة الكيان قانونيًا ودبلوماسيًا، وتبرز تركيا كلاعب محوري في معركة المحاسبة الدولية، وبين إسطنبول ولاهاي، تتشكل جبهة قانونية تُحاصر رموز الاحتلال، وتفتح بابًا جديدًا أمام مساءلة طال انتظارها.

رد فعل صهيوني غاضب

كما كان متوقعاً، ردّت الحكومة الصهيونية بغضب شديد، ووصفت المذكرات بأنها مسرحية دعائية يقف وراءها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وكتب وزير الخارجية جدعون ساعر على منصة «إكس»: نرفض بازدراء هذه المسرحية الجديدة من الطاغية أردوغان، بحسب وصفه، متهمًا القضاء التركي بأنه مسيّس.

من ناحيته، اعتبر وزير الخارجية السابق أفيجدور ليبرمان، أن هذه الخطوة تؤكد ضرورة استبعاد تركيا من أي جهود دولية لإعادة إعمار غزة، قائلاً: إن تركيا قريبة جدًا من «حماس».

«حماس»: إجراء جدير بالثناء

وقد رحبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بهذه الخطوة، ووصفتها بأنها إجراء جدير بالثناء يعكس التزام الشعب التركي بالعدالة وتضامنه مع المظلومين، مشيدة بقيادة أردوغان والقضاء التركي على موقفهم المناهض للجرائم الصهيونية.

ويأتي هذا الإعلان في ظل هدنة هشة تم التوصل إليها بوساطة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في 10 أكتوبر الماضي، إلا أن الغارات الجوية الصهيونية على غزة وهجمات المستوطنين على الضفة لم تتوقف، وسُجلت مؤخرًا أرقام قياسية في الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية.

من يحمي مجرم الحرب نتنياهو ورفاقه؟

يذكر أن مذكرات التوقيف التركية تُضاف إلى سلسلة من الإجراءات القانونية الدولية ضد «إسرائيل»، فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قبل عام مذكرات توقيف بحق نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب، وبموجب نظام روما الأساسي، فإن الدول الأعضاء في المحكمة ملزمة باعتقال المتهمين إذا دخلوا أراضيها.

لكن هل يتم التنفيذ أم لا يزال بعيد المنال بسبب السطوة الصهيونية والحماية الأوروأمريكية للكيان الصهيوني؟ فقد قام رئيس وزراء الكيان بزيارة المجر، وهي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، في أبريل 2025م، إلا أن بودابست لم ترفض فقط تنفيذ المذكرة، بل أعلنت نيتها الانسحاب من المحكمة، كما شارك نتنياهو في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مستخدمًا مسارات طيران مدروسة لتجنب الدول التي قد تعتقله.

أما الولايات المتحدة، التي ليست طرفًا في نظام روما، فقد وصفت إجراءات المحكمة بأنها مستفزة، مما يزيد من تعقيد جهود محاسبة المسؤولين الصهاينة.

دور تركيا في غزة ما بعد الحرب

تأتي الخطوة التركية ضمن إستراتيجية أوسع لتعزيز دورها في غزة بعد الحرب، فقد أعربت أنقرة عن رغبتها في المشاركة في قوة دولية لإعادة الاستقرار، ضمن خطة السلام الإقليمية التي اقترحها ترمب، لكن «إسرائيل» تعارض بشدة مشاركة تركيا، متهمة إياها بالتحيز للفلسطينيين ودعم «حماس».

ورغم الاعتراضات الصهيونية، كثّفت تركيا من جهودها الدبلوماسية، واستضافت اجتماعات لوزراء خارجية دول إسلامية، وزادت من حجم المساعدات الإنسانية لغزة، مؤكدة أن مشاركتها ضرورية لتحقيق سلام عادل ومستدام.

خطوة شجاعة نحو العدالة

أثارت مذكرات التوقيف جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والدبلوماسية، فبينما اعتبرها البعض خطوة شجاعة نحو العدالة، حذّر آخرون من أنها قد تزيد من الاستقطاب وتُعرقل جهود السلام.

ويرى خبراء قانونيون أن المذكرات، وإن لم تُنفذ فورًا، فإنها تحمل وزنًا رمزيًا كبيرًا، وقد تُقيّد حركة المسؤولين الصهاينة دوليًا، وقال أحد المحللين: الأمر يتعلق بالمحاسبة، حتى لو لم تُنفذ المذكرات، فإن الضرر المعنوي والعزلة الدبلوماسية حقيقيان.

كما دعت منظمات حقوقية دولية دولًا أخرى لأن تحذو حذو تركيا، وقال متحدث باسم منظمة العفو الدولية: حجم الدمار في غزة يتطلب ردًا عالميًا، وخطوة تركيا يجب أن تكون جرس إنذار.

نقطة تحول

مع تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 68875 وإصابة أكثر من 170 ألفاً منذ أكتوبر 2023م، وفقًا لمصادر تركية، أصبحت حرب غزة واحدة من أكثر النزاعات دموية وإثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين، وقد لا تؤدي مذكرات التوقيف التركية إلى محاكمة نتنياهو، لكنها تُشير إلى تحول في استعداد المجتمع الدولي لمواجهة الجرائم الصهيونية.

وفي ظل استمرار العدوان الصهيوني وتعثر خطط إعادة الإعمار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن تؤدي خطوة تركيا إلى تحرك دولي أوسع نحو العدالة، أم أن النضال الفلسطيني ينتظر فصولاً أخرى مليئة بالدماء والأشلاء والدمار والمعاناة؟

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة