السياسة الإيرانية تجاه الخليج.. الجذور التاريخية والتحولات المعاصرة (1)

أ.د فرست مرعي

08 يوليو 2026

149

السياسة الإيرانية تجاه الخليج.. الجذور التاريخية والتحولات المعاصرة (1)

شكّلت منطقة الخليج العربي عبر التاريخ محورًا أساسيًا في السياسة الإيرانية، ليس فقط بسبب أهميتها الاقتصادية والإستراتيجية، بل أيضًا لارتباطها العميق بفكرة النفوذ الإقليمي في الوعي السياسي الفارسي منذ العصور الإمبراطورية القديمة.

وقد تعاقبت على إيران أنظمة وسلالات مختلفة، إلا أن نظرتها إلى الخليج العربي والدول العربية المجاورة بقيت محكومة بعوامل الجغرافيا والطموح السياسي والسعي إلى بسط النفوذ.

ومنذ العهد الصفوي مرورًا بالقاجاري ثم البهلوي وصولًا إلى الجمهورية الإسلامية، ظل الخليج يمثل المجال الحيوي الأكثر أهمية في الإستراتيجية الإيرانية، بينما تعرّض العرب في مناطق جنوب إيران، ولا سيما إقليم عربستان والأحواز والسواحل الشرقية المطلة على الخليج العربي، إلى سياسات هدفت إلى تقليص هويتهم العربية وإدماجهم ضمن المشروع القومي الإيراني.

مع قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر (1501 - 1722م) بدأت إيران تدخل مرحلة جديدة من المركزية السياسية والمذهبية، إذ اعتمد الصفويون المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، في خطوة لم تكن دينية فحسب، بل سياسية أيضًا، هدفت إلى تمييز إيران عن محيطها العثماني السُّني وعن البيئة العربية المحيطة بالخليج.

وقد أدرك الصفويون مبكرًا أهمية الخليج العربي في التجارة الدولية والصراع مع القوى المنافسة، فسعوا إلى السيطرة على موانئه ومياهه الحيوية، وفي تلك المرحلة ظهرت بوادر التنافس الفارسي العربي على مناطق الساحل الشرقي للخليج، خاصة في عربستان التي كانت تتمتع بوجود عربي تاريخي وقبائل مستقلة نسبيًا عن السلطة المركزية في فارس.

التحالف الصفوي البرتغالي

وقد شكّل التحالف الصفوي البرتغالي أحد أبرز المظاهر التاريخية للصراع على الخليج العربي خلال بدايات العصر الحديث، إذ تلاقت المصالح السياسية والعسكرية بين الدولة الصفوية والإمبراطورية البرتغالية في مواجهة الدولة العثمانية والقوى العربية المحلية المسيطرة على طرق التجارة والموانئ البحرية.

فمع وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي والخليج العربي مطلع القرن السادس عشر بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك، بدأت البرتغال تنفيذ مشروع استعماري يهدف إلى السيطرة على الممرات البحرية والتجارة الشرقية، خاصة بعد نجاحها في احتلال هرمز عام 1515م، وتحويلها إلى قاعدة بحرية إستراتيجية للتحكم بالملاحة في الخليج العربي وبحر العرب.

عُمان.. ونهاية النفوذ البرتغالي

وأدى العرب في عُمان دورًا محوريًا في تاريخ السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، لكن من المهم توضيح أن الأمر لم يكن سيطرة مطلقة ودائمة بقدر ما كان تفوقًا بحريًا ونفوذًا إستراتيجيًا متكررًا في فترات تاريخية محددة، خصوصًا خلال القرن السابع عشر.

وبرزت عُمان بوصفها قوة بحرية عربية مستقلة منذ صعود دولة اليعاربة في أوائل القرن السابع عشر، حين تمكن الإمام ناصر بن مرشد، ثم خلفاؤه من بعده، من بناء أسطول بحري قوي استطاع مواجهة الوجود البرتغالي الذي كان يهيمن على الموانئ والممرات البحرية في الخليج العربي وبحر العرب.

تحول كبير

غير أن التحول الكبير حدث في عام 1650م عندما نجحت القوات العُمانية في طرد البرتغاليين من مسقط، ثم توسعت عملياتها البحرية تدريجيًا لتشمل مناطق واسعة من الخليج والمحيط الهندي، وقد شكّل هذا الحدث بداية نهاية النفوذ البرتغالي المباشر في مضيق هرمز، حيث فقدت البرتغال قدرتها على التحكم الكامل بالممر البحري، رغم استمرار وجودها التجاري والعسكري في بعض الجزر والمراكز لفترة لاحقة.

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، أصبحت السفن العُمانية العربية قوة بحرية مؤثرة في المنطقة، وتمكنت من فرض حضور قوي في الملاحة والتجارة، وأحيانًا أدت دور الضابط غير الرسمي لحركة المرور في مضيق هرمز، خاصة في ظل ضعف القوى الإقليمية الأخرى وتراجع النفوذ البرتغالي ثم الهولندي والبريطاني لاحقًا.

إلا أن هذا النفوذ لم يتحول إلى سيادة قانونية أو احتكار كامل للمضيق، لأن المنطقة بقيت مفتوحة للتنافس بين قوى متعددة، منها العثمانيون، والفرس، ثم لاحقًا البريطانيون.

بداية النفوذ البريطاني في الخليج

ففي القرن التاسع عشر، بدأ النفوذ البريطاني يتعاظم في الخليج العربي، باعتباره الممر الذي يربط بين الهند وأوروبا، ومعه تراجع الدور البحري العُماني تدريجيًا، رغم استمرار عُمان كقوة محلية ذات أهمية إستراتيجية.

ومع دخول القرن العشرين، أصبح مضيق هرمز خاضعًا عمليًا لمعادلة دولية وإقليمية معقدة، لم تعد فيها أي دولة منفردة قادرة على السيطرة الكاملة عليه، بل أصبح ممراً دوليًا حيويًا تخضع حركته لتوازنات القوى في الخليج.

وفي الوقت ذاته، كانت الدولة الصفوية الناشئة بقيادة الشاه إسماعيل الصفوي تخوض صراعًا مفتوحًا مع الدولة العثمانية التي مثلت القوة الإسلامية الكبرى في المنطقة.

وقد أدرك الصفويون أن التعاون مع البرتغاليين يمكن أن يحقق لهم مكاسب إستراتيجية عبر إضعاف النفوذ العثماني ومحاصرة امتداده البحري في الخليج والبحر الأحمر.

لذلك، ظهرت أشكال من التنسيق السياسي والعسكري غير المباشر بين الطرفين، تمثلت في تبادل المصالح والسماح للبرتغاليين بتعزيز وجودهم البحري مقابل الاستفادة الصفوية من الضغط البرتغالي على العثمانيين والتجارة العربية، كما سمح الصفويون بدخول المنظمات التنصيرية (التبشيرية) من كاثوليكية وبروتستانتية وإنجيلية إلى إيران دون الخوف من عواقب هذا العمل الخطير على مستقبل الشعوب الإسلامية التي تعيش في الهضبة الإيرانية.

التعاون الصفوي الصليبي

لكن المؤكد تاريخيًا أن الشاه عباس الأول (1587 - 1628م) انتهج سياسة تقارب واسعة مع القوى الأوروبية المسيحية، خاصة البرتغاليين والإنجليز والإسبان والفاتيكان، بهدف تكوين جبهة صليبية ضد الدولة العثمانية، وقد استقبل مبعوثين ورجال دين ووفودًا تبشيرية مسيحية في العاصمة أصفهان، ومنح بعض الامتيازات للطوائف والبعثات المسيحية، ليس بدافع ديني بحت، بل ضمن إستراتيجية سياسية لإضعاف العثمانيين الذين كانوا يمثلون الخصم الأكبر للدولة الصفوية؛ وهو ما اعتبره العثمانيون والعرب آنذاك تهديدًا سياسيًا ودينيًا مباشرًا.

وكان العثمانيون قد شكلوا تهديداً خطيراً لأوروبا المسيحية حيث وصل العثمانيون لمرتين إلى أسوار فيينا، وكانوا قد سيطروا على أوروبا الشرقية برمتها، وكان البحر الأسود والبحر الأدرياتيكي والأجزاء الشمالية للبحر المتوسط حتى الحدود الإيطالية – الفرنسية برمتها عثمانية بامتياز، ولولا الضغط الصفوي على العثمانيين من جهة الشرق لكان تاريخ أوروبا والعالم يكتب الآن بطريقة أخرى، وبمنظار آخر.

وكان الهدف الأوسع لهذا التقاطع الصفوي البرتغالي يتمثل في السيطرة على الخليج العربي والإحاطة بشبه الجزيرة العربية من جهاتها البحرية، والوصول إلى الديار المقدسة في الحجاز؛ بما يحد من النفوذ العثماني ويقوض الدور التجاري للعرب المسلمين في المنطقة.

وقد حاول البرتغاليون فرض سيطرتهم على الموانئ العربية وفرض الضرائب على السفن التجارية والحجاج المتجهين إلى الحجاز، بينما رأى الصفويون في ذلك فرصة لإضعاف خصومهم الإقليميين وتثبيت نفوذهم على السواحل الشرقية للخليج.

غير أن هذا المشروع واجه مقاومة عربية واسعة من القبائل والسكان المحليين الذين أدركوا خطورة التحالف الصفوي البرتغالي على الهوية العربية والإسلامية للخليج، فقد أدت القبائل العربية المنتشرة على سواحل الخليج العربي دورًا بارزًا في مقاومة الوجود البرتغالي والتصدي لمحاولات التوسع الصفوي، خاصة في مناطق الأحساء والقطيف وعُمان وسواحل الإمارات الحالية.

كما أسهمت القبائل العربية في دعم الجهود العثمانية الرامية إلى طرد البرتغاليين من الموانئ الخليجية وتأمين طرق التجارة والحج.

وبرزت عُمان بصورة خاصة بوصفها مركزًا رئيساً للمقاومة العربية ضد البرتغاليين، حيث قادت القبائل العُمانية لاحقًا مواجهات بحرية وعسكرية طويلة انتهت بطرد البرتغاليين من مسقط وموانئ عديدة في الخليج والمحيط الهندي خلال القرن السابع عشر.

كذلك أدت القبائل العربية من القواسم وغيرها في الأحساء وشرق الجزيرة العربية دورًا في الحد من التوسع الصفوي ومنع إيران من فرض سيطرة كاملة على الضفة العربية للخليج.

وقد ساهمت هذه المقاومة العربية في إفشال مشروع الهيمنة المشتركة الذي حاول الصفويون والبرتغاليون تكريسه في الخليج العربي، كما حافظت على الطابع العربي للمنطقة وعلى استقلال العديد من الكيانات المحلية في مواجهة القوى الخارجية، ويكشف هذا الجانب من التاريخ الخليجي أن العرب لم يكونوا مجرد أطراف متأثرة بالصراع الدولي والإقليمي، بل كانوا فاعلين أساسيين في حماية الخليج العربي والتصدي لمحاولات السيطرة الأجنبية، سواء جاءت من القوى الأوروبية أو من المشاريع الإقليمية المجاورة.

ومع ضعف الدولة الصفوية وظهور القاجاريين في أواخر القرن الثامن عشر، استمرت السياسة الإيرانية القائمة على تعزيز السيطرة على المناطق العربية الواقعة ضمن الحدود الإيرانية، وقد واجهت الدولة القاجارية تحديات داخلية وخارجية عديدة، إلا أنها أولت أهمية خاصة لإقليم عربستان بسبب موقعه الإستراتيجي وثرواته الطبيعية وارتباطه بالخليج العربي.

وعلى الرغم من أن القبائل العربية في الأحواز وعربستان احتفظت لفترات طويلة بقدر من الحكم الذاتي تحت قيادة شيوخ محليين، فإن الدولة القاجارية سعت تدريجيًا إلى إحكام السيطرة السياسية والإدارية عليهم، خوفًا من تنامي النفوذ العربي أو التدخل العثماني والبريطاني في المنطقة.

وفي المقابل، واجه الصفويون ضغوطًا متزايدة من روسيا القيصرية التي بدأت تتوسع جنوبًا باتجاه بحر قزوين والقوقاز، وقد أدى ضعف البنية العسكرية والإدارية الصفوية في مراحلها الأخيرة إلى فقدان أجزاء واسعة من النفوذ الإيراني في المناطق الشمالية، الأمر الذي كشف محدودية القدرة الصفوية على مواجهة القوى الكبرى مقارنة بتركيزها المستمر على الخليج والمحيط العربي.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة