الاقتصاد الأخضر.. والتنمية المستدامة
أصبح الاقتصاد
الأخضر من المفاهيم الحديثة التي اكتسبت أهمية متزايدة في الفكر الاقتصادي
المعاصر، نتيجة تنامي المشكلات البيئية المرتبطة بأنماط الإنتاج والاستهلاك
التقليدية، مثل تغير المناخ، واستنزاف الموارد الطبيعية، وارتفاع معدلات التلوث.
وقد أدى ذلك إلى
ظهور الحاجة إلى نموذج اقتصادي يستطيع تحقيق النمو وتحسين مستويات المعيشة مع
المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة.
مفهوم الاقتصاد الأخضر
يعرف برنامج
الأمم المتحدة للبيئة الاقتصاد الأخضر بأنه اقتصاد يؤدي إلى تحسين رفاه الإنسان
وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع الحد بصورة ملحوظة من الأخطار البيئية وندرة
الموارد الطبيعية، ويقوم هذا المفهوم على إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات
التي تحقق كفاءة أكبر في استخدام الموارد والطاقة، وتحد من التلوث والانبعاثات،
وتدعم التنمية الاجتماعية(1).
ويرتبط الاقتصاد
الأخضر ارتباطًا وثيقًا بمفهوم النمو الأخضر الذي طورته منظمة التعاون الاقتصادي
والتنمية، حيث يقوم على تحقيق النمو الاقتصادي والتنمية مع ضمان استمرار الأصول
الطبيعية في توفير الموارد والخدمات البيئية التي يعتمد عليها رفاه الإنسان، وبالتالي
فإن الاقتصاد الأخضر لا يعني التضحية بالنمو الاقتصادي، وإنما إعادة توجيه النمو
بحيث يصبح أكثر كفاءة وأقل استنزافًا للموارد الطبيعية(2).
الاقتصاد الأخضر.. والتنمية المستدامة
يمثل الاقتصاد
الأخضر إحدى الأدوات المهمة لتحقيق التنمية المستدامة، لأنه يعمل على تحقيق
التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية، فالتنمية لا يمكن
أن تستمر على المدى الطويل إذا اعتمدت على استنزاف الموارد الطبيعية أو تدمير
البيئة، لأن تدهور البيئة يؤدي في النهاية إلى ارتفاع التكاليف الاقتصادية
والاجتماعية ويؤثر سلبًا في رفاه الإنسان(3).
ويتميز الاقتصاد
الأخضر بأنه ينظر إلى البيئة باعتبارها جزءًا من رأس المال الاقتصادي وليس مجرد
عامل خارجي عن النشاط الاقتصادي، فالمياه والتربة والغابات والتنوع البيولوجي
والموارد الطبيعية تمثل أصولًا اقتصادية توفر خدمات ضرورية للإنتاج والاستهلاك، ومن
ثم فإن المحافظة عليها تعد استثمارًا في القدرة الإنتاجية المستقبلية للاقتصاد(4).
أهم مجالات الاقتصاد الأخضر
تعد الطاقة
المتجددة من أهم مجالات الاقتصاد الأخضر، حيث تمثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح
والطاقة الكهرومائية بدائل مهمة لمصادر الطاقة التقليدية، خاصة الوقود الأحفوري، ويسهم
التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة في تقليل انبعاثات غازات الاحتباس
الحراري، فضلًا عن خلق أسواق جديدة وفرص استثمارية وفرص عمل مرتبطة بالتكنولوجيا
الخضراء(5).
ويمثل الاقتصاد
الدائري وإعادة تدوير المخلفات أحد المكونات الرئيسة للاقتصاد الأخضر، إذ يقوم على
تقليل استخدام الموارد الأولية وإطالة العمر الإنتاجي للمنتجات وإعادة استخدام
المواد والمكونات، ويساعد هذا الاتجاه على الحد من المخلفات وتقليل الضغط على
الموارد الطبيعية، فضلًا عن إمكانية خلق أنشطة اقتصادية وصناعات جديدة قائمة على
إعادة الاستخدام والتدوير(6).
كما يمثل القطاع
الزراعي أحد المجالات المهمة للتحول الأخضر، من خلال تبني نظم زراعية أكثر كفاءة
في استخدام المياه والطاقة، والحد من الاستخدام المفرط للمدخلات الزراعية، والحفاظ
على خصوبة التربة والتنوع البيولوجي، ويمكن لهذه السياسات أن تسهم في تحقيق الأمن
الغذائي وتحسين دخول السكان في المناطق الريفية مع تقليل الآثار البيئية للنشاط
الزراعي.
الاقتصاد الأخضر.. والنمو الاقتصادي
لا يمثل التحول
نحو الاقتصاد الأخضر بالضرورة قيدًا على النمو الاقتصادي، بل يمكن أن يكون مصدرًا
جديدًا للنمو من خلال الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة والابتكار وكفاءة استخدام
الموارد، فالمؤسسات التي تستطيع خفض استهلاك الطاقة والمواد الخام تستطيع في كثير
من الحالات تخفيض تكاليف الإنتاج وتحسين قدرتها التنافسية.
كما يؤدي الاقتصاد الأخضر إلى ظهور قطاعات اقتصادية جديدة مثل الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، وإدارة المخلفات، وكفاءة الطاقة، والمباني الخضراء، والتكنولوجيا البيئية، وتؤدي هذه القطاعات إلى خلق وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات متخصصة، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب وإعادة تأهيل العمالة عنصرًا مهمًا في عملية التحول الأخضر(7).
الهوامش
- 1 -United Nations Environment Programme (UNEP), Towards a Green Economy: Pathways to Sustainable Development and Poverty Eradication, UNEP, Nairobi, 2011, pp، 16–17.
- 2 -OECD, Towards Green Growth, OECD Publishing, Paris, 2011, pp، 9–10.
- 3 World Bank, Inclusive Green Growth: The Pathway to Sustainable Development, World Bank, Washington, D.C., 2012, pp، 1–3.
- 4 -OECD, Green Growth Studies: Green Growth in Cities, OECD Publishing, Paris, 2013, pp، 21–23.
- 5 -International Renewable Energy Agency (IRENA), Renewable Energy and Jobs – Annual Review 2023, IRENA, Abu Dhabi, 2023, pp، 1–5.
- 6 -United Nations Environment Programme (UNEP), Global Resources Outlook 2024: Bend the Trend – Pathways to a Liveable Planet as Resource Use Spikes, UNEP, Nairobi, 2024, pp، 20–25.
- 7 -International Labour Organization (ILO), World Employment and Social Outlook 2018: Greening with Jobs, International Labour Office, Geneva, 2018, pp، 1–6.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً