قراءة في المشروع البلاغي لأحد أعلام مدرسة البيان في العصر الحديث
حسن طبل.. رائد البيان الذي جدد الحياة في بلاغة القرآن
ليس من اليسير
أن يكتب الإنسان عن أستاذٍ ظل أثرُه ممتدًّا في روحه وعقله وذائقته ثلاثين عامًا
كاملة؛ لأن بعض الأساتذة لا يمرون في حياة طلابهم مرور الكرام، وإنما يغيّرون
طريقة النظر، ويعيدون تشكيل الحسّ، ويفتحون في القلب أبوابًا لم تكن مفتوحة من
قبل، وكان أستاذنا الدكتور حسن جاد عبد الجواد طبل واحدًا من هؤلاء النادرين الذين
لا يكتفون بتعليم العلم، بل يُقيمون في طلابهم علاقة جديدة به، حتى يُصبح جزءًا من
وجدانهم وتكوينهم الداخلي.
وقد عرفتُه أول
مرة طالبًا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة 1996م، حين كان يدرسنا كتابه
الفريد: "أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية"، وكانت تلك –في الحقيقة–
أول مرة أتذوق فيها بلاغة القرآن تذوقًا حيًّا نابضًا، لا بوصفها مصطلحاتٍ مدرسيةً
جامدة، ولا أبوابًا محفوظة من أبواب البيان والبديع، وإنما بوصفها سرًّا من أسرار
الجمال الإلهي الكامن في هذا الكتاب العزيز.. يومها شعرتُ أنني لا أقرأ القرآن
بالطريقة نفسها التي كنت أقرؤه بها من قبل، وأن المعاني التي كانت تمر على السمع
مرورًا عاديًّا بدأت تفتح أبوابها الداخلية، وتكشف عن سرها المكنون، وعن وجوه من
الإعجاز لم أكن أتصورهاـ وكان الفضل في ذلك – بعد الله – لأستاذنا الدكتور حسن
طبل.
ولعل هذه هي
الخصيصة الكبرى التي تُميّز مشروعُه العلمي كله؛ فهو لم يكن بلاغيًّا يشرح النصوص
من خارجها، بل كان يعيش داخل النص القرآني، ويتعامل معه بوصفه بناءً حيًّا نابضًا
بالحركة والإيحاء والدلالة؛ ولذلك لم تتحول البلاغة عنده إلى علم للزينة اللفظية
أو الترف البياني، بل صارت طريقًا إلى التدبر، ومدخلًا إلى اكتشاف جمال القرآن
ووحدته وإعجازه، حتى بدا كأنه يعيد وصل ما انقطع بين علوم البلاغة وبين حرارة
الإيمان وروح التذوق.
ولم يكن الدكتور
حسن طبل مجردَ أستاذٍ جامعي متخصص في البلاغة والنقد الأدبي، بل كان واحدًا من
الامتدادات الحية لما يمكن أن نسميه: «مدرسة القرآن» في العصر الحديث؛ تلك المدرسة
التي رأت أن النص القرآني ليس مادةً للشرح اللغوي وحده، وإنما هو مركز الحضارة
الإسلامية وروحها الكبرى، وأن البلاغة الحقّة لا تبلغ غايتها إلا إذا تحولت إلى
أداة للكشف عن أسرار هذا البيان الرباني الفريد، ومن هنا جاءت معظمُ أعماله
العلمية الكبرى متجهة إلى القرآن الكريم: أسلوب الالتفات، والإعجاز البلاغي، ووحدة
السياق، والصورة البيانية، والمعنى في البلاغة العربية، وغيرها من الدراسات التي
مزج فيها بين عمق التراث البلاغي العربي وبين أدوات التحليل النصي والأسلوبي
الحديثة، دون أن يفقد روحه العربية الأصيلة أو ذائقته القرآنية الرفيعة.
وحين نتأمل
سيرته العلمية ندرك أننا أمام عالمٍ تشكّل تكوينًا كلاسيكيًّا رصينًا، ثم استطاع
أن ينفتح – في الوقت نفسه – على معطيات الدرس النقدي الحديث دون انبهارٍ أو ذوبان،
وهذه الميزة الكبرى لأعلام دار العلوم بالقاهرة؛ فقد تخرج في كلية دار العلوم
جامعة القاهرة سنة 1965م، ثم نال الماجستير والدكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي
والأدب المقارن، وتدرج في السلك الجامعي حتى صار أستاذًا للبلاغة والنقد الأدبي
بكلية دار العلوم، وعمل في مصر والمملكة العربية السعودية، وأشرف على أجيال من
الباحثين، وشارك في لجان علمية وتحكيمية كثيرة، غير أن أثره الحقيقي لم يكن في
المناصب والدرجات، وإنما في ذلك النفَس العلمي الهادئ العميق الذي يربط البلاغة
بالمعنى، والمعنى بالذوق، والذوق بالقرآن الكريم.
ولذلك لم يكن
غريبًا أن يشعر كثيرٌ من تلاميذه – وأنا منهم - أنهم لم يتعلموا على يديه البلاغة
وحدها، بل تعلموا كيف يقرأون النص، وكيف يُنصتون إلى الإيقاع الخفي في العبارة
القرآنية، وكيف يميزون بين المعنى المجرّد والمعنى الفنيّ الذي لا يُدرك إلا من
خلال صورته التعبيرية الخاصة، ومن هنا بقي أثرُه ممتدًّا في نفوس من درسوا عليه،
حتى بعد مرور عقود طويلة؛ لأن بعض العلماء لا يتركون في الذاكرة معلوماتٍ فحسب، بل
يتركون طريقةً في الرؤية، ومنهجًا في التذوق، ومسلكًا في فهم القرآن واللغة
والحياة.
من دار العلوم إلى مدرسة القرآن
وُلد الأستاذ
الدكتور حسن جاد طبل في كفر الشرفا الشرقي التابع لمدينة طنطا بمحافظة الغربية عام
1940م، في زمنٍ كانت العربية فيه لا تزال تحتفظ بجلالها في البيوت والمدارس
والقلوب، ثم شاء الله أن يتجه منذ شبابه المبكر إلى طريقٍ سيجعله واحدًا من أبرز
حُرّاس البيان القرآني في العصر الحديث، ولم يكن تكوينُه العلمي تكوينًا سطحيًّا
أو سريعًا، بل جاء عبر رحلة طويلة من المعاناة العلمية والاشتغال المتدرج باللغة
والبلاغة والنقد، حتى غدا اسمُه – مع الزمن – علامةً بارزة في الدراسات البلاغية
القرآنية المعاصرة.
التحق بكلية دار
العلوم بجامعة القاهرة، تلك المؤسسة العريقة التي لم تكن مجرد كلية جامعية، بل
كانت مشروعًا حضاريًّا خاصًّا يقوم على الجمع بين علوم العربية والإسلام، وبين
التراث والدرس الحديث، وبين الأصالة والمعاصرة. وفي هذه البيئة العلمية المتفردة
تشكلت شخصيةُ الدكتور حسن طبل العلمية؛ إذ تلقى علومَ البلاغة والنقد واللغة في
فضاءٍ كان لا يزال مُشبعًا بروح الكبار من أمثال أمين الخولي، ومحمد عبد الله
دراز، ومحمد أبو موسى، وغيرهم من أعلام البيان والدرس القرآني الحديث.
وقد كان لدار
العلوم أثرٌ بالغ في صياغة رؤيته؛ لأنها لا تكتفي بتعليم اللغة بوصفها نظامًا من
القواعد، وإنما تنظر إليها بوصفها وعاءَ الحضارةِ الإسلامية، ولسانَ القرآن
الكريم، وروحَ الثقافة العربية، ومن هنا جاء مشروع حسن طبل متجاوزًا للحدود
المدرسية الضيقة، متجهًا إلى اكتشاف الطاقة الجمالية والفنية والفكرية والروحية
الكامنة في النص القرآني، وإلى إعادة وصل البلاغة بالتذوق والتدبر والوعي الحضاري.
وكان تكوينُه
العلمي يحمل كذلك ملمحًا مهمًّا من ملامح الجيل القديم من علماء العربية، وهو
الجمع بين الصرامة التراثية والانفتاح الواعي على المناهج الحديثة، فلم يكن أسيرًا
للبلاغة التقليدية الجامدة، كما لم يكن مفتونًا افتتانًا ساذجًا بالنظريات
الوافدة، وإنما استطاع أن يصوغ لنفسه منهجًا خاصًّا يقرأ التراث البلاغي قراءةً
حية، ويستثمر في الوقت نفسه معطياتِ الأسلوبية وتحليل الخطاب وعلم النص، دون أن
يفقد هُويته العربيةَ أو ذائقتَه القرآنية.
ولعل من الأمور
التي كان لها أثر عميق في شخصيته العلمية والتربوية- عمله الطويل في التعليم قبل
الانتقال إلى الجامعة؛ فقد عمل مدرسًا للغة العربية بوزارة التربية والتعليم قرابة
عشر سنوات كاملة قبل تعيينه معيدًا بكلية دار العلوم، وهذه المرحلة ليست تفصيلًا
هامشيًّا في سيرته، بل هي من الأسرار المهمة في تكوينه الإنساني والتعليمي؛ إذ
منحته احتكاكًا مباشرًا باللغة في مستويات التلقي الأولى، وعرّفته بطبيعة الذائقة
اللغوية لدى الطلاب، وأكسبتْه قدرةً خاصة على تبسيط المعاني العميقة دون ابتذالها،
وعلى الجمع بين العلمية والوضوح، وهي خصيصة بارزة في محاضراته وكتبه ودروسه.
ولهذا ظل
الدكتور حسن طبل – حتى في أكثر أبحاثه عمقًا – محتفظًا بروح المعلّم الذي يريد أن
يفتح أبواب النص لطلابه، لا أن يغلقها بالمصطلحات المعقدة أو التعالي الأكاديمي؛
وربما لهذا السبب أيضًا بقي أثرُه ممتدًّا في نفوس أجيال من الطلاب؛ لأنه لم يكن
أستاذًا يلقّن المعلومات، بل كان – ولا يزال - مربّيًا يوقظ الذوق، ويحبب طلابه في
القرآن والبلاغة واللغة.
بين التدريس والتكوين
وحين انتقل د.
حسن طبل من التعليم المدرسي إلى الجامعة لم يكن ينتقل من وظيفة إلى وظيفة، بل كان
ينتقل إلى المجال الذي ستتجلى فيه ملامحُ مشروعه العلمي الحقيقي، فقد عُيّن معيدًا
بقسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم سنة 1975م، ثم تدرج
في السلك الأكاديمي حتى صار أستاذًا للبلاغة والنقد الأدبي، غير أن حضوره داخل
الجامعة لم يكن حضورَ الأستاذِ التقليدي الذي يكرر ما في الكتب، بل حضور الباحث
المنشغل بالسؤال البلاغي العميق، وبكيفية إعادة الحياة إلى علوم البيان العربي
وربطها بالقرآن الكريم.
وقد أتاحت له
الإعاراتُ العلمية إلى المملكة العربية السعودية –في المدينة المنورة ثم في
الرياض– أن تتسع دوائر تأثيره، وأن يتفاعل مع بيئات علمية وثقافية متعددة، فاشتغل
بالتدريس الجامعي، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية بكلية المعلمين بالمدينة
المنورة، وأسهم في تكوين أعداد كبيرة من الباحثين والدارسين داخل مصر وخارجها، ولم
تكن هذه التجارب مجرد انتقال جغرافي، بل أسهمت في تعميق تجربته التعليمية، ومنحته
امتدادًا عربيًّا واسعًا جعل أثره حاضرًا في أكثر من بلد وجامعة.
ومع اتساع
تجربته الأكاديمية اتسعت كذلك دوائرُ إشرافه العلمي وتحكيمه البحثي؛ فأشرف على
عددٍ كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات مصرية وعربية متعددة، وشارك في
تحكيم أبحاث وأعمال علمية داخل مصر وخارجها، كما حضر في لجان الترقيات العلمية،
ولجان إحياء التراث، وهي مواقع لا يصل إليها إلا من اجتمع له الرسوخُ العلمي،
والثقةُ الأكاديمية، والمكانةُ بين أهل التخصص.
غير أن القيمة
الحقيقية لكل ذلك لم تكن في المناصب والعضويات ذاتها، وإنما في طبيعة الأثر الذي
كان يتركه فيمن يقترب منه، فقد بدا واضحًا -في شهادات تلاميذه ومحبيه- أنه لم يكن مجرد
أستاذ متخصص في البلاغة، بل كان صاحب روح علمية وتربوية نادرة، تجمع بين الوقار
والرفق، وبين العمق والبساطة، وبين الصرامة المنهجية والحدب الأبوي؛ ولهذا تحولت
علاقتُه بكثير من طلابه من علاقة أستاذ بطالب إلى علاقة تكوينٍ وامتداد معرفيّ
وإنساني طويل المدى.
ومن هنا يمكن
القول بأن الدكتور حسن طبل كان واحدًا من العلماء الذين يصنعون «الكتب البشرية»
كما كان يقال عن بعض أعلام مدرسة البيان القرآني؛ إذ لم يقتصر أثرُه على ما ألّفه
من كتب ودراسات، بل امتدّ إلى أجيال من الباحثين الذين حملوا شيئًا من روحه
العلمية وذائقته البلاغية، وطريقته في قراءة القرآن العظيم والنصوص التراثية.
طبل.. والانتساب إلى "مدرسة القرآن"
ليس القرآن
الكريم عند أستاذنا الدكتور حسن طبل موضوعًا من موضوعات البحث البلاغي فحسب، ولا
ميدانًا جزئيًّا من ميادين اشتغاله الأكاديمي، وإنما هو المركز الذي دارت حوله
معظمُ جهوده العلمية، والنور الذي تشكلت في ضوئه رؤيتُه للبلاغة والنقد الأدبي،
فمَنْ يطالع كتبَه ودراساتِه يدرك سريعًا أن هذا الرجل لم يكن يتعامل مع القرآن
بوصفه «نصًّا» للدراسة وحسب، بل بوصفه الأصل الأعلى للبيان العربي، والمجال الأرحب
لاكتشاف أسرار اللغة وطاقاتها التعبيرية والبلاغية المدهشة.
ولهذا جاء كتابه
«أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية»
-وهو من أهمّ أعماله- متصلًا اتصالًا مباشرًا بالقرآن الكريم؛ فكتابُه لم
يكن مجرد دراسة لظاهرة بلاغية، بل هو رحلة طويلة داخل النسيج التعبيري للقرآن،
تتبع فيها حركة الضمائر والصيغ والتحولات الأسلوبية بوصفها مفاتيح للكشف عن أسرار
الخطاب الإلهي، وكذلك كتابه «حول الإعجاز البلاغي للقرآن.. قضايا ومباحث» الذي لم
يكتف فيه بترديد المقولات التقليدية عن الإعجاز، وإنما حاول النفاذ إلى الظواهر
البلاغية الدقيقة داخل السياقات القرآنية، مستكشفًا العلاقة العميقة بين البناء
التعبيري والهداية والمعنى.
ولم يكن
اهتمامُه بالصورة البيانية أو بالسياق أو بالمعنى أو بالتذوق البلاغي اهتمامًا
منفصلًا عن القرآن، بل كانت هذه كلها حلقاتٍ متصلةً في مشروعٍ واحد غايته إعادة
اكتشاف البيان القرآني بوصفه منبع البلاغة العربية الأعلى، فالصورة البيانية عنده
ليست زخرفًا بيانيًّا جامدًا، وإنما كائن حيّ يتحرك داخل السياق، ويولد من تفاعل
اللفظ بالمعنى، ومن اتصال العبارة بالحالة الشعورية والفكرية للنص، والمعنى – عنده
- ليس فكرةً ذهنية مجردة، بل طاقة شعورية وفنية لا تنفصل عن صورتها التعبيرية،
والسياق ليس مجرد قرينة لغوية، بل هو النسيج الحاكم الذي تتآزر داخله الألفاظ
والصور والإيقاعات لبناء الدلالة الكبرى للنص.
ومن هنا بدا
مشروعُ حسن طبل كله وكأنه محاولة متصلة لإعادة الناس إلى القرآن من بوابة البلاغة،
وإعادة البلاغة نفسها إلى وظيفتها الأولى: الكشف عن أسرار البيان الإلهي، لا مجرد
حفظ المصطلحات والأقسام والتقسيمات المدرسية المعهودة.
البلاغة بوصفها طريقًا إلى التدبر
ومن أعظم ما
يميز تجربة الدكتور حسن طبل أنه استطاع أن ينقل البلاغة العربية من حالة «المتن
التعليمي» الجاف إلى حالة المعايشة الحية للنص القرآني، فكثير من الناس عرفوا
البلاغة بوصفها أبوابًا محفوظة، وتعريفاتٍ مدرسية، وتمارين جامدة على التشبيه
والاستعارة والكناية، حتى انفصلت البلاغة في أذهانهم عن حرارة النص وروحه، أما هو
فقد أعاد وصل البلاغة بالحياة، وبالذوق، وبالتأمل، وبالتدبر، في تجربة ماتعة مع
القرآن الكريم.
ولهذا كان طلابه
يشعرون –وهم يستمعون إلى دروسه– أنهم لا يدرسون قواعد بلاغية بقدر ما يدخلون إلى
عوالم القرآن الداخلية؛ إذ تتحول الآيةُ بين يديه إلى نسيج نابض بالحركة والإيقاع
والدلالة، وتغدو الظاهرةُ البلاغية بابًا لفهم أعمق، وشهودٍ أرقى، وتذوقٍ يكشف من
جمال التعبير ما لا تكشفه القراءةُ السطحية المدرسية.
انظر وهو يتحدث
عن حادث الإفك في قوله تعالى: ﴿لَّوۡلَاۤ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ
وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَیۡرࣰا وَقَالُوا۟ هَـٰذَاۤ إِفۡكࣱ مُّبِینࣱ﴾
[النور ١٢]. ويكشف عن سر هذا الالتفات من ضمير المخاطب "سمعتموه" إلى صيغة الغائب: "ظن
المؤمنون والمؤمنات" فكانت الصياغة تقتضي أن نقول "لولا إذ سمعتموه
ظننتم" لكنه عدل عن "ظننتم" إلى "ظن المؤمنون والمؤمنات"
فكأنما هم حين خاضت ألسنتُهم في عرض عائشة رضي الله عنها الذي هو عرض رسول الله
صلى الله عليه وسلم، قد غادروا –في هذه اللحظة- صفة الإيمان، ومن ثم وجه الحديث
إلى أناسٍ آخرين غيرهم "ظن المؤمنون والمؤمنات"، وهو مصداق حديث ابن
عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَزْنِي الزّانِي
حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو
مُؤْمِنٌ" [صحيح البخاري (6782)، وهو من أفراد البخاري على مسلم].
وأذكر موقفًا
يدلُّ على أنه ترك البلاغة القرآنية في نفوسنا ملكةً راسخةً حين وجدتُ في اختبار
المادة قول الله تعالى: ﴿قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ
إِلَیۡكُمۡ جَمِیعًا ٱلَّذِی لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ یُحۡیِۦ وَیُمِیتُۖ
فَـَٔامِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِیِّ ٱلۡأُمِّیِّ ٱلَّذِی یُؤۡمِنُ
بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف ١٥٨]،
يطلب منا أن نذكر الالتفات في الآية ودلالته، ولم أكن أتذكر أننا درسنا هذا المثال
التطبيقي، ولكنني فَطِنتُ له، وكتبت: "أن مقتضى الصياغة كان يستوجب: إني رسول
الله إليكم جميعا ... فآمنوا بالله وبي" ولكنه عدل عن صيغة المتكلم إلى ضمير
الغائب "ورسوله" ليربط المخاطبين بالرسالة لا بشخص الرسول" على
عظمته، وخرجتُ من الامتحان وأنا أشعر بفرحة كبيرة ومتعة غامرة؛ لأنني أجبت عن مثال
لم أره من قبل، وهو ما يشير إلى تكوين المهارة وتشكُّل الملكة!
فالبلاغة –إذن-
عند حسن طبل ليست زينةً لفظية، ولا مهارة شكلية، وإنما هي علم يكشف عن الطاقة
التعبيرية الكامنة في النص، وعن سر اختيار لفظ دون لفظ، وصيغة دون أخرى، وعدول
أسلوبي دون غيره؛ ولذلك كان شديد العناية بالسياق، وبالعلاقات الدقيقة بين
التراكيب، وبأثر التحولات التعبيرية في نفس المتلقي، لأنه كان يرى أن البيان
القرآني لا يقوم على المصادفة، بل على نظام معجز تتآزر فيه جميعُ العناصر من أجل
إنتاج الدلالة والهداية والتأثير.
ومن هنا أيضًا جاءت العلاقة الوثيقة – في مشروعه – بين التذوق والإيمان؛ فهو لا يدرس البلاغة بوصفها لعبة عقلية باردة، بل بوصفها طريقًا إلى تعميق الصلة بالقرآن، وإيقاظ الحس الجمالي والإيماني معًا؛ ولذلك كان كثيرٌ من طلابه يشعرون أن دروسه لا تزيدهم معرفةً بالبلاغة فقط، بل تزيدهم حبًّا للقرآن، وانبهارًا بجماله، وشعورًا بأنهم يكتشفونه من جديد.
ولعل هذا هو
السر في الأثر الكبير الذي تركه في نفوس تلاميذه؛ فقد استطاع أن يحول البلاغة من
مادةٍ دراسية ثقيلة إلى متعة روحية وفكرية، وأن يجعل النص القرآني حيًّا متجددًا
في القلوب والعقول معًا.
امتداد مدرسة أمين الخولي ومحمد عبد الله دراز
وحين يُذكر اسم
الدكتور حسن طبل في سياق الدراسات القرآنية البلاغية الحديثة، فإنه يُرى بوضوح ضمن
الامتداد العلمي لما يمكن تسميته بـ«مدرسة البيان القرآني» التي تبلورت في العصر
الحديث على أيدي أعلام كبار مثل أمين الخولي (ت:1385 هـ)، ومحمد عبد الله دراز (ت:
1377هـ)، وعائشة عبد الرحمن (ت: 1419هـ)، ومحمد أبو موسى، وغيرهم من الذين أعادوا
الاعتبار للدراسة البيانية التطبيقية للقرآن الكريم.
فقد أخذ من هذه
المدرسة أصل الفكرة الكبرى: أن القرآن ليس مادةً لغوية جامدة، بل بناء تعبيري
معجز، وأن الطريق إلى فهم كثير من أسراره يمر عبر التأمل البلاغي الدقيق، لا عبر
الاقتصار على الشروح الذهنية أو التفسيرات التجزيئية المنعزلة عن روح النص، كما
أخذ عنها العناية بالتحليل التطبيقي للنص القرآني، والانتقال من البلاغة النظرية
إلى البلاغة الحية التي تتحرك داخل الآيات والسياقات.
ويظهر أثر محمد
عبد الله دراز خاصةً في اهتمامه بوحدة السياق والنظام الكلي للنص، كما يظهر أثر
أمين الخولي في النظر إلى البلاغة بوصفها أداةً لفهم القرآن لا مجرد صناعة لفظية،
أما صلته العلمية والذوقية بمشروع الدكتور محمد أبو موسى فتبدو واضحة في هذا العشق
العميق للتفصيلات التعبيرية الدقيقة، وفي تحويل الدرس البلاغي إلى معايشة حقيقية
للنص القرآني.
غير أن الدكتور
حسن طبل لم يكن مجرد تابعٍ لهذه المدرسة أو مكررٍ لمقولاتها، بل أضاف إليها إضافةً
واضحة حين حاول وصل البلاغة العربية القديمة بمناهج الأسلوبية الحديثة وعلم النص
وتحليل الخطاب؛ فقد كان واعيًا بأن البلاغة العربية تمتلك ثروة هائلة، لكنها تحتاج
إلى تجديد أدوات قراءتها، وإلى الانفتاح الواعي على العلوم الحديثة دون الذوبان
فيها.
ولهذا نجده يدفع
طلابه إلى الإفادة من الأسلوبيات الحديثة، ومن مفاهيم السبك والحبك والتماسك النصي
والبنية الدلالية، مع بقائهم داخل الأفق العربي الإسلامي للبلاغة والبيان، وهنا
تتجلى خصوصيةُ مشروعه؛ إذ لم يكن مبهورًا بالحداثة النقدية، ولا منغلقًا على
التراث، بل حاول أن يصنع حالةً من التفاعل الخلاق بينهما، بحيث تبقى البلاغة
العربية محتفظة بروحها وهويتها، وقادرةً في الوقت نفسه على محاورة المناهج الحديثة
واستثمار ما فيها من أدوات نافعة.
ومن هنا استحق
أن يُعد واحدًا من أبرز الامتدادات المعاصرة لمدرسة البيان القرآني، وأحد الذين
أسهموا في تجديد الدرس البلاغي القرآني، وربطه من جديد بالتدبر، والذوق، والوعي،
والحياة.
المعنى عند طبل.. قلب البلاغة وروحها
إذا أردنا أن
نلج إلى القلب الحقيقي لمشروع الدكتور حسن طبل البلاغي والنقدي، فإننا لا نجد
بابًا أوسع ولا أدق من «المعنى»؛ فالمعنى عنده ليس عنصرًا من عناصر البلاغة، بل هو
مركزها الذي تنتظم حوله بقية العناصر، وروحها التي تمنح الألفاظ والصور والتراكيب
حياتها وفاعليتها؛ ولهذا لم يكن غريبًا أن يخصِّص كتابًا مهمًّا بعنوان: «المعنى
في البلاغة العربية»، وهو كتاب يكشف بوضوح عن رؤيته العميقة لطبيعة البلاغة
ووظيفتها، ويعيد ترتيب العلاقة بين اللفظ والمعنى في ضوء قراءة دقيقة لتراث
البلاغيين الكبار.
لقد انطلق حسن
طبل من رفض التصور السطحي الذي اختزل البلاغة في مجرد الزخرفة اللفظية أو
التحسينات الشكلية، وهو التصور الذي شُوِّهت به البلاغة العربية في بعض مراحل
التعليم والتلقي، حتى غدت عند كثيرين علمًا للحليات والمحسنات، لا علمًا لاكتشاف
أسرار التعبير وبناء الدلالة، أما هو فكان يرى أن البلاغة الحقيقية تبدأ من
المعنى، وأن قيمة التعبير لا تكمن في جمال اللفظ وحده، بل في الطاقة الدلالية
والشعورية التي يولّدها داخل السياق.
ومن هنا جاءت
عنايته الفائقة بإعادة قراءة التراث البلاغي، لا سيما مشروع عبد القاهر الجرجاني
(ت: 471هـ) الذي أدرك – مبكرًا – أن سر البلاغة ليس في الألفاظ المفردة، وإنما في
طريقة نظمها وعلاقاتها وتآزرها داخل التركيب؛ ولذلك نجد حسن طبل يعود إلى عبد
القاهر لا بوصفه اسمًا تراثيًّا يُستشهد به، بل بوصفه صاحبَ مشروع معرفي عظيم ما
زال قادرًا على إضاءة قضايا النقد والبلاغة الحديثة.
وقد كان شديد
الانتباه إلى العلاقة العضوية بين النظم والدلالة؛ فالمعنى عنده لا يوجد منفصلًا
عن صورته التعبيرية، ولا يمكن نقله من تركيب إلى تركيب دون أن يفقد شيئًا من
خصوصيته الفنية؛ ولهذا كان يفرق دائمًا بين «المعنى التقريري» الذي يمكن نقله
بألفاظ متعددة دون خسارة جوهره، وبين «المعنى الفني» الذي يتجسد داخل صورته
التعبيرية الخاصة، ولا يُدرك إلا من خلال تلك الصورة ذاتها، وهذه الفكرة تمثل
واحدة من أعمدة مشروعه النقدي كله، بل تمثل الامتداد الحي للرؤية الجرجانية في فهم
البلاغة والشعر والبيان.
إحياء الروح الجرجانية
ولعل من أدق ما
يمكن قوله في وصف الدكتور حسن طبل أنه واحد من أبرز الذين أعادوا تشغيل «الروح
الجرجانية» في الدرس البلاغي المعاصر؛ فكثيرون قرؤوا عبد القاهر الجرجاني قراءة
تاريخية أو تعليمية، أما هو فقد قرأه بوصفه مشروعًا حيًّا مفتوحًا، لا يزال قادرًا
على إنتاج الأسئلة، وإضاءة النصوص، وكشف أسرار البيان.
لقد تعامل مع
نظرية النظم لا باعتبارها مقولاتٍ محفوظةً تُكرَّر في قاعات الدرس، بل باعتبارها
رؤية عميقة لطبيعة اللغة والإبداع والمعنى؛ ولذلك لم يقف عند حدود الشرح والتلخيص،
وإنما انتقل بها إلى مجال الاختبار التطبيقي داخل النصوص القرآنية والأدبية، فصار
يفتش عن العلاقات الدقيقة بين التراكيب، وعن أثر التقديم والتأخير، والعدول،
والتحول الأسلوبي، وحركة الضمائر، واختيار الصيغ، في إنتاج المعنى وتشكيل الأثر
الجمالي.
ولهذا بدا
مشروعه البلاغي كله وكأنه محاولة لإعادة الحياة إلى البلاغة العربية بعد أن أصابها
– في بعض البيئات التعليمية – شيءٌ من الجمود والتقعيد الآلي. فقد أعادها إلى
النص، وإلى الذوق، وإلى التحليل الحي، وإلى السؤال الجمالي العميق: لماذا اختير
هذا التعبير دون غيره؟ وكيف تشكلت الدلالة من هذا النظم الخاص؟ وما سر هذه الطاقة
الإيحائية التي لا يمكن فصلها عن صورة العبارة وبنيتها؟
ومن هنا أيضًا
يمكن فهم سر تعلقه الشديد بالنص القرآني؛ لأن القرآن –في نظره– هو المجال الأعلى
لاختبار فاعلية نظرية النظم، وهو النص الذي تتجلى فيه بأعلى درجاتها العلاقةُ
المدهشة بين البنية التعبيرية والدلالة والهداية والتأثير؛ ولذلك لم يكن تحليله
البلاغي مجرد تفكيك لغوي، بل كان محاولة لاكتشاف الحكمة التعبيرية الكامنة خلف
اختيار الألفاظ والصيغ والسياقات.
وهكذا استطاع
حسن طبل أن يُخرج عبد القاهر الجرجاني من دائرة «التراث الممجد» إلى دائرة
«المشروع المفكر»، وأن يعيد ربط البلاغة العربية بجذورها الحية العميقة، لا
بقشورها التعليمية الجافة.
بين التراث واللسانيات الحديثة
ومن الخصائص
اللافتة في مشروع الدكتور حسن طبل أنه لم يكن منغلقًا على التراث البلاغي القديم،
كما لم يكن منبهرًا انبهارًا ذائبًا بالمناهج النقدية الغربية الحديثة، بل سلك
طريقًا وسطًا دقيقًا، حاول فيه أن يبني جسرًا حيًّا بين البلاغة العربية والعلوم
اللسانية والنقدية الحديثة، دون أن يفقد هويته المعرفية أو ينقطع عن جذوره
التراثية.
لقد أدرك مبكرًا
أن علوم اللغة والنص والأسلوب الحديثة قد طورت أدواتٍ دقيقةً لتحليل الخطاب،
والكشف عن البنية النصية، وآليات التماسك الدلالي، والعلاقات السياقية؛ ولذلك لم
يتردد في الإفادة منها، لا سيما في مجال الأسلوبية وتحليل الخطاب وعلم النص، ويرى
أن كثيرًا من هذه المناهج – في جوهرها – يلتقي مع ما أرساه البلاغيون العرب
القدماء، وإن اختلفت المصطلحات والسياقات المعرفية.
ولهذا نجد حضوره
الواضح لمفاهيم مثل: السياق، والانحراف الأسلوبي، والاختيار، والبنية النصية،
والسبك والحبك، وغير ذلك من الأدوات التي وظّفها في قراءة النصوص، وربطها بالموروث
البلاغي العربي ربطًا ذكيًّا غير متكلف، وهو في هذا كله لم يكن ناقلًا للمناهج
الغربية، بل كان محاورًا لها، يستفيد من أدواتها، ويعيد توجيهها داخل الأفق
البلاغي العربي الإسلامي.
ومن هنا رفض
الذوبان في المناهج الغربية أو التسليم المطلق بمقولاتها؛ لأنه كان مؤمنًا بأن
البلاغة العربية تمتلك في ذاتها ثروة هائلة من الرؤى والأدوات القادرة على قراءة
النصوص وتحليلها، وأن المطلوب ليس أن نستبدل بالتراث المناهج الحديثة، وإنما تجديد
قراءة التراث في ضوء الوعي النقدي المعاصر.
وهذا ما منح
مشروعَه طابَعًا خاصًّا؛ إذ هو ليس "سلفيًّا" جامدًا يرفض كل جديد، ولا
حداثيًّا مقطوع الجذور يكرر المصطلحات الغربية بلا وعي، بل هو باحث يسعى إلى بناء
حوار حي بين التراث والحداثة، وبين البلاغة القديمة والنقد النصي الحديث، بحيث تظل
البلاغةُ العربية علمًا حيًّا قادرًا على التطور والتجدد ومواكبة أسئلة العصر، دون
أن تفقد روحها الأصيلة.
السياق ووحدة النص القرآني
من أبرز المعالم
المنهجية في مشروع الدكتور حسن طبل إيمانه العميق بأن القرآن الكريم ليس مجموعة
جمل متجاورة أو معانٍ متناثرة، وإنما هو بناء حيّ متماسك، تتآزر أجزاؤه، وتتساند
دلالاته، وتتداخل عناصره في شبكة دقيقة من العلاقات التعبيرية والسياقية، ومن هنا
جاءت عنايته الكبرى بالسياق القرآني، حتى غدا واحدًا من المفاتيح المركزية لفهم
مشروعه البلاغي والنقدي كله.
ويتجلى هذا
بوضوح في دراسته العميقة: «وحدة السياق في سورة القيامة»، وهي دراسة تكشف عن وعيه
الحاد بأن السورة القرآنية ليست مجرد موضوعات متعاقبة، بل كيان عضوي متكامل، تتحرك
داخله المعاني والصور والإيقاعات ضمن وحدة كلية جامعة؛ ولذلك كان شديد الرفض
للقراءات التجزيئية التي تقتطع الآية من سياقها، أو تعزل المقطع عن غرض السورة
العام؛ لأن هذا –في نظره– يفقد النص كثيرًا من طاقته الدلالية والجمالية والهداية
الكامنة فيه.
لقد كان يرى أن
فهم القرآن لا يتحقق عبر التعامل مع الآيات بوصفها وحدات منفصلة، وإنما عبر إدراك
العلاقات الخفية التي تشد أجزاء النص بعضها إلى بعض، وتجعل من السورة وحدة متماسكة
في المعنى والإيقاع والحركة الشعورية؛ ولهذا لم يكن السياق عنده مجرد قرينة لغوية
تُفسِّر لفظًا أو تركيبًا، بل كان مبدأً حاكمًا لفهم النص كله.
ومن هنا اعتبر
وحدة السورة وجهًا من وجوه الإعجاز القرآني؛ إذ إن هذا التماسك العجيب بين بدايات
السور ونهاياتها، وبين موضوعاتها وانتقالاتها، وبين صورها وإيقاعاتها، يكشف عن
بناء فوق طاقة البشر، ويؤكد أن القرآن ليس كلامًا تتجاور جملُه اتفاقًا، وإنما
خطاب محكم النسج، بالغ الدقة في ترتيبه وتناسقه.
ولذلك كان حسن
طبل دائم البحث عن الخيط الدقيق الذي تنتظم به السورة، وعن المحور الجامع الذي
تلتقي عنده الآيات والمقاطع والصور، حتى لتبدو السورة – في قراءته – كالكائن الحي
الذي تتساند أعضاؤه جميعًا في أداء وظيفة كلية واحدة.
طبل والبقاعي
وفي هذا الباب
يبدو أثر الإمام برهان الدين إبراهيم البقاعي (ت: 885هـ) ظاهرًا في تكوين الدكتور
حسن طبل ورؤيته للسياق القرآني، فقد وجد في مشروع البقاعي –ولا سيما في «نظم
الدرر»– محاولة مبكرة وعميقة للكشف عن العلاقات الدقيقة بين الآيات والسور، وعن
الروابط التي تجعل القرآن بناءً متماسكًا لا تفكك فيه ولا اضطراب.
ولم يكن إعجابه
بالبقاعي إعجابًا شكليًّا أو تاريخيًّا، بل كان إعجابًا بمنهج «إدامة النظر وإنعام
التأمل»؛ ذلك المنهج الذي لا يكتفي بالمعاني الظاهرة، بل يظل يفتش في النص عن
أسرار الاتصال، وخيوط التناسب، والعلاقات الدقيقة التي قد تغيب عن القراءة العجلى
السطحية.
ولهذا كان حسن
طبل شديد العناية بما يمكن تسميته «الروابط الخفية» داخل السورة القرآنية؛ أي تلك
العلاقات التي لا تقوم على المجاورة اللفظية وحدها، بل على التساند الدلالي
والشعوري والإيقاعي، فرب انتقال ظاهره التباعد، لكنه في العمق يخدم غرضًا واحدًا،
ورُبَّ صورة أو إيقاع أو تحول أسلوبي يبدو لأول وهلة منفصلًا، لكنه عند التأمل
يكشف عن دوره في البناء الكلي للسورة.
ومن هنا جاءت
قراءاته القرآنية قائمةً على الصبر الطويل على النص، وعلى إعادة النظر فيه مرة بعد
أخرى؛ بحثًا عن الوحدة العميقة التي تنتظم أجزائه، وهي سمة تُذكِّر بالفعل بطريقة
كبار علماء البيان القرآني الذين كانوا يرون أن القرآن لا يعطي أسراره لمن يمر
عليه مرورًا سريعًا، بل لمن يطيل التأمل، ويمنح النص وقته الكامل من النظر
والتدبر.
ولعل هذا ما جعل
دراساتِه التطبيقيةَ تمتازُ بطول النفس، وكثرة استحضار أقوال المفسرين والبلاغيين،
ثم إعادة تركيبها داخل رؤية سياقية جامعة، تحاول الكشف عن منطق السورة الداخلي،
وعن هندستها التعبيرية الدقيقة.
البلاغة بوصفها عِلمَ العلاقات الداخلية
ومن هنا أيضًا
تتضحُ طبيعة البلاغة عند الدكتور حسن طبل؛ فهي ليست عنده علمًا للمحسنات اللفظية،
ولا سجلًّا للتقسيمات التعليمية المعلومة، وإنما هي –في جوهرها– علم العلاقات
الداخلية للنص، أي العلم الذي يكشف كيف تتآزرُ العناصر التعبيرية المختلفة من أجل
إنتاج الدلالة والأثر والجمال.
فالجملةُ
القرآنية لا تُقرأ عنده بمعزل عن غرض السورة الكلي، والصورة البيانية لا تُفهم
منفصلةً عن السياق الذي وردت فيه، والعدول الأسلوبي لا يُفسَّر تفسيرًا جزئيًّا
مبتورًا، بل يُنظر إليه داخل حركة النص الكاملة؛ ولهذا كانت قراءاته البلاغية
قائمة على الربط الدائم بين الجزء والكل، وبين المفردة والبنية العامة، وبين
الظاهرة الأسلوبية ووظيفتها في السياق.
ومن هنا اقترب
–بوعي واضح– من مفاهيم الانسجام النصي، والتماسك الداخلي التي اهتمت بها الدراساتُ
النصية الحديثة، وإن ظل ينطلق من روح البلاغة العربية نفسها، فهو يدرك أن النص لا
يحقق تأثيره من خلال عناصر متفرقة، بل من خلال شبكة دقيقة من العلاقات التي تمنحه
وحدته وتماسكه وحركته الإيقاعية والدلالية.
ولذلك كان شديدَ
الحساسية تجاه الإيقاع الدلالي داخل السورة؛ أي ذلك التفاعل بين المعاني والصور
والأصوات والتحولات التعبيرية الذي يصنع الجو النفسي الخاص بكل سورة؛ فالسورة عنده
ليست فقط وحدة موضوعية، بل وحدة شعورية وإيقاعية أيضًا، تتولد فيها الدلالة من
تآزر جميع العناصر، لا من المعاني المباشرة وحدها.
وهكذا تحولت
البلاغة في مشروع حسن طبل إلى قراءة عميقة لبنية النص القرآني وعلاقاته الداخلية،
وإلى محاولة لاكتشاف النظام الخفي الذي يمنح القرآن وحدته وجماله وإعجازه، ومن هنا
جاءت دراساتُه بعيدةً عن الشرح المدرسي البارد، قريبة من روح التدبر والكشف
والدهشة الجمالية التي تجعل القارئ يشعر أن النص القرآني كائن حي نابض، لا مجموعة
عبارات متجاورة.
الالتفات.. من الظاهرة البلاغية إلى فلسفة التحول التعبيري
إذا ذُكر اسم
أستاذنا الأستاذ الدكتور حسن طبل، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن –عند كثير من
الباحثين والدارسين– كتابه الفريد: «أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية»، ذلك
الكتاب الذي يمكن القول –دون مبالغة– إنه لم يكن مجرد دراسة لظاهرة بلاغية جزئية،
وإنما كان مشروعًا متكاملًا لإعادة قراءة البلاغة القرآنية نفسها من زاوية جديدة
أكثر عمقًا وحيوية واتصالًا بالنص.
لقد جاء هذا
الكتاب في وقت كانت فيه كثير من الدراسات البلاغية لا تزال تتحرك داخل الحدود
التعليمية التقليدية، فتتناول الالتفات باعتباره بابًا صغيرًا من أبواب علم
المعاني، أو مجرد انتقال بين الضمائر والصيغ، دون النفاذ إلى أبعاده التعبيرية
والنفسية والسياقية الأعمق، أما حسن طبل فقد أعاد فتح هذا الباب على آفاق واسعة،
وحوَّل الالتفات من «ظاهرة» إلى «رؤية» تكشف طبيعة الحركة داخل النص القرآني.
ومن هنا كانت
فرادة الكتاب؛ إذ لم يقف عند حدود التعريفات البلاغية الموروثة، بل تتبع تاريخ
المصطلح منذ بداياته الأولى عند الأصمعي وأبي عبيدة وابن المعتز وقدامة بن جعفر،
ثم راقب تطور المفهوم عبر البلاغيين والمفسرين، حتى استقر عند الزمخشري والسكاكي
وغيرهما بوصفه لونًا من ألوان التحول الأسلوبي ومخالفة مقتضى الظاهر.
غير أن القيمة
الكبرى للكتاب لا تكمن في هذا التتبع التاريخي وحده، وإنما في توسيعه الجذري
لمفهوم الالتفات نفسه؛ إذ لم يعد الالتفات عنده مقصورًا على التحول بين الضمائر،
بل صار يشمل كل مظاهر العدول والتحول التعبيري داخل النص: في الصيغ، والأزمنة،
والعدد، والأدوات، والبنى التركيبية، وغيرها من صور الانحراف الفني المقصود عن
النسق المتوقع.
ولهذا استطاع
الكتاب أن يجمع – بصورة نادرة – بين البلاغة والتفسير والأسلوبية الحديثة؛ فاستفاد
من جهود البلاغيين والمفسرين، كما استثمر مفاهيم علم الأسلوب وتحليل النص، دون أن
يفقد روحه العربية الأصيلة، ومن هنا بدا الكتاب كأنه جسر حي يصل التراث البلاغي
القديم بالمناهج النقدية الحديثة، ويعيد تقديم البلاغة القرآنية بوصفها علمًا
حيًّا قادرًا على التطور والتجدد.
ولعل من أعظم ما
منح هذا الكتابَ قيمتَه العلمية أيضًا ذلك الجهد الموسوعي الذي بذله مؤلفه في تتبع
مواضع الالتفات في القرآن الكريم ما استطاع، حتى خرج بثبت إحصائي دقيق يقارب
الثمانمائة موضع، مما جعل الكتاب مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في البلاغة القرآنية
والأسلوبية النصية معًا.
الالتفات بوصفه حركة إدهاش
ولم يكن
الالتفات عند الدكتور حسن طبل مجرد «انتقال لغوي» بين ضمير وآخر، أو بين زمن وآخر،
وإنما كان فعلًا تعبيريًّا مقصودًا، وحركة فنية تُحدث نوعًا من اليقظة والانتباه
داخل وعي المتلقي؛ ولهذا كان شديد التأكيد على أن الالتفات يرتبط – في جوهره –
بفكرة الإدهاش التعبيري، أي كسر النمط المتوقع من أجل توليد أثر نفسي ودلالي أعمق.
فاللغة – حين
تستمر على نسق واحد – قد تُدخل المتلقي في حالة من الاعتياد، أما حين يقع التحولُ
المفاجئ في الضمير أو الزمن أو الصيغة أو اتجاه الخطاب، فإن الذهن ينتبه، والحس
يستيقظ، وتتولد طاقةٌ جديدة من التلقي والتأمل، ومن هنا كان الالتفات عنده مرتبطًا
أشد الارتباط بفكرة «مخالفة مقتضى الظاهر» التي تحدث عنها البلاغيون، لكنه أعاد
قراءتها في ضوء الحس الأسلوبي الحديث.
ولهذا كان يرى
أن الالتفات ليس زينةً شكلية، بل ضرورة تعبيرية يقتضيها السياق، وأن كل تحول
أسلوبي في القرآن يؤدي وظيفة دلالية أو نفسية أو إيقاعية دقيقة، فالانتقال من
الغيبة إلى الخطاب – مثلًا – قد يكون استدعاءً أشد لانتباه السامع، أو تعميقًا
لحضور المعنى، أو نقلًا للمشهد من حال السرد إلى حال المواجهة الحية المباشرة.
ومن هنا جاءت
قراءاته التطبيقية غنيةً بالكشف عن الوظائف الدقيقة للتحولات التعبيرية؛ إذ لم يكن
يكتفي بوصف الظاهرة، بل كان يسأل دائمًا: لماذا وقع هذا التحولُ هنا تحديدًا؟ وما
أثره في السياق؟ وكيف أسهم في بناء المعنى أو توجيه الشعور أو تعميق الإيقاع
النفسي للنص؟
لقد تحوَّل
الالتفاتُ في مشروعه من بابٍ بلاغي محدود إلى فلسفة كاملة لفهم الحركة الداخلية
للنص القرآني، وإدراك كيف يصنعُ القرآنُ تأثيرَه العجيبَ عبر التحولات الدقيقة في
البناء التعبيري.
من البلاغة القديمة إلى علم الأسلوب
ومن أبرز مظاهر
التجديد في كتاب «أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية» أن مؤلفه لم يتعامل مع
البلاغة القديمة بوصفها تراثًا مغلقًا، بل بوصفها أرضية يمكن أن تتحاور مع المناهج
الحديثة وتستفيد منها دون أن تفقد هويتها.
ولهذا نجده يربط
بين مفهوم الالتفات عند البلاغيين ومفاهيم أسلوبية حديثة مثل: الاختيار،
والانحراف، والسياق، والتضاد البنيوي، وغيرها من المصطلحات التي اشتغل بها علمُ
الأسلوب وتحليل النص، فقد رأى أن ما سماه البلاغيون «العدول» أو «مخالفة مقتضى
الظاهر» يلتقي –في جوهره– مع فكرة الانحراف الأسلوبي في النقد الحديث، حيث تتحقق
الظاهرة الأسلوبية عبر الخروج المقصود على النمط المتوقع داخل السياق.
ومن هنا جاءت
قراءته للالتفات بوصفه فعل «اختيار»؛ لأن المتكلم كان يمكنه أن يستمر على النسق
المألوف، لكنه آثر العدول إلى تركيب آخر لما يحمله من أثر دلالي وجمالي خاص، كما
ربطه بمفهوم «السياق»؛ لأن التحول لا يُفهم إلا داخل النظام النصي الذي وقع فيه،
لا بوصفه ظاهرة معزولة منفصلة عن حركة الكلام، غير أن حسن طبل – رغم انفتاحه على
اللسانيات الحديثة – لم يقع في أسر المصطلحات الغربية، ولم يذُب في المناهج
الوافدة، بل ظل حريصًا على أن تكون البلاغة العربية هي الأصل المرجعي الذي تُعاد
قراءة المناهج الحديثة في ضوئه، لا العكس.
ولهذا بدا
مشروعُه في هذا الكتاب واحدًا من أبرز محاولات تجديد البلاغة القرآنية في العصر
الحديث؛ لأنه أعاد وصلها بالنص، وبالسياق، وبالذوق، وبالتحليل الأسلوبي العميق،
وجعلها قادرة على محاورة الأسئلة النقدية الحديثة دون أن تتخلى عن جذورها العربية
والإسلامية.
ومن هنا لم يعد
الالتفات –في رؤيته– مجرد فن بلاغي من فنون البديع أو المعاني، بل صار مفتاحًا
لفهم دينامية النص القرآني، وحركته الداخلية، وطاقته الإدهاشية التي تجعل القارئ
في حالة يقظة دائمة أمام البيان الإلهي المعجز.
مشروعه النقدي.. من النص إلى الذوق
لم يكن الدكتور
حسن طبل ينظر إلى النقد الأدبي بوصفه سلطةً تصدر الأحكام، أو منصةً للمديح
والتجريح، وإنما كان يراه فعلًا من أفعال الكشف والإضاءة، ومحاولةً للاقتراب من
أسرار النص، وفكِّ شفراته، واستنطاق طبقاته الدلالية والجمالية؛ ولهذا جاءت رؤيته
للنقد بعيدة عن التعالي المدرسي أو القسوة القضائية التي تُحوِّل الناقد إلى قاضٍ
يجلس فوق النصوص ليمنحها شهادات الجودة أو الرداءة.
وقد عبَّر عن
هذه الرؤية بوضوح لافت في حواره مع صديقنا وزميلنا الأستاذ صبري الموجي، المنشور
في جريدة الأهرام عدد (50691) بتاريخ الجمعة 27 من ربيع الأول 1447هــ/19 سبتمبر
2025م، حين أكد أن وظيفة الناقد الأدبي لا تنحصر في مجرد الحكم على النص أو صاحبه،
بل تتمثل أساسًا في «التعريف بالنص عن طريق إضاءته»، وهذه العبارة وحدها تكشف جوهر
مشروعه النقدي كله؛ فالنقد عنده ليس ممارسة سلطوية، بل فعل مشاركة في الكشف
الجمالي، ومحاولة لفتح النص أمام القارئ كي يرى ما قد تُخفيه القراءة العَجْلى أو
السطحية.
ومن هنا كان يرى
أن الناقد الحقيقي ليس قاضيًا يُصدر الأحكام النهائية، وإنما كاشف يزيح الغبار عن
مناطق الجمال والدلالة داخل النص؛ ولهذا استشهد –في حواره– بأعمال أدبية عظيمة ظلت
زمنًا طويلًا مطوية في الظل حتى جاء النقد الجاد فأعاد اكتشافها، وكشف عن قيمتها الفنية
والحضارية.
كما كان شديد
الإيمان بأن النص –بمجرد كتابته– يغادر سلطة مؤلفه، ويصبح ملكًا للقارئ؛ ولذلك رفض
فكرة البحث عن «المعنى الوحيد» الذي قصده المبدع، ورأى أن تعدد القراءات
والتفسيرات ليس اعتداءً على النص، بل إثراءٌ له وتوسيع لأفقه الدلالي، ومن هنا
جاءت رؤيته للنص الأدبي بوصفه كائنًا حيًّا مفتوحًا على التأويل، لا وثيقة مغلقة
ذات معنى أحادي جامد.. وهذا التصور يكشف عن عقل نقدي عميق، يجمع بين احترام النص،
والثقة بالقارئ، والإيمان بأن الأدب الحقيقي أكبر من أن يُختزل في حكم سريع أو
تفسير نهائي مغلق.
ضد الجفاف المدرسي
ومن هنا أيضًا نفهم سر النفور الذي كان يشعر به الدكتور حسن طبل تجاه الطريقة المدرسية الجافة في تدريس البلاغة والنقد، فقد كان يرى أن البلاغة –حين تتحول إلى قوالب محفوظة وتعريفات ميكانيكية– تفقد روحها الحقيقية، وتتحول من علمٍ للذوق والكشف إلى عبء ثقيل على المتعلمين.
ولهذا كان
حريصًا –في دروسه وكتبه– على أن يسبق التذوقُ المصطلحَ، وأن تأتي المتعة الجمالية
قبل التقسيمات التعليمية، فهو لا يبدأ من المصطلح ليبحث له عن مثال، بل يبدأ من
النص الحي، ومن دهشة التعبير، ومن حرارة المعنى، ثم يكشف بعد ذلك عن الآليات
البلاغية الكامنة فيه.
ولعل هذا ما جعل
أثرَه في طلابه بالغ العمق؛ إذ لم يكونوا يشعرون –وهم يجلسون بين يديه– أنهم
يتلقون مادة جامعية جافة، بل كانوا يعيشون تجربة تأملية حقيقية داخل النصوص، خاصة
النص القرآني، حتى إن كثيرين منهم ربطوا بين دروسه وبين بداية اكتشافهم لجمال
البلاغة وعمق القرآن.
وقد انعكس هذا
التصور بوضوح في مقاربته للنصوص؛ إذ لم يكن يميل إلى الشروح الآلية أو استخراج
المحسنات استخراجًا صناعيًّا، وإنما كان يقترب من النص بوصفه بناءً حيًّا، تتولد
دلالاته من تفاعل عناصره، ومن حركة المعنى داخله، ومن علاقات الصورة بالسياق
والإيقاع والشعور؛ ولهذا جاءت قراءاته دائمًا ذات طابع تأملي عميق، تحاول أن
تستكشف «كيف يعمل النص»، لا أن تفرض عليه قوالب جاهزة، ومن هنا بدا مشروعه النقدي
أقرب إلى إحياء الذوق البلاغي منه إلى مجرد إعادة إنتاج الدرس المدرسي التقليدي.
موقفه من الفصحى والتضفير
ومن الملامح
اللافتة في شخصية الدكتور حسن طبل موقفه الحاسم من قضية اللغة العربية، ورفضه
الشديد لما يُعرف بـ«التضفير» بين الفصحى والعامية داخل النص الأدبي، فقد كان يرى
أن هذا الخلط لا يمثل إضافة للفصحى، ولا يكشف عن ثراء تعبيري، بل يدل –في كثير من
الأحيان– على عجز الكاتب عن استنطاق إمكانات العربية الفصحى نفسها.
ولهذا لم يكن
يستريح –كما صرَّح بنفسه– حتى إلى مصطلح «التضفير»؛ لأنه كان يراه محاولة لتجميل
ظاهرة لا يقتنع بها من الأساس، وكان يؤمن أن العربية الفصحى قادرة على التعبير عن
أدق الأحاسيس وأعمق التجارب، وأن ضعف بعض الكُتّاب في توظيفها لا يعني عجز اللغة
نفسها.
ولذلك وقف
مدافعًا عن الفصحى لا بوصفها مجرد أداة للتعبير، بل بوصفها وعاءً حضاريًّا يحمل
ذاكرةَ الأمة وهويتها وروحها الثقافية، فاللغة عنده ليست ألفاظًا محايدة، وإنما
تاريخ ورؤية للعالم وامتداد حضاري متصل، ومن ثَم فإن التفريط فيها أو إضعاف حضورها
يعني –بصورة أو بأخرى– إضعاف الصلة بالجذور الثقافية والحضارية للأمة.
ومع ذلك لم يكن
موقفه قائمًا على التعصب الأجوف، بل على رؤية جمالية وفكرية؛ فهو لا يرفض العامية
لأنها عامية فقط، وإنما لأنه يرى أن الإبداع الحقيقي يستطيع أن يُفجِّر طاقات
الفصحى نفسها، دون الحاجة إلى اللجوء إلى الخلط اللغوي الذي قد يُضعف النسيج
التعبيري للنص؛ ولهذا ظل وفيًّا للفصحى في كتابته ورؤيته ومواقفه، مؤمنًا بأنها لا
تزال قادرة على الإبداع والتجدد والتعبير عن الإنسان المعاصر بأقصى درجات العمق
والجمال.
موقفه من الأدب النسوي
وفي السياق
نفسه، كان الدكتور حسن طبل يتحفظ على كثير من التصنيفات الأدبية الحديثة التي تقوم
على أساس الجنس أو الهوية البيولوجية، ومن ذلك مصطلح «الأدب النسوي» الذي صرَّح
–في حواره بالأهرام– بأنه لا يستريح إليه. ولم يكن رفضه لهذا المصطلح نابعًا من
إنكار خصوصية التجربة الإنسانية للمرأة، وإنما من إيمانه بأن معيار الأدب الحقيقي
ليس جنس الكاتب، بل القيمة الفنية للنص، وقدرته على التشكيل اللغوي والتعبير
الجمالي؛ فالأدب عنده فن قبل أي شيء آخر، والفن لا يُقاس بالذكورة والأنوثة، وإنما
بعمق التجربة، وجمال التعبير، وخصوصية الرؤية.
ولهذا كان يرى
أن تصنيف الأدب على أساس الجنس يُدخل الإبداع في تقسيمات خارجية قد تصرف النظر عن
جوهره الفني الحقيقي، فاللغة الأدبية لا تكتسب قيمتها من هوية صاحبها، بل من
قدرتها على بناء عالم تعبيري حي، يجسد التجربة الإنسانية في صورتها الفنية الخاصة،
ومن هنا ظل وفيًّا لفكرته المركزية الكبرى: أن البلاغة والنقد والأدب كلها تدور في
النهاية حول «التشكيل التعبيري»، أي حول الكيفية التي تتحول بها اللغة إلى فن،
والمعنى إلى صورة، والتجربة إلى بناء جمالي قادر على التأثير والبقاء.
العالم المربي وصانع الباحثين
لم يكن الأستاذ
الدكتور حسن طبل من أولئك العلماء الذين يكتفون بتأليف الكتب وتركها على الرفوف،
بل كان يؤمن –إيمانًا عميقًا– بأن أعظم الكتب هي «الكتب البشرية»؛ أي التلاميذ
والباحثين الذين يحملون العلم حيًّا في عقولهم وأرواحهم، ويمضون به في آفاق جديدة؛
ولذلك لم يكن عطاؤه مقصورًا على التأليف والتحقيق والبحث، وإنما امتد –بصورة
لافتة– إلى صناعة الأجيال العلمية، وتكوين الباحثين، وغرس الذائقة البلاغية
والنقدية في نفوس طلابه.
ولهذا أشرف على
عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات متعددة داخل مصر وخارجها،
وتجاوز دوره في الإشراف مجرد المتابعة الأكاديمية الشكلية إلى التكوين الحقيقي
للباحث؛ إذ كان يدفع طلابه إلى القراءة العميقة، والتأمل، وإعادة النظر، وعدم
الاكتفاء بالمقولات الجاهزة أو التكرار المدرسي.
ومن أبرز ما
ميَّز تجربته التربوية أنه لم يكن منغلقًا على المناهج التقليدية، بل كان يشجع
طلابه على الإفادة من المناهج الحديثة في تحليل النصوص؛ كالأسلوبية، وعلم النص،
وتحليل الخطاب، مع الحفاظ على الروح العربية الأصيلة للبلاغة والنقد، فلم يكن يريد
باحثًا حافظًا للمصطلحات، بل كان يصنع باحثًا حيَّ العقل، قادرًا على المحاورة
والمقارنة والتجديد.
ولهذا خرَج من
تحت يديه أجيالٌ من الباحثين المنتشرين في الجامعات العربية، يحملون أثره العلمي
والإنساني معًا، وكان كثير من هؤلاء التلاميذ يشعرون أن أهم ما تعلموه منه ليس
المعلومات وحدها، وإنما طريقة النظر إلى النص، وكيفية التذوق، وأدب البحث، واحترام
العلم، والصبر الطويل على القراءة والتأمل، ومن هنا فهو –بحق– من كبار المعلمين
الذين تتجاوز آثارُهم حدود الكتب الورقية إلى صناعة العقول والقلوب، فيغدو
تلاميذهم امتدادًا حيًّا لمشروعاتهم العلمية والفكرية.
الأستاذ الذي يفتح أبواب القرآن
ولعل من أصدق ما
يُقال في الدكتور حسن طبل أنه لم يكن يُدرِّس البلاغة القرآنية بوصفها مادة
أكاديمية فحسب، بل كان يفتح بها أبواب القرآن أمام طلابه، حتى يشعروا أنهم يقرأونه
لأول مرة.
وأشهد –من واقع
التجربة الشخصية– أنني حين درست على يديه عام 1996م بكلية دار العلوم جامعة
القاهرة كتابه «أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية»، كانت تلك هي المرة الأولى
التي أتذوق فيها بلاغة القرآن بهذا العمق، وأشعر أن وراء الألفاظ عالمًا كاملًا من
الجمال والإدهاش والدلالة.
لقد كان يقرأُ
الآياتِ قراءةَ من يعيش داخلها، لا من يشرحها شرحًا باردًا من وراء حجاب، وكانت
التحولات التعبيرية، وحركة الضمائر، والعدول الأسلوبي، والسياق، والصور البيانية،
تتحول بين يديه إلى كائنات حية نابضة، حتى يشعر الطالب أن النص القرآني يتكشف له
طبقة بعد طبقة، وأنه يدخل إلى أسراره من أبواب لم يكن يلتفت إليها من قبل.
ولم يكن أثرُه
علميًّا فحسب، بل كان وجدانيًّا وتربويًّا أيضًا؛ إذ حبَّب إلينا القرآن، وحبَّب
إلينا البلاغة، وحبَّب إلينا دار العلوم وعلماءها، ولقد كان الفضل –بعد الله– في
هذا التحول الكبير في نظرتي إلى القرآن والبلاغة لأستاذي الدكتور حسن طبل، الذي
جعلنا ندرك أن البلاغة ليست ترفًا علميًّا، وإنما طريقٌ من طرق التدبر، وبابٌ من
أبواب شهود الجمال الإلهي في البيان القرآني.
ولهذا بقيت تلك
الدروس حاضرة في الوجدان رغم مرور ما يقارب ثلاثين عامًا عليها؛ لأن بعض الأساتذة
لا يعلِّمونك مادةً فحسب، بل يغيرون طريقتَك في الرؤية والتذوق والتفكير، ويتركون
في روحك أثرًا لا يزول.
رائد البيان الذي أعاد الحياة إلى البلاغة
لم يكن الدكتور
حسن طبل ينظر إلى البلاغة بوصفها مجموعة مصطلحات تُحفظ، أو قواعد تُستعاد في قاعات
الدرس، وإنما كان يراها طريقةً في النظر إلى اللغة والإنسان والعالم؛ ولهذا جاءت
البلاغة عنده حيَّة نابضة، متصلة بالوجدان والفكر والإيمان، لا علمًا جامدًا
محبوسًا داخل الحدود التعليمية الضيقة.
فالبلاغة –في
مشروعه– ليست مجرد حديث عن استعارة وكناية وتشبيه، وإنما هي كشف عن الكيفية التي
تتحول بها اللغة إلى طاقةٍ للمعنى، وكيف يغدو التعبير مرآةً للروح والفكرة
والشعور، ومن هنا لم يكن اهتمامه بالنص القرآني اهتمامًا فنيًّا محضًا، بل كان
انخراطًا عميقًا في عالمٍ يرى فيه الإنسانُ نفسَه والوجود من حوله على ضوء البيان
الإلهي.
ولهذا ارتبط
مشروعُه كله بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن –في نظره– ليس نصًّا للبلاغة فقط، بل هو
النص الذي صنع الذوق العربي، وبنى الوعي الحضاري، وربّى الحسَّ الجماليَّ
والروحيَّ معًا، ومن هنا كان التذوقُ البلاغي عنده بابًا من أبواب التدبر، وكانت
دراسةُ التعبير القرآني وسيلةً لاكتشاف عمق المعنى الإنساني والإيماني داخل النص.
ولذلك لم يكن
القارئ يخرج من كتبه ودروسه وقد عرف مصطلحًا جديدًا فحسب، بل كان يخرج وفي داخله
شعورٌ بأن البلاغةَ نفسَها قد استعادت معناها الحقيقيَّ؛ أي قدرتها على أن تكون
علمًا للحياة، والرؤية، والدهشة، والكشف، لا مجرد صنعة مدرسية جافة.
ومن هنا أمكن
القول: إن حسن طبل أعاد الحياة إلى البلاغة العربية؛ لأنه أعاد وصلها بالقرآن،
وبالذوق، وبالإنسان، وبالأسئلة الكبرى للمعنى والجمال والهداية.
بين العمق العلمي والصفاء الإنساني
ومع هذا العمق
العلمي الكبير، لم يكن الدكتور حسن طبل صاحب شخصية متعالية أو متكلفة، بل كان
مثالًا للعالم الهادئ الوقور، الذي يفرض احترامه بعلمه وسمته قبل كلماته؛ فقد جمع
–على نحو نادر– بين الصرامة العلمية والصفاء الإنساني، وبين الدقة الأكاديمية
والروح الأبوية الحانية.
وكان الذين
يقتربون منه يشعرون سريعًا أنهم أمام إنسان يَفيضُ هدوءًا واتزانًا، بعيدًا عن
الضجيج والادعاء، قريبًا من طلابه ومحبيه، حريصًا على التوجيه والنصح والتشجيع،
دون استعراض أو استعلاء؛ ولهذا ارتبط اسمُه –في وجدانِ كثيرٍ من تلاميذه– بصورة
«الأستاذ الأب»، الذي لا يكتفي بالتدريس، بل يصنع حوله حالة من الألفة العلمية
والإنسانية الرفيقة.
وقد انعكس هذا
الصفاءُ الإنساني على طريقته في التدريس والبحث؛ إذ لم يكن يميل إلى القسوة
الجارحة أو التعقيد المفتعل، بل كان يشرح المعاني الدقيقة بروح المعلم الحقيقي
الذي يريد أن يفتح للطلاب أبواب الفهم والتذوق، لا أن يبهرهم بغموضه أو يستعرض
فوقهم معارفه.
ولهذا اجتمع له
ما لا يجتمع لكثير من الأكاديميين: الهيبة مع المحبة، والوقار مع القرب، والعمق مع
البساطة، حتى غدا حضورُه في نفوس طلابه حضورًا إنسانيًّا لا يقل عن حضوره العلمي.
لماذا يستحق أن يُعد من أعلام مدرسة القرآن؟
حين ننظر في
مجمل مشروع الدكتور حسن طبل، ندرك بوضوح أنه يستحق أن يُعد واحدًا من أعلام «مدرسة
القرآن» في العصر الحديث؛ لا لأنه كتب في البلاغة القرآنية فحسب، بل لأنه جعل
القرآن مركز مشروعه العلمي كله، وجعل البلاغة طريقًا إلى فهمه وتذوقه وإعادة
اكتشافه.
لقد انشغل بالنص
القرآني لا بوصفه موضوعًا بحثيًّا محدودًا، وإنما بوصفه النصَّ المؤسس للبيان
العربي، والمجالَ الأعلى لتجلّي الطاقة التعبيرية للغة، والينبوع الذي ينبغي أن
تعود إليه البلاغةُ العربية لتستعيد حيويتَها وروحَها.
ومن هنا جاءت
قراءاتُه قائمةً على التدبر، والسياق، ووحدة السورة، والعلاقات الداخلية للنص،
والتحول التعبيري، والإيقاع الدلالي، وكلها مفاتيح تكشف عن عقلٍ بلاغيٍّ حيٍّ لم
يكن يكررُ التراث، بل يُحاوره ويُعيد تشغيلَه في ضوء الوعي النقدي الحديث.
كما أن تجديده
لم يكن تجديدًا صاخبًا يقوم على القطيعة أو الادعاء، بل كان تجديدًا هادئًا
عميقًا، ينطلق من داخل البلاغة العربية نفسها، ويستثمر ما في المناهج الحديثة من
أدوات نافعة، دون أن يذوبَ فيها أو يفقد هُويتَه المعرفية.
ثم إن أثره
الحقيقي لا يتمثل في كتبه وحدها، على قيمتها الكبيرة، وإنما في الأجيال التي
صنعها، والباحثين الذين فتح لهم أبواب القرآن والبلاغة، والذائقة التي غرسها في
نفوس تلاميذه، حتى صار كثيرٌ منهم يحملُ أثرَه العلميَّ والوجداني معًا.
ولهذا كله، فإن
الحديث عن الدكتور حسن طبل ليس حديثًا عن أستاذ جامعي متخصص في البلاغة فحسب، بل
عن عالم قرآني بالمعنى العميق للكلمة؛ رجل عاش مع النص القرآني طويلًا، وأطال
التأمل في بيانه، وأعاد إلى البلاغة شيئًا من روحها الأولى، حين كانتْ علمًا للكشف
والهداية والتذوق والجمال.. وما أحوج الدرس البلاغي العربي اليوم إلى أمثال هؤلاء
العلماء الذين يُعيدون وصلَ العلم بالروح، والبلاغة بالقرآن، والنقد بالتذوق،
والمعرفة بالإنسان.
خاتمة المقال
وهكذا، حين
ننتهي من تأمل هذا المشروع البلاغي القرآني الرفيع، ندرك أننا لم نكن أمام أستاذٍ
جامعيٍّ يدرّس البلاغة فحسب، ولا أمام ناقدٍ أكاديميٍّ يشرح النصوص ويحللها فحسب،
وإنما أمام رجلٍ أعاد وصل البلاغة بالقرآن، وردَّ هذا العلم إلى منبعه الأول الذي
خرج منه، بعد أن كادت البلاغة في كثير من الدروس الجامعية تتحول إلى مصطلحات
جامدة، وتقسيمات مدرسية باردة، بعيدة عن حرارة النص وروحه ودهشته.
لقد أعاد
الدكتور حسن طبل إلى البلاغة روحها الحيّة، فجعلها علمًا للتذوق بعد أن أوشكت أن
تصير علمًا للحفظ، وجعلها بابًا إلى التدبر بعد أن حُبست طويلًا داخل قاعات الشرح
الجاف، وربط بين المعنى والوجدان، وبين البيان والإيمان، حتى غدت دروسُه وكتبُه
أشبهَ برحلةٍ في أسرار التعبير القرآني، لا مجرد تمريناتٍ على استخراج الصور
والمحسنات.
وكانَ من أجمل
ما في مشروعه أنه لم يكتفِ بإحياء البلاغة في الكتب، بل أحياها في النفوس؛ فكم من
طالبٍ أحبَّ القرآن على يديه، وكم من باحثٍ تعلَّم منه كيف يقرأ النصَّ بعين
المتذوق لا بعين الحافظ وحده، وكم من قارئٍ شعر –وهو يُتابعُه– أن اللغةَ يمكن أن
تكون طريقًا إلى الجمال، وأن الجمالَ نفسَه يمكن أن يكون طريقًا إلى الإيمان.
ولقد كنتُ
واحدًا من هؤلاء الذين ترك في نفوسهم أثرًا لا يزول، فمنذ ما يقرب من ثلاثين
عامًا، حين جلستُ في قاعات دار العلوم أدرس عليه كتابه العظيم: «أسلوب الالتفات في
البلاغة القرآنية»، كانت تلك – بحق – المرة الأولى التي أشعر فيها أنني لا أقرأ
القرآن بعيني فقط، بل أتذوقه بروحي أيضًا، هناك انفتحت أمامي أبوابٌ جديدة لمعاني
البيان القرآني، وهناك أدركت أن البلاغة ليست زينةً لفظية، بل كشفٌ عن أسرار
التعبير الإلهي، وأن كلَّ تحولٍ في الضمير، وكل التفاتٍ في السياق، وكل عدولٍ في
النظم، إنما وراءه معنى، ووراء المعنى روح، ووراء الروح هداية في القلوب والعقول.
ومنذ ذلك الوقت،
بقي أثر أستاذنا الدكتور حسن طبل في نفسي، وفي ذائقتي، وفي طريقتي في قراءة القرآن
الكريم؛ أثرًا لا تصنعه الدروس العادية، بل يصنعه العلماء الذين يفتح الله بهم
مغاليق القلوب قبل مغاليق النصوص.
فجزاه الله عن
العربية خير الجزاء، وجزاه عن القرآن وأهله خير ما يجزي به العلماء الصادقين،
وبارك في عمره وعلمه وأثره، وجعل ما بثَّه في طلابه ومحبيه من نور البيان والتذوق
والتدبر في ميزان حسناته يوم يلقى الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً