قيادة الأثر بعد لحظة الفتح

كيف يبني القائد ما يبقى؟ عقبة بن نافع وتأسيس القيروان

كيف يبني القائد ما يبقى؟ عقبة بن نافع وتأسيس القيروان

أورد الذهبي في ترجمة عقبة بن نافع القرشي في «سير أعلام النبلاء»، قال: قال الواقدي: جهزه معاوية على عشرة آلاف، فافتتح إفريقية، واختط قيروانها، وكان الموضع غيضة لا يرام من السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها.

وعن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، قال: لما افتتح عقبة بن نافع إفريقية، قال: يا أهل الوادي، إنا حالون إن شاء الله، فاظعنوا، ثلاث مرات، فما رأينا حجراً ولا شجراً إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا بسم الله.

منهج التعامل العلمي مع رواية الواقدي في السير

يحمل خبر تأسيس عقبة بن نافع للقيروان صورة آسرة من صور كتب السير؛ قائد يقف أمام وادٍ موحش، وخلفه جيش ينتظر قراره، وأمامه أرض يريد أن يحولها من غيضة موحشة إلى مدينة عامرة تستقر فيها جموع المسلمين.

وقد أورد الذهبي هذه الأخبار في ترجمة عقبة بن نافع، مشيرًا إلى شجاعته وحزمه وديانته، وذكر خبر اختطاطه للقيروان وإسكان الناس فيها، غير أن القراءة العلمية المنصفة لهذا الخبر تقتضي الجمع بين تقدير معانيه والتثبت من درجته؛ فمجرد وروده في كتب السير لا يعني صحة جميع تفاصيله، كما أن وجود ضعف في بعض طرقه لا يلغي دلالاته التاريخية والمعنوية.

فقد نقل الذهبي الرواية عن الواقدي، وهو من كبار علماء المغازي والسير، إلا أن أهل الحديث تكلموا في ضبطه وروايته، لذلك فالأدق أن يقال: رُوي عن عقبة بن نافع هذا الخبر، دون الجزم بثبوته، مع التفريق بين إمكان وقوع الكرامة وإثبات وقوعها تاريخيًا.

ويبقى الثابت من سيرة عقبة بن نافع من شجاعته وقيادته وتأسيسه للقيروان كافيًا للدلالة على مكانته، أما الأخبار الزائدة فتُروى بألفاظ تحفظ درجتها العلمية دون مبالغة أو إنكار.

كيف تحول الفتح العسكري إلى مشروع حضاري مستدام؟

لم يكن تأسيس القيروان قرارًا عمرانيًا منفصلًا عن حركة الفتح، بل كان انتقالًا من منطق الغزوة المؤقتة إلى منطق الحضور المستقر، فالجيش الذي يفتح أرضًا ثم ينسحب منها يظل معرضًا لفقدان ما أنجزه، أما المدينة فتؤسس وجودًا دائمًا؛ فيها يسكن الناس، وتنتظم الإدارة، ويُعلّم الدين، وتنطلق الجيوش، وتتكون ذاكرة المجتمع الجديد.

ولعل التاريخ يدلي بشهادة الفضل في هذه الحنكة القيادية للفاروق عمر بن الخطاب، حين بعث عتبة بن غزوان في 800 من الجند إلى جنوب العراق للسيطرة على ثغور الفرس وتأسيس قاعدة إسلامية هناك، في وقت كانت الإمبراطورية الساسانية -الفارسية- تترنح.

فنزل عتبة بن غزوان منطقة تسمى «الأبلة»، وكانت أرضاً غليظة فيها حجارة صلبة، وهو ما يُعرف في لغة العرب بـ«البصرة»، فالتفت إلى جيشه وقال كلمته التاريخية: «هذه البصرة انزلوها باسم الله»، ثم خط مسجدها الأعظم، وبنى إلى جواره دار الإمارة، وقسم أرضها بين القبائل فبنيت البيوت، لتكون البصرة أول مدينة إسلامية تقام خارج شبه الجزيرة العربية(1).

أما القيروان، فقد نشأت عام 50هـ تقريبًا، كأقدم قاعدة عربية إسلامية في بلاد المغرب، ثم غدت عاصمة لإفريقية قرونًا، ومركزًا بارزًا لنشر الحضارة العربية الإسلامية، وهو ما يفسر بقاء أثرها بعد انتهاء المرحلة العسكرية التي شهدت تأسيسها.

وتنقل بعض المصادر التاريخية أن أصحاب عقبة اقترحوا تقريب المدينة من البحر، ليجمعوا بين الإقامة والرباط، فخشي أن يباغتها الأسطول البيزنطي، واختار لها موقعًا داخليًا يتيح الإنذار المبكر ويصعب مفاجأته.

وبهذا المعنى لم يكن عقبة يبحث عن مكان ينزل فيه الجيش ليلة أو ليلتين، بل كان يختار نقطة ارتكاز لمشروع طويل، لقد فهم أن القوة لا تقاس فقط بعدد الجنود، وإنما بقدرة القيادة على تحويل الحركة إلى مؤسسة، والفتح إلى عمران، والنجاح العابر إلى أثر قابل للاستمرار.

وفي واقع المؤسسات اليوم، تتكرر المعضلة نفسها بأسماء مختلفة، قد تنجح حملة إعلامية، أو يحقق فريق مبيعات رقمًا مرتفعًا، أو تنطلق مبادرة دعوية بحماس واسع، لكن الإنجاز يتبدد إن لم يتحول إلى نظام يحفظه، وفريق يتوارثه، ومعرفة مكتوبة، وموارد مستقرة، إن اختطاط القيروان يعلّم القائد ألا يكتفي بكسب المعركة، بل يسأل منذ اللحظة الأولى: ما البنية التي ستمنع هذا المكسب من الضياع؟

إدارة الخطر.. بين الواقعية البشرية واليقين بقدرة الله

تضع الرواية عقبة أمام خطر يثير الخوف الفطري؛ غابة كثيفة تختبئ فيها السباع والأفاعي، ولم يكن الخوف في مثل هذا الموضع وهْمًا أو ضعفًا نفسيًا، وإنما استجابة طبيعية لخطر حقيقي، غير أن الفرق بين القائد وغيره لا يكمن في انعدام الخوف، وإنما في قدرته على منعه من السيطرة على القرار.

في الرؤية الإيمانية لا تستقل المخلوقات بقوتها، ولا تتحرك خارج سلطان خالقها، والآية الأشد اتصالًا بهذا المعنى قول هود عليه السلام: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 56).

ولا تعني هذه المعاني أن الإنسان يقتحم الأخطار بلا تقدير أو يعطل الأسباب بحجة اليقين؛ فذلك تهور لا توكل، لكنها تعيد وضع الخطر في حجمه الصحيح؛ كبيرًا بالقياس إلى قدرة الإنسان، صغيرًا أمام قدرة الله، ومن هنا تنشأ الصلابة النفسية المؤمنة؛ إذ لا تنكر الواقع، ولكنها ترفض أن تجعله الإله المتحكم في القرار.

وما أشبه الليلة بالبارحة! ففي العام 16هـ وفيما عرف بيوم «جراثيم» يعترض سعداً وعسكره نهر دجلة ويمنعه من الوصول إلى جيش عدوه.

فجمع سعد بن أبي وقاص الناس، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وإني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل، فندب سعد الناس إلى العبور فعبروا، ثم أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة، وإن دجلة لترمي بالزبد، وإنها لمسودة، وإن الناس ليتحدثون في عومهم، وقد اقترنوا، كما يتحدثون في مسيرهم على الأرض، ففاجؤوا أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم، واستولوا على كل ما بقي في بيوت كسرى وما جمع شيرويه ومن بعده.

وروى الأعمش عن حبيب بن صهبان أبي مالك قال: لما عبر المسلمون يوم المدائن دجلة، فنظروا إليهم يعبرون، جعلوا يقولون بالفارسية: «ديوانه أمد»، وقال بعضهم لبعض: إنكم والله ما تقاتلون الإنس وما تقاتلون إلا الجن، فانهزموا(2).

وفي حياة الناس اليوم، قد تكمن «الغيضة» في أزمة مالية، أو مرض، أو اضطراب أسري، أو بيئة عمل مضطربة، وما يحتاجه الإنسان عندئذ ليس إنكار الخطر، بل إعادة ترتيب المشهد؛ تحديد ما يستطيع فعله، والاستعانة بأهل الخبرة، ثم تفويض النتائج إلى الله، وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يتحول الخوف من قوة تشل الإرادة إلى إشارة تدعو إلى مزيد من الاستعداد.

كيف أدار عقبة بن نافع قلق جيشه بشفافية؟

تذكر الرواية أن عقبة نادى في الوادي نداءً مسموعًا، ثم كرره 3 مرات، وبعد خروج الدواب قال للناس: «انزلوا بسم الله»، وفي بناء المشهد دلالة قيادية واضحة؛ فالجيش لم يكن بحاجة إلى قرار صحيح فحسب، بل إلى قرار يراه ويسمعه ويطمئن إلى أن قائده يتقدم به على بصيرة.

فالخوف في الجماعات ينتشر سريعًا إذا غابت المعلومة وتضاربت التوجيهات، وقد يبدأ الأمر بتردد فرد، ثم يتحول إلى شائعة، ثم يصير الشك مزاجًا عامًا يعطل حركة الجميع، ولهذا يحتاج الناس في الأزمات إلى صوت واضح، لا إلى كثرة الأصوات؛ وإلى قائد يعترف بالخطر دون أن يضخمه، ويحدد الخطوة التالية دون اضطراب.

وكان ختام النداء بقوله: «انزلوا بسم الله» انتقالًا من لحظة الترقب إلى لحظة الفعل، فلم تبق الجماعة معلقة أمام المشهد، وإنما جاء الأمر مختصرًا واضحًا، مرتبطًا بالاستعانة بالله، وهذه القدرة على تحديد لحظة الانتقال من الدراسة إلى التنفيذ من أهم صفات القيادة؛ فكثرة التحليل قد تتحول إلى عجز إذا لم تنته إلى عزم.

وفي المؤسسة الحديثة، قد لا يكون القائد أقدر أفراد فريقه على أداء كل مهمة، لكنه يصبح مصدرًا للثبات حين يحسن 3 أمور؛ أن يصف الواقع بصدق، وأن يبين الاتجاه بلا غموض، وأن يتحمل مسؤولية القرار، أما القائد الذي يظهر مذعورًا عند كل اضطراب، أو يرسل تعليمات متعارضة، فإنه يضاعف الأزمة ولو كانت موارده كثيرة.

وقد أعذر من أنذر.. لمحة أخلاقية في قلب المشهد

مما يلفت النظر في الرواية أن عقبة لم يبدأ بقتل الحيوانات أو إحراق الغابة، وإنما خاطب أهل الوادي بالرحيل: «إنا حالون إن شاء الله فاظعنوا»، وتكرر النداء، ثم وقع النزول بعد خلو الموضع.

ولا يصح تحويل هذا التصرف بمفرده إلى قاعدة فقهية أو أصل قضائي مستقل؛ لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من خبر تاريخي ضعيف الإسناد، لكنه يحمل على مستوى الدلالة الأخلاقية معنى رفيقًا؛ أن القوة لا تبدأ بالإتلاف متى أمكن دفع الضرر بوسيلة أخف.

فالغاية كانت تهيئة المكان لسكن الناس، لا إبادة ما فيه من مخلوقات، وحتى في الصورة التي يرسمها الخبر نرى السباع تحمل أولادها، وتخرج الدواب من تحت الأحجار والأشجار، في مشهد انتقال لا مشهد مذبحة.

وهنا تتجاوز القيادة منطق القدرة المجردة إلى منطق المسؤولية؛ فليس السؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل ما أقل الأفعال ضررًا وأكثرها تحقيقًا للمصلحة؟

وإذا كانت أخلاقيات القيادة المسلمة تجاه الهوام والدواب بهذه الرحمة، فقد كانت تجاه أعداء بني البشر أرحم وألطف، فعن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ، ومَن معهُ مِنَ المُسلِمينَ خَيرًا، ثُمَّ قال: «اغزوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تَمثُلوا، ولا تَقتُلوا وليدًا»(3).

ويظهر هذا المعنى اليوم في إدارة الخلافات داخل الأسرة والعمل والمجتمع، فقد يمتلك الأب سلطة العقوبة، ويمتلك المدير سلطة الفصل، وتمتلك المؤسسة القدرة على التشهير بالمخطئ، لكن النضج الأخلاقي يبدأ بمحاولة الإصلاح والتنبيه وفتح طريق التراجع، ما لم يترتب على التأخير ضرر أكبر، فالحزم ليس سرعة العقوبة دائمًا، بل وضع القوة في موضعها الصحيح.

خطورة الفصل بين الدعاء والعمل في إدارة الأزمات

من الأخطاء المتكررة في قراءة أخبار الصالحين فصل الدعاء عن العمل، حتى يبدو كأن النجاح جاء بدلًا من التخطيط لا معه، لكن صورة عقبة في الخبر أوسع من ذلك؛ فهو قائد أُرسل في جيش، واختار موقعًا، ونظر في الأخطار، واختط مدينة، وأسكن الناس، ثم لجأ إلى الله عند ظهور العائق.

ولهذا لا يكون الدعاء انسحابًا من الميدان، وإنما تصحيح لعلاقة الإنسان بالأسباب؛ يعمل بها دون أن يؤلهها، ويستفرغ وسعه دون أن يظن أن النتائج ملك يده، فإذا نجح لم يغتر، وإذا تعثرت خطته لم ينهدم، لأنه يعلم أن عليه بذل السبب، أما تصريف العواقب فإلى الله.

ولذا، لما كان عام الرمادة استطاع عمر بن الخطاب السيطرة على الأزمة بذات المنهجية، حيث خطط بذكاء، وأحصى الجياع، ونظم القوت، ووكل رجالاً بالمصالح، كل ذلك بالتزامن مع توكله العظيم ولجوئه للدعاء وصلاة الاستسقاء.

وعندما نتأمل الواقع نرى من الناس مثلاً من يكتفي بالدعاء لصلاح أبنائه وهو يهمل صحبتهم وتعليمهم، أو يعتمد على التقنيات والمناهج ويغفل افتقار القلوب إلى هداية الله، وكذا في إدارة المشروعات لا تغني الدراسات عن الدعاء، ولا يغني الدعاء عن دراسة السوق والميزانية والأخطار، لتكون القوة الحقيقية في الجمع، لا في اختيار أحد الطرفين وإلغاء الآخر.

لماذا تنهار موجات التأثير إذا غابت عنها المؤسسات؟

قد يشك القارئ في الخبر خروج السباع والأفاعي وخلو الوادي، لكن الأثر التاريخي الأرسخ فيما حدث بعده من إنشاء القيروان وإسكانها الناس، حتى تجاوزت القيروان وظيفة الثكنة العسكرية، فصارت مدينة علم وعبادة وإدارة، محتفظة بمكانتها الروحية والحضارية على مر الزمان، لتصبح القيروان شاهداً استثنائياً على القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية في إفريقية، وأنها كانت مركزًا بارزًا لانتشار هذه الحضارة وتطورها العمراني.

وهنا تتجلى إحدى أعمق دلالات سيرة عقبة القرشي؛ وهي أن القائد الكبير لا يترك وراءه سلسلة من المعارك فحسب، وإنما يترك أثراً ملموساً نافعاً للعباد، فقيمة الفتح لا تكتمل إلا حين يتحول إلى أمن وعلم وعمران، وقيمة الدعوة لا تظهر في كثرة الداخلين لحظة التأثر وحدها، وإنما في المؤسسات التي تعلمهم وتحفظ هويتهم وتجيب عن أسئلتهم.

ولقد فطن الخلفاء الراشدون إلى هذا البعد الإيجابي، وأيقنوا أن الفتوحات تحتاج إلى عمران ومؤسسات تحفظها، فدوّنوا الدواوين، وفرضوا الأعطيات، وقسّموا الفيء، لينقلوا الدولة من مرحلة الغزو إلى مرحلة المؤسسات والحضارة الدائمة.

وهذا المعيار كاشف في واقع العمل الدعوي والإعلامي؛ فقد يصنع خطاب مؤثر موجة واسعة من الانتباه، لكن الموجة تنكسر إن لم تجد بعدها مدرسة أو مسجدًا أو منصة معرفية أو صحبة تربوية تستوعب الناس، فالنجاح الذي لا يجد «قيروانه» يظل معرضًا للزوال، أما المشروع الذي يبني الإنسان والمكان والنظام فإنه يتجاوز عمر مؤسسه.

متى تصبح كثرة الموارد عبئًا على قرارات القائد؟

ورد في بنية الرواية أن معاوية جهز عقبة في 10 آلاف، وأن عقبة كرر النداء 3 مرات وبقراءة أدبية لدلالات هذه الأرقام نرى أن العدد الكبير للجيش يبرز المفارقة بين وفرة القوة البشرية وطبيعة العائق الذي واجهها، فقد يستطيع 10 آلاف جندي مقاتلة جيش مثلهم، أو أكثر منهم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله! لكن دخول غابة مكتظة بالسباع والأفاعي قد يحول القوة نفسها إلى عبء؛ إذ يتعذر فيها الانتشار، ويصعب ضبط الحركة، ويزداد احتمال الفوضى، ومن هنا نتعلم أن زيادة الموارد لا تعني بالضرورة ملاءمتها لكل مشكلة؛ فقد تحتاج الأزمة أحياناً إلى تغيير نوع الحل، لا إلى مضاعفة الوسيلة القديمة.

أما تكرار النداء ثلاث مرات فيمنح الموقف وضوحًا وتؤدة، ويجعل الانتقال إلى النزول معلومًا للجميع، لكنه لا يثبت بمجرده قاعدة أن كل إنذار يجب أن يكون ثلاثًا، ولا يدل على خصوصية شرعية للعدد في هذا الموطن، فالفارق بين التدبر والتكلف أن التدبر يستخرج المعنى الذي يحتمله النص، بينما يحمل التكلف النص ما لم يقله.

دروس القيادة من تأسيس عقبة بن نافع للقيروان

يعلّمنا هذا الموقف أن الرؤية القيادية تبدأ من النظر إلى ما بعد الإنجاز المباشر، فالقائد في العمل لا يسأل فقط كيف ينهي المهمة الحالية، بل كيف يؤسس نظامًا يجعل النجاح قابلًا للتكرار، والمربي لا يفرح بطاعة عابرة من المتعلم، بل يبني فيه وعيًا يستمر عندما يغيب الرقيب، والداعية لا يقيس أثره بحرارة التفاعل وحدها، بل بما ينشأ بعد خطابه من معرفة وعمل واستقامة.

ويعلمنا موقف عقبة أن السكينة ليست صفة شخصية منعزلة، بل مسؤولية اجتماعية؛ لأن اضطراب القائد ينتقل إلى من حوله، كما تنتقل طمأنينته، وحين يواجه الفريق ظرفًا مخيفًا، يكون من واجب قائده ألا يخفي المعلومات ولا يستسلم للتهويل، بل يجمع بين الصراحة والأمل، وبين حساب الأخطار وحسن الظن بالله.

كما يكشف المشهد أن الحزم لا يناقض الرحمة، فقد يجتمع وضوح القرار مع تقليل الضرر، وقوة الأمر مع منح فرصة للانسحاب، وسرعة التنفيذ مع تجنب العدوان.

وهذه المعادلة هي التي تحتاج إليها الأسرة والمدرسة والمؤسسة والدولة؛ سلطة تضبط الفوضى دون أن تتلذذ بالعقوبة، ورحمة تحفظ الإنسان دون أن تتحول إلى عجز.

وأخيرًا، فإن القائد المؤمن لا ينسب النجاح إلى عبقريته وحدها، بل يعمل ويخطط ويستشير، فإذا فتح له باب، نسب الفضل والتوفيق لله، ولذا كان قول عقبة: «انزلوا بسم الله» كلمة تعيد الإنجاز إلى مصدر التوفيق، وتمنع القوة من أن تتحول إلى غرور، وتذكر الجماعة بأن العمران الذي لا يبدأ باسم الله ولا يقام على العدل قد يكبر في الظاهر، لكنه يحمل أسباب انهياره في داخله.

الموازنة بين دقة التاريخ واستلهام المعاني الإيمانية والقيادية

يقف خبر عقبة بن نافع عند ملتقى 3 عوالم:

1- عالم الرواية التاريخية: وهذا يحتاج إلى نقد وتثبت، وبحث وتمحيص.

2- وعالم الإيمان: الذي يقرر أن الخلق كلهم تحت سلطان الله وقهره.

3- وعالم القيادة: الذي من شأنه أن يحول الخوف إلى قرار، والقرار إلى عمران.

والقراءة الأمينة لا تجزم بتفاصيل لم يصح إسنادها، ولا تفقد في الوقت نفسه القدرة على رؤية المعنى، فما يثبت تاريخيًا أن عقبة كان قائدًا شجاعًا حازمًا ذا ديانة، وأنه أنشأ القيروان وأسكنها الناس، وأن المدينة تحولت بعد ذلك إلى واحدة من أعظم حواضر المغرب الإسلامي.

أما الرواية التي تصور خروج السباع والدواب من الوادي، فتبقى خبرًا من أخبار السير يروى بميزانه، ويذكّر بمعنى لا خلاف فيه؛ أن الإنسان مهما بلغ من القوة يظل فقيرًا إلى ربه، وأن اليقين الصادق لا يعطل العقل، بل يحرره من الذعر، وأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تنتهي بهزيمة عدو، وإنما تلك التي يبدأ بعدها بناء مدينة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة