محمد محيي الدين عبدالحميد.. حارس التراث اللغوي ورائد التحديث المنهجي
محمد محيي الدين
عبدالحميد؛ شيخ العربية في عصره، الذي شرح مؤلفاتها، ويسّر طرقها، وعلّق على
متونها، لم يكن مجرد أستاذ في الأزهر، بل كان يتميز بأسلوبه الفريد في الشرح حيث
استطاع أن يجعل كتب النحو القديمة قريبة من قلوب الباحثين، بطريقة بسيطة تمزج بين
روح التراث ودقة العلم الحديث، فهو واحد من أبرز علماء النحو في القرن العشرين
وبفضله، عادت كتب النحو الكلاسيكية للحياة، حيث قدّمها بوضوح وسلاسة للأجيال
الجديدة، فهو حلقة وصل ربطت بين تراث سيبويه وطريقة المجددين.
بيئة العلم والنشأة المباركة
وراء هذا العلم
بيئة مليئة بحب العلم وتقديره؛ فالشيخ وُلد في قرية كفر الحمام بمحافظة الشرقية
عام (1318هـ/ 1900م)، ونشأ في كنف والده العالم الأزهري الشيخ عبد الحميد إبراهيم
الذي كان من رجال القضاء والفتيا، وترعرع الطفل الناشئ ليسمع آيات القرآن الكريم
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسائل العلم في نقاش الزائرين، والصفوة من
العلماء المجتمعين في مجالس الفقه واللغة التي يقيمها والده في منزله، ويلحظ
لوالده من الهيبة والمكانة ما دفع به إلى محاكاته، فأكبَّ على القراءة والمطالعة
تسعفه نفس دؤوبة، وذاكرة واعية، فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ثم التحق بالأزهر
الشريف.
المسيرة الأكاديمية والموسوعية العلمية
حصل محمد محيي
الدين على العالمية النظامية بالقاهرة سنة 1925م، وعمل في التدريس بمصر، حتى إذ
أنشئت كليات الجامع الأزهر لأول مرة اختير للتدريس بكلية اللغة العربية سنة
(1350هـ/ 1931م)، وكان أصغر أعضاء هيئة التدريس بالكلية سنًا، وبعد ذلك اختير في
لجنة الفتوى بالأزهر عضوًا، ثم تولى رئاستها، ثم عميدًا لكلية اللغة العربية، وقد
رأى فيه مجمع اللغة العربية اللغوي البارع القدير فضمه إلى أعضائه في سنة 1965م.
وفي الحفل الذي
أُقيم لاستقباله بمجمع اللغة العربية قال الأستاذ العلامة محمد علي النجار: «لقد
قيل في الطبري: إنه كان كالقارئ الذي لا يعرف إلا القرآن، وكالمحدث الذي لا يعرف
إلا الحديث، وكالفقيه الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو،
وكذلك يقال في (الشيخ محيي الدين)، إنه كالنحوي الذي لا يعرف إلا النحو، وكالفقيه
الذي لا يعرف إلا الفقه، وكالمحدث الذي لا يعرف إلا الحديث، وكالمتكلم الذي لا
يعرف إلا الكلام».
ومرجع ذلك أن
تعدد المعارف العلمية كان من سمات علماء الأزهر؛ فكان الشيخ عالمًا موسوعيًا
بارعًا في العديد من العلوم والفنون، وآية ذلك ما ألفه من الكتب في هذه الفنون إلى
جانب اللغة، وتعليقه على متون كتب المذهب الحنفي والشافعي، بالإضافة إلى تبحُّره
وتأليفه في علوم أصول الفقه، وعلم الكلام، والحديث، والسيرة، ومن مؤلفاته
وتحقيقاته في علوم الشريعة: «الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية»، «أحكام
المواريث على المذاهب الأربعة»، «التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية» (ثلاثة
أجزاء)، «مقالات الإسلاميين للأشعري»، و«الفَرْق بين الفِرَق للبغدادي».
إحياء أمهات كتب التراث
وكان للشيخ
العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد من اسمه الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر؛ فقد
أحيا أكثرَ من ثلاثمائة كتاب من أمهات كتب التراث شرحًا وتحقيقًا ونشرا، وكان يهدف
بهذه المعالجة تيسير دراستها وتذليل القراءة والبحث فيها، فنقلها من ظلام القدم
إلى نور الجدة والشباب؛ وهو ما أسهم في إحياء التراث اللغوي عبر تحقيقاته التي
انتشرت في العالم العربي أجمع، ومن الكتب التي حققها:
- شرح ابن عقيل.
- شرح قطر الندى
لابن هشام.
- شرح شذور
الذهب لابن هشام.
- أوضح المسالك
إلى ألفية ابن مالك لابن هشام.
- مغني اللبيب
لابن هشام.
- شرح الأشموني
على ألفية ابن مالك.
- الإنصاف في
مسائل الخلاف بين النحاة الكوفيين والبصريين لابن الأنباري.
- الإيضاح في
علوم البلاغة للخطيب القزويني.
- الموازنة بين
أبي تمام والبحتري للآمدي.
- العمدة لابن
رشيق.
منهجه في الضبط وآداب المناظرة
ونتيجة لثمرة
إخلاصه وعلمه، كان جُلّ ما يُدرَّس في معاهد الأزهر الشريف وجامعته من تأليف الشيخ
الجليل أو من إخراجه وتحقيقه في فترة من الفترات، واتسم منهجه بالوضوح والدقة فجمع
بين التحقيق التراثي والشرح المبسط للطلاب؛ فهو يشرح ليزيل الغموض وله تعليقات
دقيقة على النصوص فكان مثالا لضبط النصوص بدقة، وكان يرى النحو "ميزان
العربية" ووسيلة لحماية اللغة التي هي لسان الوحي، فركز على التمثيل والإعراب
التطبيقي بهدف تيسير النحو دون الإخلال بأصوله.
ولا تجد محبا
للعربية إلا وقد أفاد من مؤلفاته، ومن أهم كتبه التي لا غنى لكل باحث عنها كتاب
(رسالة الآداب في علم آداب البحث والمناظرة)، لا سيما والمجتمع في الوقت الراهن
بحاجة لمعرفة آداب الحوار التي تخلى عن الكثير منها.
ومن آداب
المتناظرين التي ذكرها الشيخ في رسالته تلك: "ألا يَسخَر أحدهما من صاحبه،
وأن يقصد كل منهما ظهور الصواب ولو على يد صاحبه، وألا يتعرض أحدهما لكلام صاحبه
قبل أن يفهم غرضه منه"، وبهذا لا يكون هدف المناظر مجرد إفحام الخصم، وإنما
تحليه بآداب المحاورة وتفنيد الأقوال والتسليم بما يلزم التسليم به.
الأثر الخالد والرحيل
أثّر الشيخ في
أجيال من العلماء والمحققين، وتتلمذ له واحد من أكبر الدعاة والعلماء في وهو فضيلة
الشيخ محمد متولي الشعراوي، فقد كان تلميذه في معهد الزقازيق الديني ثم في كلية
اللغة العربية، كما أفاد منه أساتذة الجامعات في مصر والسودان، فهو واضعُ مناهج
العلوم الشرعية لجامعة الخرطوم (كلية جوردون سابقًا).
قضى الشيخ محمد
محيي الدين عبد الحميد -رحمه الله- ما يزيد على خمسين عامًا في خدمة العلم، حتى
وافته المَنيِّة في 25 ذي القعدة 1392هـ/ 30 ديسمبر 1972م، وقد أثرَت مؤلفاته
المكتبة العربية والإسلامية بما يزيد على ثلاثمائة كتاب، ولا يتمكن من إنجاز هذا
الكم الهائل إلا من كان منقطعـًا للعلم متبتلاً في محراب التأليف والتحقيق، يحمل
خصائص العباقرة الأفذاذ.
رزقنا الله
همّته وأخلف الأمة أمثاله، وسلام على روحه في الخالدين.
اقرأ
أيضاً:
- د.
حلمي القاعود.. فارس الهوية والأصالة
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً