مؤتمر نيروبي ومحاولات اختطاف الشباب السوداني

مؤتمر نيروبي ومحاولات اختطاف الشباب السوداني

يبدو أن دولًا كثيرة تحاول اختطاف وتوظيف الشباب السوداني بعد أن ثبت أنهم صناع الثورة والحل السحري لأي فعل سياسي وعسكري في السودان، في هذا السياق، انعقد مؤتمر الشباب السوداني في نيروبي أواخر أبريل وبداية مايو 2026م، بمشاركة ما بين 250 و300 شاب وشابة حضوريًا، إضافة إلى مشاركين عبر الاتصال المرئي.

وتوافد المشاركون من داخل السودان رغم صعوبات التنقل، ومن دول الجوار مثل مصر، وتشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وقد أشرفت على التنظيم منظمة «إل إي تي»- قادة المستقبل، بالتعاون مع مبادرات شبابية مستقلة، مع دعم لوجستي من جهات إقليمية والسلطات الكينية.

وعقد المؤتمر تحت شعار «تعزيز دور الشباب في إنهاء الحرب وصياغة مستقبل مستقر»، وسعى منظموه إلى تقديمه كمنصة مدنية مستقلة، غير أن هذا الحدث لم يكن معزولاً عن سياق ممتد منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018م، حيث ظل الشباب السوداني في قلب التحولات، ما بين قيادة الشارع، ومواجهة محاولات الاحتواء، وصولاً إلى اختبار جديد لمدى استقلاليته في مؤتمر خارجي.

تضحيات الشباب

ولأن الشباب هم الفاعل الرئيس في الحرب والسلام، فقد عكست الإحصاءات الممتدة من اندلاع الحرب في أبريل 2023 حتى مايو 2026م حجم المأساة التي يعيشها السودان، حيث تحمل الشباب النصيب الأكبر منها.

وتفيد التقارير المحلية والدولية أن الحرب بين «الدعم السريع» والجيش أسفرت عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص، نسبة كبيرة منهم من الشباب بسبب انخراطهم في القتال مع طرفي النزاع، فيما سُجلت أكثر من 40 ألف إصابة، كثير منها أدى إلى إعاقات دائمة بسبب نقص الرعاية الصحية، وبلغ عدد النازحين داخلياً نحو 11.5 مليون شخص، في أكبر أزمة نزوح داخلي عالمياً، بينما تجاوز عدد اللاجئين خارج البلاد نحو 4.2 ملايين شخص.

وفي قطاع التعليم، تأثر نحو 17 مليون طفل وشاب، بينهم 13 مليوناً خارج المدارس تمامًا، وتشير المعطيات إلى أن الفئة العمرية بين 18 و35 عاماً تمثل النسبة الأكبر من الضحايا، سواء بسبب المشاركة المباشرة في القتال أو الاستهداف في مناطق النزاع.

صناع الثورة

ظهرت ملامح الدور الفاعل للشباب السوداني في ديسمبر 2018م، حين قاد الشباب عبر لجان المقاومة وتجمع المهنيين، احتجاجات شعبية واسعة أطاحت بنظام حكم استمر ثلاثة عقود، خلال تلك المرحلة، لم يكن الشباب مجرد قوة احتجاجية، بل طوروا أدوات تنظيمية قائمة على اللامركزية والعمل التطوعي.

بين عامي 2019 و2021م، دخلت البلاد مرحلة انتقالية معقدة، حاول خلالها الشباب تحويل زخم الثورة إلى مؤسسات، فأسسوا شبكات خدمية ميدانية تولت توفير الاحتياجات الأساسية في ظل ضعف الدولة، وجاءت عملية التصحيح التي قادها الفريق أول عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021م لتعيد المشهد مرة أخرى إلى انقسام بين شباب مؤيد للعملية التصحيحية وآخرين تم استقطابهم من منظمات دولية، بينما بقيت كتلة كبيرة من الشباب تحاول إثبات وجودها داخل الشارع عبر تقديم خدمات مجتمعية وتلتزم الحياد دون الإفصاح عن توجهاتها السياسية.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023م، دخل السودان مرحلة أكثر قسوة، إذ تحولت لجان المقاومة إلى «غرف طوارئ» تقدم الإغاثة الإنسانية، لتسد الفراغ الذي سببه غياب بعض مؤسسات الدولة.

أجندة نيروبي

تركزت النقاشات داخل المؤتمر حول مجموعة من المحاور الرئيسة، عكست محاولة للانتقال من الفعل الاحتجاجي إلى الفعل السياسي المنظم.

وفي مقدمة هذه المحاور، جاءت الدعوة إلى وقف فوري وغير مشروط للحرب، وفتح ممرات إنسانية آمنة، كما توافق المشاركون على ضرورة إنشاء إطار تنسيقي شبابي مستدام يربط الداخل بالخارج لتوحيد الخطاب أمام المجتمع الدولي.

وشددت التوصيات على أهمية العدالة الانتقالية، باعتبارها شرطًا لأي سلام دائم، مع ضرورة محاسبة جميع منتهكي حقوق الإنسان، ويبدو أن البعض من حضور المؤتمر قد تنبه لما يحاك حيث برز موقف واضح برفض تسييس الحراك الشبابي، والتأكيد على أن الشباب ليسوا أدوات في يد أي طرف.

تساؤلات حول التمويل

رغم الطابع المدني المعلن للمؤتمر، كشفت المعطيات عن توترات داخلية دارت بعيدًا عن الجلسات الرسمية، تمحورت حول سؤالين رئيسين: «من يمثل الشباب؟ ومن يمول هذا الحراك؟».

هذه التساؤلات ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى مؤتمرات سابقة عُقدت خارج السودان، أبرزها مؤتمر أديس أبابا في مايو 2024م، الذي شهد جدلاً واسعاً حول غموض التمويل والانقسامات الداخلية.

وفي نيروبي، تكررت المخاوف ذاتها، حيث أبدى بعض المشاركين قلقهم من إمكانية تحول المؤتمر إلى منصة لتمرير أجندات خارجية، خاصة في ظل نمط متكرر من استقطاب الشباب عبر الدعم المالي أو البرامج التدريبية.

طرق الاستقطاب

تعددت طرق ووسائل الشباب السوداني ومحاولة السيطرة عليه التي من بينها الاختراق الاقتصادي عبر التمويل والمشاريع الصغيرة، بهدف توجيه أولويات الشباب نحو الاستقرار المعيشي بدلاً من التغيير السياسي، والاختراق الهيكلي الذي يتم من خلال دعم قيادات موازية أو دمج الحركات الشبابية في هياكل رسمية تفقدها استقلالها، إضافة إلى الاختراق السياسي عبر مؤتمرات خارجية تسعى لإنتاج بيانات ختامية تخدم أجندات محددة، وأخيرًا الاختراق الإعلامي الذي يتم من خلال تشكيل صورة نمطية تقلل من وعي الشباب أو تصفهم بسهولة الاستقطاب.

ووفق المعطيات، نجح المؤتمر في خلق مساحة حوار واسعة بين شباب من خلفيات جغرافية واجتماعية مختلفة، كما قدم تصوراً أولياً لدورهم في إعادة الإعمار والتحول الديمقراطي.

لكن في المقابل، بقيت مسألة الشفافية، خاصة فيما يتعلق بالتمويل وآليات اختيار المشاركين، نقطة ضعف قد تؤثر على مصداقية مخرجاته، كما أن غياب إجماع كامل حول تمثيل «الشارع الحقيقي» يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المؤتمر على التحول إلى قوة ضغط فعالة.

خيارات صعبة

مثَّل مؤتمر نيروبي محطة مفصلية في مسار الحراك الشبابي السوداني، لكنه في الوقت ذاته يعكس تعقيدات المشهد، فالشباب الذين تحولوا إلى قوة موازية منذ عام 2018م، يجدون أنفسهم اليوم أمام اختبار جديد؛ «كيف يحافظون على استقلالهم في ظل بيئة إقليمية ودولية تسعى للتأثير؟».

والنتيجة النهائية لا تتوقف على عقد المؤتمرات بقدر ما ترتبط بقدرة هذا الجيل على فرض معادلة جديدة قائمة على الشفافية، ووحدة الصف، والاستقلال الحقيقي.

وفي ظل حرب مستمرة وأزمة إنسانية غير مسبوقة، يبقى السؤال مطروحًا: هل ينجح الشباب في الحفاظ على استقلاليته وممارسة أدوار سياسية واجتماعية لصالح بلاده دون الوقوع في شراك الاستقطاب والتمويل والتوظيف التي تسعى إليه كل الدول والمنظمات الحريصة أو الطامعة في السيطرة على ثروات السودان ومقدراته؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة