مفارقة الصلاة والرياء.. تحليل بلاغي لصفات المكذب بالدين في سورة «الماعون»

يدور موضوع سورة «الماعون» في مجمله العام حول صفة المكذبين بالدين، وهم أولئك الذين يزجرون اليتيم، ولا يحثّون غيرهم على إطعام المساكين، ثم تتوعد السورة المصلين الذين يسهون عن صلاتهم، ويراؤون الناس بالأعمال الصالحة، على أنَّهم –في حقيقة أمرهم– يبخلون بأقل القليل؛ قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ {3} فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ {4} الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ {5} الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ {6} وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون).

وقد بدأت السورة الكريمة بالاستفهام عمَّا هو معروف ومألوف من أمر التكذيب بالدين، واستهلال السورة بهذا التساؤل مثير للانتباه، لأنه استفهام عمَّا هو غير مجهول؛ إذ ليس «المكذب بالدين» ممن يخفى على الناس، ولا هو في مألوف الكلام ومقتضاه التداولي النفعيّ بين الناس ما لا تُعرف حقيقة معناه، ولا جوهر أصله، ولكن الغرض من الاستفهام إثارة الانتباه لما سيكون مما هو غير معهود مما يعرفه الناس، والاستفهام يُمَهّدُ –بداية– لترسيخ معنى جديد يختلف عمَّا يقرّ في أذهان الناس مما هو مألوف ومعروف!

مفهوم جديد للتكذيب بالدين

مضت السورة الكريمة في تفصيل المفهوم الجديد للمكذب بالدين، فأول ما يكون من أمره أنه «يَدُعُّ الْيَتِيمَ»، وقد استخدمت السورة ألفاظًا تراعي مقتضى حال ذلك المكذب الأثيم؛ فهو لا يكتفي بحرمان اليتيم ومنعه، وإنما يقسو عليه قسوة بالغة، إذ يَدُعُّهُ دعًّا؛ أي أنه «يطرده ويدفعه في عنف وغلظة وقسوة».

ولذا، كانت هذه اللفظة تحديدًا أقوى دلالةً على فظاظته وغلظة قلبه، ومن تَبِعَاتِ هذه الغِلْظَة: كونه «لَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ»، ونفي الحض أبلغ في الدلالة على سوء الطويّة وخبث النفس، فهو غير مكتفٍ بحجب المعونة عمن يحتاج إليها، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى منع وصولها من غيره إليهم!

وإنه لمن العجيب أن يكون الوقف على نهاية الآية الرابعة على كلمة «المصلين» تحديدًا، وكأنما يُوْهَمُ السامعُ أن السورة تتوعَّد المصلين! وهو محال بالطبع، لكنه مثير للانتباه وداع إلى التيقُّظ، وفيه مراعاة لمقتضى حال السامع الغافل؛ لتنبيهه إلى خطورة ما تدعو إليه السورة الكريمة، على أن السورة سرعان ما قوّضت دواعي التعجب والإثارة بعد ضمان انتباه السامع؛ فبيّنت أن الويل لصِنْف من المصلين تحديدًا، وهو ذلك الغافل عن صلاته، الساهي عنها.

المصلي الساهي!

والحق أن السورة تُدهش السامع بغرائب بلاغتها، إذ كيف يكون المرء مصليًّا وساهيًا في آنٍ واحد؟! إن صيغة المصلين صيغة إسمية على وزن اسم الفاعل، وهي تدل على الثبات والدوام، فكيف يسهو من كان مداومًا على صلاته؟!

والظاهر أن الغفلةَ المقصودة –والله أعلى وأعلم– إنما هي الغفلة عمَّا تُوجِبُه الصلاة من مسلك إنسانيٍّ سويٍّ في الخُلُقِ والدين، فصلاة هذا الصنف من الناس صلاة رياء، وهي تؤدَى طلبًا لحسن السمعة، مع تفريطهم في حق الله، فالصلاة، كما تقول د. عائشة عبدالرحمن في كتابها «التفسير البياني للقرآن»: «حين لا تؤدي غايتها من النهي عن الفحشاء والمنكر، فإنها تغدو –بذلك– طقوسًا شكليةً، وحركات آلية مجردة عن معناها وحكمتها، والإسلام يرفض هذه الآلية في شعائر الدين، ويتجه بالعبادات إلى أن تكون رياضة للنفس، وتهذيبًا للضمير، وهدايةً إلى خير الفرد والجماعة».

وأخيرًا، وصفت السورة الكريمة أولئك المكذبين بأنهم مانعون للماعون، و«الماعون» كلمة تدل على عموم القليل مما يُستصغر من المال أو الطعام، وهي تدل أيضًا على أوعية البيوت من صحون وقدور وما شاكل ذلك.

وجدير بالذكر أنَّ كلمة «الماعون» كلمة دارجة تشيع في ريف مصر، إذ يعبرون بها عن أدوات المطبخ، وتجمع عندهم على «مواعين»، ولعلها تكون على هذا النحو في بلدان عربية أخرى، وعلى كل حال، يكون في منع الماعون كناية عن شدة البخل، فالباخل بالقليل لا يجود أبدًا بما هو مُغْنٍ ومُعْتَبَرٌ.

وإذا قلنا: إن الماعون إنما هو أداة البيت كالطبق والكوب وغيره؛ لكان في هذه اللفظة مجاز مرسل علاقته المحليّة؛ إذ يُعبِّر عن الطعام القليل بالماعون الصغير الذي يوضع فيه، وفي ذلك تعبير عن الشُّحِ -أيضًا- فهو يبخل ولو بإطعام قدر يسير لا يتجاوز ملء طبق من طعام، أو كوب من شراب.

وفي النهاية، نعود إلى بداية السورة؛ لنعرِّج على ذلك التساؤل الذي كان مطروحًا على السامعين في مفتتحها، الذي أثار في نفوسهم أن الأمر على خلاف ما يألفون؛ فنحن نألف أن المكذب بالدين هو الكافر الجاحد، غير أنه قد تبين لنا من قراءة السورة الكريمة أن التكذيب بالدين ليس –بالضرورة– سمة من سمات الكافرين وحدهم، وإنما قد يكون ممن يدَّعون أنهم أبناء هذا الدين، بل ممن يقيمون الصلاة إقامةَ تَخَلُّصٍ لا إقامةَ إخلاص.

ونحن نتساءل مع الإمام محمد عبده، إذ يقول في تفسيره لهذه السورة الكريمة: «هل للمسلمين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد أن يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلونه في هذه السورة الشريفة، ليعرفوا هل هم من المكذبين أم من المصدقين؛ ليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة الذي لا أثر له إلا في ظواهر أعضائهم، وليرجعوا إلى الحق من دينهم فيقيموا الصلاة ويحيوا أثرها، ولا يخرجون منها إلا وهم عبيد لله يرجون رضاه في رعاية حقوق براياه؟».


اقرأ أيضاً:

"وهم له منكِرون".. إخوة يوسف بين الجهل والجحود

ميزان الاستثناء اللغوي ودوره في ضبط العلاقة مع الله ‏والناس

"فالله خيرٌ حافظاً".. وقفة لغوية

- كيف أحب سليمان عليه السلام حُبَّ الخير عن ذكر ربه؟ (رؤية لغوية)

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة