كيف نرشد الرقمية في رمضان؟

مصطفى عاشور

01 مارس 2026

340

الصوم مفهوم واسع، يستوعب مستجدات الزمان والمكان، فبجانب كونه عبادة وشعيرة فرضها الله على المسلمين، هو أيضاً فلسفة ونهج حياة، غايته تقوية الإرادة، وأن يمتلك الإنسانُ الأشياءَ لا أن يخضع لها، أو يصبح أسيراً لها لا يستطيع الفكاك من أسرها.

وقديماً كتب العلامة الراحل محمود شاكر رحمه الله تعالى مقالاً مهماً بعنوان «عبادة الأحرار»، تحدث فيه عن جانب مغفل عند الحديث عن الصوم، وهو كون الصوم يحرر الإنسان من أي تسلط أو سلطان يقمع إرادته حتى ولو كان الطعام والشراب والتناسل، وتلك هي مقومات الحياة الأساسية، والامتناع عن سواها يكون أيسر، ولذا وصفه بأنه عبادة الأحرار، وتهذيب الأحرار، وثقافة الأحرار.

كانت فكرة شاكر أن سوء التفسير لمعاني العبادة من الابتلاءات التي وقع فيها المسلمون؛ لذا وصف الصوم بأنه عتق للنفس الإنسانية من كل رق، لذا جعل الشرعُ من الصيام معادلاً لتحرير الرقبة في 3 أحكام في القرآن الكريم، وهي القتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة اليمين.

قد يبدو غريباً الحديث عن معاني الحرية في الصيام ونحن نتناول ضرورة ترشيد الرقمية في رمضان، فالخضوع لما يمكن تسميته بالإدمان الرقمي أصبح يستحوذ على وقت الإنسان ووعيه، ويبتلع علاقاته وحتى معاني الإنسانية في أعماقه، تلك المساحة الصافية التي كان يجد فيها الإنسان نفسه والآخرين، أخذت تتلاشى مع تغول الرقمية على الإنسان ذاتاً ووقتاً.

تشير إحصاءات لعام 2025م أن المتوسط العالمي لما يقضه الشخص على مواقع التواصل الاجتماعي يومياً حوالي 141 دقيقة يومياً؛ أي حوالي الساعتين والثلث تقريباً، وهذا أدنى حد، إذ يزيد عند المراهقين والفتيات وصغار السن إلى ضعف هذا الوقت، وأن متوسط الاستخدام العالمي للشخص يومياً للإنترنت حوالي 6 ساعات و38 دقيقة، وأن مواقع التواصل الاجتماعي تستحوذ على 38% من هذا الوقت، وهو ما يعادل 15 ساعة أسبوعياً على أقل تقدير؛ أي ما يقرب من 60 ساعة في الشهر؛ أي أن 2.5 يوم بالكامل يقضيها الشخص على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويذكر بعض محبي القرآن الكريم أن ختم القرآن بقراءة متأنية ختمة واحدة يحتاج إلى 10 ساعات على أقصى تقدير، أما إذا كانت قراءته سريعة التي تُسمى «الحدر» فإنه يحتاج إلى 7 ساعات، وإذا عرفنا أن عدد حروف القرآن الكريم تبلغ 321250 حرفاً، وإذا كان الحرف بعشر حسنات، فإن الختمة الواحدة يحصد فيها المسلم أكثر من 3 ملايين و250 ألف حسنة، ومن ثم فالوقت إذا رُشد استخدامه على مواقع التواصل الاجتماعي فقط يستطيع المسلم أن يختم القرآن الكريم 6 مرات على الأقل في شهر رمضان.

الصوم الرقمي

ترشيد الرقمية اتجاه عالمي، نظراً لتأثيرات الاستخدام المفرط للرقمية على الإنسان صحياً وعقلياً ونفسياً وإنسانياً ودينياً، فالأبحاث تشير إلى أن الرقمية المفرطة أثرت على قدرات الإنسان الذهنية، وأن الصوم الرقمي أصبح حاجة ماسة للإنسان.

البروفيسور ريتشارد سايتويك، المتخصص في علم الأعصاب بجامعة جورج واشنطن الأمريكية، له كتاب مهم في هذا الجانب بعنوان «عقل العصر الحجري في عصر الشاشات»، صدر عام 2024م، تناول تأثير الرقمية على العقل، ونبه إلى ما أسماه طغيان الانتباه حيث إن مخ الإنسان بات مطالباً مع الرقمية بمطاردة المنبهات والمشتتات، رغم أن عقل الإنسان الحالي لم يختلف عن عقل الإنسان الحجري القديم الذي اعتاد أن يكون الصمت والملل العنصرين الطاغيين؛ أما المنبهات فهي الاستثناء وليست القاعدة.

والرقمية تُبقي انتباه الإنسان في حالة تأهب، فالفرد حسب إحصاءات عام 2025م يتلقى ما يقرب من 8 إشعارات كل ساعة؛ أي حوالي 146 إشعاراً في اليوم، ويزيد هذا العدد إلى 176 إشعاراً مع الأجيال الصغيرة أو ما يعرف بـ«جيل زد»؛ وهو ما يجعل الفرد في حالة انتباه وتشتت مستمر، خاصة وأن عقل الإنسان غير مُصمم كما يؤكد سايتويك للتعامل مع هذا التشتت والانتباه شبه الدائم؛ لذا يعاني المخ من الإجهاد نظراً لكثافة المدخلات وضعف القدرة على معالجة هذا الكم الكبير من المعلومات.

ونبه سايتويك أن الشركات تعي آلية الإدمان التي تُنشئها الرقمية، وتدرك أن هذا الإدمان يؤثر على العقل؛ لذلك صرح مدير إحدى شركات الترفيه الرقمي أن العدو الأول لشركته هو النوم، وذلك لأن النوم يجمد تلك الحالة الإدمانية، ويسمح للمخ بأن يستريح قليلاً من عناء الانتباه وضغط المشتتات.

وقدم سايتويك نصائح لترشيد الاستخدام الرقمي حفاظاً على عقل الإنسان ووعيه، ومن نصائحه المهمة الصوم الرقمي وقال: خذ فترات انقطاع بحيث لا تفعل بها أي شيء غير إعطاء المخ فترة لسماع صوت الصمت، وهذا نوع جديد ومفيد من الصوم؛ لأنه يقلل تدفق المنبهات والمشتتات.

عالم صاخب

وهناك كتب أخرى دعت للخروج من هذا الطغيان الرقمي من خلال ترشيد الاستخدام، وجاءت من البروفيسور كال نيوبورت، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة جورج تاون الأمريكية، في كتابه «ترشيد الرقمية: اختيار حياة مركزة في عالم صاخب»، ونبه أن البشر ليسوا مُهيئين للبقاء متصلين بالإنترنت باستمرار، وأن الرقمية تسببت في حرمان الإنسان من العزلة، والعزلة أن يقضي الشخص وقتًا مع أفكاره الخاصة، بعيدًا عن أي تأثير من عقول الآخرين.

وكانت نصيحته لمواجهة هذه الحالة من خلال ترشيد استخدام الرقمية، ومقاومة إغوائها وإغرائها، والحافظ على تواصل جيد مع الأسرة والأصدقاء؛ لأن التواصل يتطلب تضحيات، وقد تكون التضحية ببعض الوقت المخصص للرقمية ذا فائدة لتحقيق الدفء الإنساني، فالصوم الرقمي أو العزلة الرقمية التي طالب بها تتطلب أن يتجاوز الشخص ردود الفعل تجاه المعلومات التي ينشرها الآخرون، والتركيز بدلاً من ذلك على أفكاره وتجاربه الخاصة.

أما الكاتبة ويندي سبيك في كتابها 40 يومًا من الصيام عن التواصل الاجتماعي، فدعت للصوم عن مواقع التواصل الاجتماعي، وحكت تجربتها التي استطاعت من خلال الصوم الرقمي أن تجد ذاتها وعلاقاتها الإنسانية، بعدما استطاعت أن تفصل الرقمية عن ذاتها، وأن تُوجد مسافة بين الذات والوسيط الرقمي، وتقول عن تجربتها: تغيرت الأمور عندما تفوق عليّ هاتفي، بمجرد أن أصبح «فيسبوك» جزءًا لا يتجزأ من حياتي، تحول إلى بوابة دائمة تنقلني بعيدًا عن عائلتي، حتى لو كنا في نفس الغرفة، لم أكن بالضرورة حاضرة معهم، لم يعد «فيسبوك» مجرد وسيلة للراحة أثناء القيلولة، بل أصبح ملاذًا طوال اليوم.



اقرأ أيضاً:

الهوية في العصر الرقمي

من التواصل إلى النميمة الرقمية!

شهادات غربية.. قالوا عن رمضان والصيام!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة