عبر خوارزميات التسويق..

«اقتصاد الانتباه» يجتذب الضحايا إلى أوكار السحر

محمد العبدالله

18 ديسمبر 2025

263

لم يعد الساحر في حاجة إلى البخور والغرف المظلمة، بقدر حاجته إلى الفلاتر والمونتاج والخداع البصري.

ولم يعد في حاجة إلى البحث عن وسيلة أو سبب جديد لأجل شهرته، بقدر الضغط على زر، أو إضافة تعليق، أو إعادة مشاهدة، لتعيده الخوارزميات إلى الأعلى ظهوراً في محركات البحث.

فالساحر أو المشعوذ لم تعد تزعجه العلاقة المباشرة بين الشيخ والزبون، لاستبداله ذلك بخداع البث المباشر، والاشتراك المدفوع، أو جلسة عبر الرسائل أو استخدام كاميرا الزووم، كل هذا خلق سوقاً جديدة على منصات التواصل الاجتماعي؛ التي انتقل إليها السحرة والمشعوذون ونصبوا شباكهم عليها لاصطياد الضحايا وجني ملايين الدولارات.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء العالم الرقمي وأساتذة الإعلام، لمعرفة كيف توغلت ظاهرة السحر والشعوذة إلى العالم الرقمي، وكيفية معالجة ذلك والحذر من الوقوع في شباك الدجالين.

منتج رقمي

د. مهند أمين، المحاضر في جامعة لينكولون بماليزيا، المختص في إدارة التكنولوجيا؛ أكد لـ«المجتمع» أن وسائل التواصل منحت سوق السحر حياة جديدة لأنها تعمل اليوم كنظام توزيع رقمي يعتمد على خوارزميات تفضّل المحتوى الذي يثير الفضول والانفعال.

وأوضح أن هذا النوع من المنصات مبني على ما يسمى «اقتصاد الانتباه»، حيث يتم دفع المحتوى؛ الذي يخلق أعلى معدل مشاهدة وتفاعل إلى واجهة الشاشة، مضيفاً أن السحر بطبيعته يمتلك عناصر تجعل انتشاره سهلًا مثل: الغموض، وصور رمزية، وقصص غير مكتملة، وإحساس بأن هناك قوة خفية وراء المشهد.

كما نبه إلى أن التقنيات الحديثة مثل التوصيات الذكية، والذكاء الاصطناعي الذي يحلل ردود فعل المستخدمين لحظة بلحظة تسمح لمنشور واحد عن فك سحر أو قراءة طاقة يصل إلى مئات الآلاف خلال ساعات.

وتابع: كل حركة إبهام، وإعادة مشاهدة، وكل تعليق، يدخل في معادلة رياضية تعطي هذا المحتوى دفعة إضافية، وبهذه الطريقة يتحول السحر من ممارسة اجتماعية محصورة في بيئة ريفية إلى محتوى سريع الانتشار مدعوم بخوارزمية.

فالتكنولوجيا غيّرت طريقة تقديم السحر؛ فالفلاتر، والمؤثرات البصرية، والإضاءة الاصطناعية، والمونتاج السريع تجعل التجربة تبدو أكثر قوة مما هي عليه، بمعنى آخر التقنية تعطي الوهم أدوات رقمية تعزز تأثيره.

واختتم أمين حديثه بأن التكنولوجيا لم تُحي السحر فقط، بل أعادت تشكيله، وجعلته منتجًا رقميًا سريع الانتشار، مدعومًا بتحليلات الذكاء الاصطناعي، متوافقًا مع آليات اقتصاد الانتباه، ومحاطًا ببيئة تجعل الغموض سلعة قابلة للترويج والاستهلاك.

الاستثمار الوهمي

وحول طرق الخداع على منصات التواصل الاجتماعي والوقوع في شباك الدجالين والمحتالين، وكيفية معالجتها أكد د. صابر حارص، أستاذ الإعلام بجامعة سوهاج المصرية، الخبير في الإعلام الرقمي، أن استخدام السحرة والمشعوذين لمنصات التواصل الاجتماعي شكل من أشكال الاحتيال الإلكتروني، يعاني منه الكثيرون، فبعض هذه المنصات توهم الناس بالاستثمار الوهمي في الشركات.

والعجيب أن البعض ينساق مثل وراء هذه الخدع في مصر وخارجها في دول الخليج، حيث يكتشف مؤخراً أنه وقع في شباك المحتالين، وذلك بعد وضع أمواله وغلق الصفحة في وجهه.

وأوضح حارص، خلال حديثه لـ«المجتمع»، أن الخداع الإلكتروني دخل مجال السحرة والشعوذة بوجود صفحات تحمل أسماء لأشخاص ذوي هيئة، لأجل فك السحر أو تقديم مساعدات لمشكلات اجتماعية، وذلك تحت مسميات عدة كاستشارات نفسية واجتماعية.

ونوه بأن هناك برامج هادفة نوعاً ما، لكنَّ هناك زحاماً لها من قبل صفحات وبرامج وهمية ومشبوهة خاصة منصتي «فيسبوك» و«تيك توك»، وهو نوع من الجرائم الإلكترونية التي يعاقب عليها القانون.

كما كشف حارص عن أن هؤلاء النصابين والمحتالين يخاطبون فئة على صفحاتهم لديهم تخبط في الوعي، خاصة الوعي الديني، أو أولئك الذين يعانون من مشكلات أسرية وعاطفية.

أيضاً هذه الصفحات تستقطب أصحاب العجلة في الأهداف والطموح السريع الذين ينساقون وراء ترويج الوهم عبر دغدغة مشاعرهم العاطفية، وهذه الفئة القلقة مجتمعياً تقع تحت قصف ممنهج من هذه الصفحات عبر إقناعهم بالاتصال الروحاني والعالم الغيبي، وأن لديهم القدرة على حل مشكلاتهم، والغريب في الأمر أنه من بين الضحايا زمرة من المثقفين، الذين يغترّون بهذه الصفحات، بسبب الانسياق وراء الثراء المادي.

قصة واقعية

خلال حديثه لـ«المجتمع»، كشف حارص أنه من خلال تجاربه علم أن شخصاً ورث عن أبيه مبلغاً كبيراً من المال، لكنه دخل لأجل الثراء السريع والعاجل في لعب القمار على إحدى المنصات من منصات الاستثمار الوهمي، حيث فتحوا شهيته بالمكسب السريع لاستدراجه، وبالفعل تم سحب مبالغ كبيرة من ميراثه، وفي النهاية خسر هذا الشخص كل شيء، ووجد نفسه عاجزاً حتى عن الزواج رغم ما ورثه من مال وفير.

وحول كيفية التعامل مع هذه المنصات والصفحات المشبوهة، وجه حارص عدة نصائح، أهمها:

  • مغادرة فورية لمثل هذه الصفحات وترك حب الاستطلاع.
  • حالة الوقوع في حب الاستطلاع لا بد أن يكون لديه قدر من الوعي الديني والرقمي معاً.
  • حالة التواصل يجب أن يكون هناك تبادل لبيانات متكافئة في الوضوح والشفافية المعلوماتية، لتقديمها لمباحث الإنترنت حالة تحوله لضحية.
  • ضرورة تكاتف وتكاثف الجهود في الإعلام والمراكز البحثية عبر تقديم نماذج من الضحايا مصحوبة بحزمة من الحلول.

التجارة السوداء

أما الإعلامية اللبنانية د. علياء شاكر، فقد أكدت أننا أصبحنا في زمن سيطرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي حتى باتت تشكل مصدرًا أساسيًا في تشكيل الوعي الفردي والمجتمعي، بل وتخطت ذلك لتغدو مصدرًا لصنعة الرأي العام من خلال توجيه القناعات والتوجهات.

وأضافت لـ«المجتمع» أن استخدام هذه الوسائل ليس في اتجاه واحد، فكما أن البعض يستخدمها كوسيلة لنشر العلم والخير والقيم، فإن البعض الآخر- ليسوا قلة- جعلوها بابًا واسعًا للتضليل والتلبيس على الناس، ومن أوجه استخداماتها الخطيرة الترويج للسحر والشعوذة.

وواصلت: وسائل التواصل الاجتماعي سهلت وصول ملايين البشر بضغطة زر واحدة إلى ما يريدون الوصول إليه، ويسرت لضعاف النفوس وأصحاب النوايا المظلمة استغلال حاجات الناس ومخاوفهم وأزماتهم لا سيما العاطفية منها، ليوقعوهم في ضلالات السحر والشعوذة بكونهما حلًا سريعًا أو قوة خفية قادرة على تغيير واقعهم التعيس.

ونبهت أن خطورة هذا الأمر تمكن إضافة لمخالفته للدين والأخلاق والقيم، في:

  • التلاعب بعقول وعواطف الناس.
  • تشجيعهم على الهروب من الحلول الناجعة إلى الحلول السريعة.
  • عدم تحمل المسؤولية وتجاهل الأخذ بالأسباب.
  • التعلق بالوهم والخرافة.
  • باب أساسي للابتزاز النفسي والمالي، حوّل معاناة الناس إلى تجارة سوداء.



اقرأ أيضاً:

«المجتمع» ترصد حيل السحرة لاصطياد الضحايا

خبراء يكشفون أسرار وقوع المتعلمين والمثقفين في شباك السحرة

الخبير الرقمي أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة