7 أكتوبر.. اليوم الذي غيّر وجه العالم
في مسيرة
التاريخ الإنساني محطات حاسمة لا تقاس بساعات وقوعها، بل بعمق الزلازل السياسية
والأخلاقية التي تتركها خلفها.
فقد كانت رصاصة
سراييفو التي قتلت الأرشيدوق فرانز فرديناند عام 1914م الشرارة التي أطلقت الحرب
العالمية الأولى وأسقطت إمبراطوريات عظمى وأعادت رسم خرائط العالم، وكان هجوم بيرل
هاربر عام 1941م الحدث الذي دفع الولايات المتحدة إلى قلب الحرب العالمية الثانية
ومهد لهيمنتها على النظام الدولي.
أما قصف
هيروشيما وناجازاكي عام 1945م فقد أدخل البشرية عصر السلاح النووي وغيّر مفهوم الحرب إلى الأبد، وحين سقط جدار برلين عام 1989م، انهار معه نظام عالمي كامل
وانتهت الحرب الباردة وبدأ عهد الأحادية القطبية.
وينتمي يوم 7 أكتوبر 2023م عندما تفجر طوفان
الأقصى، إلى هذه الفئة النادرة من الأحداث التاريخية، فلم يكن الطوفان مجرد عملية
عسكرية أو مواجهة عابرة، بل لحظة سياسية وإستراتيجية وأخلاقية فارقة أعادت تشكيل
النقاش العالمي حول فلسطين والاحتلال والقانون الدولي وحقوق الإنسان، حتى إن صحفاً
ومراكز أبحاث غربية كبرى مثل «الجارديان» و«فورن بوليسي» وصفت الحدث وتداعياته
بأنه «اليوم الذي غيّر العالم» و«العام الذي غيّر الشرق الأوسط».
من الهامش إلى البؤرة
قبل 7 أكتوبر
كانت القضية الفلسطينية تتجه، وفق الرؤية الغربية السائدة، نحو التهميش التدريجي، وكانت
مشاريع التطبيع واتفاقيات «أبراهام» تُقدَّم باعتبارها المدخل إلى شرق أوسط جديد
تتراجع فيه فلسطين من كونها القضية المركزية للعرب والمسلمين إلى مجرد ملف ثانوي، لكن
ما حدث في ذلك اليوم نسف هذه الفرضية من جذورها، فخلال ساعات، عادت فلسطين إلى
صدارة نشرات الأخبار والبرلمانات والجامعات والمنتديات الدولية، وتحولت مرة أخرى
إلى إحدى أكثر القضايا حضوراً في العالم.
لقد اعتقدت «إسرائيل»،
بدعم سياسي وعسكري ودبلوماسي واسع من الولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية، أن
الاحتلال والحصار والاستيطان أصبح واقعاً دائماً يمكن للعالم التعايش معه، غير أن
السنوات التي تلت 7 أكتوبر كشفت العكس تماماً، فبدلاً من دفن القضية الفلسطينية،
أعاد الحدث إحياءها عالمياً وأدخلها إلى قلب النقاش السياسي والقانوني والأخلاقي
الدولي.
كشف التناقض والازدواجية
ولعل أهم ما جعل
7 أكتوبر حدثاً مغيراً للتاريخ أنه كشف، أمام مئات الملايين من البشر، حجم التناقض
بين الخطاب الغربي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والممارسة الفعلية تجاه
الفلسطينيين، فقد تابع العالم بصورة يومية مشاهد الدمار والقتل والنزوح والجوع في
غزة، بينما كانت المؤسسات الدولية تتحدث بصورة متزايدة عن أزمة إنسانية غير
مسبوقة.
ووفق بيانات «الأونروا»،
تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين في غزة 73 ألف شخص، فيما تجاوز عدد الجرحى 173 ألفاً
منذ اندلاع الحرب، كما سُجل مقتل مئات من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في
الإغاثة.
تعمد قتل الصحفيين وعمال الإغاثة
ووصف أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، ما جرى
بأنه أعلى حصيلة قتلى لموظفي الأمم المتحدة في تاريخ المنظمة، مؤكداً أن أكثر من
واحد من كل 50 موظفاً لـ«الأونروا» في غزة قُتل في هذا الصراع،
ولم تتوقف
الخسائر عند المدنيين وعمال الإغاثة، بل امتدت إلى الصحافة، فقد أعلنت لجنة حماية الصحفيين «CPJ» أن عام 2024م كان الأكثر دموية للصحفيين
منذ بدء توثيقها للضحايا، وأن نحو ثلثي الصحفيين الذين قُتلوا عالمياً سقطوا في
سياق الحرب على غزة.
زلزال في مؤسسات العدالة
ومن الناحية
القانونية، أدى 7 أكتوبر وما تبعه إلى زلزال غير مسبوق داخل مؤسسات العدالة
الدولية، ففي ديسمبر 2023م رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم
فيها «إسرائيل» بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، في خطوة وصفها كثير
من الخبراء بأنها من أهم القضايا القانونية الدولية في القرن الحالي
وبالتوازي مع
ذلك، تسارع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، ففي عام 2024م دعت مجموعة من خبراء
الأمم المتحدة جميع الدول إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيرين إلى أن 146
دولة كانت قد اعترفت بها بالفعل آنذاك.
تحول شعبي غربي كبير لصالح الحق الفلسطيني
أما على مستوى
الرأي العام العالمي، فقد شهدت العواصم الغربية أكبر موجة تعبئة شعبية مؤيدة
للفلسطينيين منذ عقود، وخرجت مظاهرات ضخمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا
وإسبانيا وألمانيا وكندا وأستراليا، وتحولت القضية الفلسطينية إلى موضوع دائم في
الجامعات والنقابات ووسائل الإعلام، بل وإلى عنصر مؤثر في الحملات الانتخابية داخل
الديمقراطيات الغربية.
ولم تكن
التحولات سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضاً، فقد أصبح السؤال الذي يواجه النظام
الدولي اليوم أكثر حدة من أي وقت مضى: هل تطبق مبادئ القانون الدولي على الجميع أم
على الضعفاء فقط؟ وهل يمكن الاستمرار في الحديث عن حقوق الإنسان بينما يشاهد
العالم صور الدمار والقتل الجماعي والنزوح القسري بصورة يومية؟
إذا كانت رصاصة
سراييفو قد غيّرت الجغرافيا السياسية لأوروبا، وإذا كان بيرل هاربر قد غيّر موازين
القوة العالمية، وإذا كانت هيروشيما قد دشنت العصر النووي، وإذا كان سقوط جدار
برلين قد أنهى الحرب الباردة، فإن 7 أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز
التاريخ العالمي، وفضح حدود القوة «الإسرائيلية» رغم تفوقها العسكري الهائل، وكشف
أزمة النظام الدولي وعجزه عن فرض معاييره التي طالما قدمها باعتبارها قيماً عالمية.
لقد أصبح 7 أكتوبر لحظة أعادت تعريف الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» في الوعي العالمي، وربما، كما يرى عدد متزايد من الباحثين والمراقبين، نقطة تحول ستُقسم التاريخ السياسي للمنطقة والعالم إلى ما قبلها وما بعدها.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً