امرأة متحرشة!
غالباً ما يتحمل
الرجل وحده وزر التحرش، وتكال له التهم، وتلصق به النقائص، ويزج به خلف القضبان،
وقد يدفع أثماناً فادحة في حياته الأسرية والاجتماعية والوظيفية، بعدما أصبح
متحرشاً ومجرماً في نظر القانون والناس.
تتعالى نبرة
الهجوم على الرجل وحده، وسط ازدراء مجتمعي، وانتقاد إعلامي، وتوجه نسوي، يحمله
أوزار الجريمة كلها، دون تبعات على المرأة، أو مسؤولية تقع على الآخرين، في مجتمع
قد يوفر جميع أسباب الجريمة، ثم يعاقب مرتكبها فقط!
السؤال الممنوع
هل هناك امرأة متحرشة؟! هذا هو السؤال الممنوع، الذي تمتنع المرأة عن طرحه بشكل صريح؛ ربما تلذذاً بأنها الضحية، أو تعلقاً بحبل المظلومية، أو للإبقاء على حظوتها من نصرة القانون والمجتمع والرجال أنفسهم، كونها هي المستهدفة بجريمة التحرش، والواقعة تحت براثنها، وليست أحد مرتكبيها.
رأيت بعيني،
وسمعت بأذني، فتيات في عمر الزهور، يتحرشن بشباب ورجال أكبر منهن عمراً، لا أدري،
هل تقليد أعمى لسلوكيات فاسدة في أعمال درامية وسينمائية هابطة، أم بحث عن خوض
تجربة عاطفية في الحرام، أم تدنٍّ في التربية، وسوء في الخلق؟
أمام المدارس
والجامعات، وفي الأسواق والمولات، ووسط مشجعي كرة القدم، وعبر الهواتف، ومقاطع
«الريلز» و«تيك توك»، ترى من جنس النساء من تتعمد الاختلاط بالرجال، وتتحرش
بمتابعيها، وتلقي إليهم بالنكات البذيئة، والكلمات الإباحية، ومن تتفنن بتعرية
مفاتنها، ولا أرى في هذا إلا تحرشاً صريحاً.
بل إن من نساء
بعض المجتمعات العربية والإسلامية، وهو من بلاء هذا الزمان، من تتزين على يد ذكر،
وتعد تسريحة شعرها بواسطة «كوافير»، وتشتري ملابسها الداخلية من الرجال، وتخضع
بالقول ليناً وغنجاً أمام الأجنبي، أليس هذا من مقدمات التحرش، ومن العوامل
المحفزة عليه؟!
تحرش نسائي
هناك نوعية من
الجرائم ستظل معلقة في رقبة الرجال، لأسباب كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها، منها
جريمة التحرش، رغم أن المرأة، في كثير من الأحيان، هي من تمنح الرجل الفرصة الأكبر
للتحرش بها، أو النَّيْل منها، بل هي من تجعل الباب موارباً للوقوع في الاختلاط
والمنكر والحرام، إذا اتبعت خطوات الشيطان.
تحت لافتات
براقة مثل الزمالة، والصداقة، والقرابة، وظروف العمل، والدراسة، والسفر، وغيرها من
أحوال اُستحدثت في زماننا، قد تتساهل المرأة، وتفتح الباب رويداً رويداً أمام
الآخرين، ثم إذا وقع -ما لا يُحمد عقباه- اتهمت هذا أو ذاك بالتحرش.
إن امرأة العزيز
هي من بدأت جريمة التحرش بنبي الله يوسف عليه السلام، وقد راودته عن نفسه، وقدت
قميصه من دبر، لتوقع به في الفاحشة، قال الله تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا
عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ
اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: 23).
لا توجد إحصاءات
دقيقة ترصد حجم التحرش بالرجال في العالم العربي، لكن إحصاءات أمريكية رسمية،
صادرة في العام 2020م، تفيد بأن نحو 17% من ضحايا التحرش الجنسي في البلاد هم
رجال، بحسب المسح الوطني لضحايا الجريمة (مسح سنوي يتم إجراؤه في الولايات
المتحدة).
ويشير المعهد
الأسترالي لدراسات الجريمة إلى أن واحداً من كل 10 رجال تعرض لنوع من التحرش
الجنسي، بينما تؤكد دراسة أجرتها منظمة «YouGov» (شركة
دولية في مجال أبحاث السوق وتحليل البيانات)، عام 2016م، أن نحو 12% من الرجال
تعرضوا لتحرش جنسي في مكان العمل ببريطانيا، بينما أشارت دراسة أخرى إلى أن 7% من
الرجال تعرضوا للتحرش الجنسي، بحسب هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية
(حكومية).
مصيدة التحرش
من المسكوت عنه
أن التركيز الإعلامي والقانوني والحقوقي والمجتمعي ينصبّ فقط على جريمة التحرش
الجنسي بالنساء، لكن الرجال أيضاً يتعرضون للتحرش، وما نراه من تجاوزات في الملبس
والزينة ووضع العطور المثيرة، وما تبرزه النساء في بعض المجتمعات من مفاتنهن
الجسدية، يؤكد بشكل قاطع أن التحرش في كثير من الأحيان تبدأه المرأة!
لقد كان القرآن
الكريم واضحاً وصريحاً وجازماً، حينما نقب عن مسببات الجريمة، وأغلق باب الفتنة،
ووضع حداً لما يستتبعها من منكر وفحش ورذيلة، فقال تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ
الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) (الأحزاب: 32).
الخطاب الرباني
موجَّه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهن إلى المسلمات والمؤمنات
كافة، ومفاده ألا يكون كلامهن بحضرة الرجال -غير المحارم والزوج- رقيقاً ليناً
مثيراً، تظهر فيه أنوثة المرأة، ودلالها، وضحكاتها، فتميل إليها قلوب وشهوة
الرجال، فيسيء الظن بها، ويطمع في جسدها من في قلبه مرض، وهم كُثر.
لا أبرئ الرجل
من وزر التحرش، وكذلك لا أبرئ المرأة من الوزر ذاته، ولنكن صرحاء ومنصفين، في
القول، بأن الطرفين شريكان في الجريمة، وأن المرأة قد تبدأ الغواية، وتطلق شرارة
التحرش الأولى، قصدت ذلك أم لا، وقد تُبدي من زينتها وتبرجها وأنوثتها -مما لا
يجوز لغير الزوج- ما يثير شهية شياطين الإنس، وقتئذ، سيكون لدينا في قفص الاتهام
«امرأة متحرشة».
اقرأ
أيضاً:
قراءة في
توصيات كتاب «أحكام التحرش الجنسي»
النسوية
المستحدثة.. إثارة وتحرش وأشياء أخرى!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً