حماية للحياة لا قسوة على الموتى..

تفسير موقف العلماء من الانتحار

تمدد ظاهرة الانتحار واتساع قاعدتها أصبحت مؤرقة، كان خبر انتحار شخص قديماً مما تسير به الركبان لسنوات وسنوات نظراً لندرته وغرابته وقلته، اليوم غدت الظاهرة تتمدد وتتسع وأصبح المنضمون لها فئات عمرية مختلفة، وأصبح التعاطف مع المنتحر سمة غالبة عند كثير من الناس.

لقد أصبحت الظاهرةُ في المجتمعات المعاصرة تثير أسئلة موجعة، لا تتعلق فقط بأسبابها النفسية والاجتماعية، بل أيضًا بكيفية التعامل معها خطابًا وموقفًا.

من أكثر ما يُساء فهمه في هذا السياق، ويتم الهجوم على أصحابه، موقف علماء الدين؛ حين يخرجون من تلقاء أنفسهم للحديث عن المنتحرين -خاصة- أو حين تتوجه لهم وسائل التواصل أو تدفعهم للكلام والحديث، وعند البيان يُتهمون بالقسوة، أو فقدان الإنسانية، حين يحذرون من الانتحار ويشددون في بيان حرمته، يصفون بأنهم شامتون في أرواح فارق أجسادها تحت الضغوط.

إن قراءة متأنية لخطاب العلماء تكشف أنه لا ينبع من قسوة على الأفراد، بل من حرص عميق على صيانة الحياة الإنسانية ومنع تفشي هذه الظاهرة الخطيرة.

فليس على العلماء أن يدعموا المنتحر، ويصلون عليه في المساجد صلاة الغائب، ويحثون الناس على شهود جنازته، ورفع أكف الضراعة بالغداة والعشي لله أن يرحمه.

الحكم على الفعل أو النظر إلى الفاعل

إن الضرورة التي ينطلق منها العلماء حين يتحدثون عن الانتحار، وتخرج كلماتهم حياله هو أن حفظ النفس مقصدٌ من مقاصد الشريعة، وأن حياة المرء ملكه يحرسها ويغذيها لا يقتلها ويسيل دمها، حيث هي أمانة أودعها الله بين يديه، وكما هو ممنوع من المساس بنفوس الناس، هو كذلك مع نفسه ممنوع من المساس بها قتلاً، ومن هنا؛ فإن التحذير من الانتحار ليس مجرد حكم فقهي، بل هو في حقيقته سعي لحماية الإنسان من لحظة ضعف قد تودي به إلى قرار لا رجعة فيه.

يقع الخلط حين يُفهم تحذير العلماء بتجريم الفعل على أنه شماتة في المنتحر أو قسوة عليه بعد موته!

الحقيقة أن العلماء يفرّقون بوضوح بين الحكم على الفعل والنظر إلى الفاعل؛ ففعل الانتحار يُدان ويُحذر منه بأشد العبارات، لما يترتب عليه من مفاسد؛ ولأنه يمثل اعتداء صارخاً على النفس، فلا تهاون في البيان، ولا رأفة في إبراز الحكم، وتلك مهمة العلماء حيث أخذ الله عليهم الميثاق؛ (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187).

أما الفاعل، فهو إنسان قد يكون قد وصل إلى حالة من الضيق والألم النفسي ما أفقده توازنه وقدرته على التقدير السليم، ويأتي الخطاب الديني وقتها غير منشغل بالتشفي، بل بإفساح المجال للرحمة والدعاء، ويُحيل أمره إلى عدل الله ورحمته، مع إبراز الحكم.

قال ابن بطال (449هـ) أجمع الفقهاء وأهل السُّنة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه يصلى عليه، وإثمه عليه كما قال مالك، ويدفن في مقابر المسلمين.

العدوى السلوكية

إن قراءة آنية في تشديد العلماء في التحذير من الانتحار وتجريم فعله، لا بد أن يُفهم في ضوء وظيفة اجتماعية أوسع، وهي منع العدوى السلوكية، فالمجتمعات قد تتأثر ببعضها تأثرًا عميقًا، بل والأشخاص أنفسهم، وقد يتحول الفعل الفردي إلى ظاهرة إذا أُحيط به نوعٌ من التهوين أو التعاطف غير المنضبط، ومن هنا، يأتي الخطاب الحازم ليغلق هذا الباب، لا لزيادة الألم، بل لقطع الطريق على تكرار المأساة.

إن الكلمة هنا ليست مجرد تعبير، بل أداة تأثير قد تُنقذ حياةً أو تفتح بابًا للخطر.

إن الذين ينظرون شذراً للعلماء حين يخرجون محذرين من الانتحار أو مبينين حكمه لهم مخطئون أشد الخطأ.

إن عشرات من الناس، بل مئات تضيق بهم السبل، فتراهم يقولون: لولا أن الانتحار حرام لقتلت نفسي، وتخلصت من الألم، أو من الهم، أو من الضيق، فمن الذي رسخ تلك الثقافة في نفوس مئات لا يقتلون أنفسهم خوفاً من عقوبة الله لهم في الآخرة على إزهاق أنفسهم، أليس هم العلماء؟

أبعاد لا يغفلها العلماء

إن العلماء لا يغفلون عن الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تقف خلف هذه الظاهرة، فهم لا ينكرون أثر الاكتئاب، والضغوط الحياتية، والتفكك الأسري، والعزلة، وغيرها من العوامل التي قد تدفع الإنسان إلى حافة اليأس؛ بل إن كثيرًا من خطاب المعاصرين من هؤلاء العلماء يدعون فيه إلى احتواء هذه الحالات، وتقديم الدعم النفسي، وتعزيز الروابط الاجتماعية، ونشر الأمل في النفوس.

غير أن هذا التعاطف لا يتحول إلى تبرير للفعل، لأن التبرير قد يُفضي –من حيث لا يُقصد– إلى سلوك يحتذى وقرار لا رجعة فيه، نسقاً وسبيلاً سابلاً لكل من مر بأزمة أو أحاط به ظرف.

رحمة بالإنسان.. وحزم مع الفعل

يظهر التوازن الدقيق في موقف العلماء من حيث الرحمة بالإنسان، والحزم مع الفعل، فهم لا يُنكرون الألم، ولا يختزلون التجربة الإنسانية في مجرد أوامر ونواهٍ، ولكنهم في الوقت ذاته لا يفرّطون في حدود يرون أنها تحمي المجتمع من الانهيار، إنهم يدركون أن التراخي في مثل هذه القضايا قد يُفسَّر على أنه إقرار ضمني، وأن وضوح الموقف –وإن بدا شديدًا– هو في حقيقته صمام أمان.

وأن من الخطأ اختزال الخطاب الديني في بعض العبارات، أو في مواقف فردية قد لا تعبر عن المنهج العام والموقف الرشيد لعلماء الدين، الذي أساسه الرحمة، ومنبعه الرفق، وسبيله إحسان الظن، وعدم التشفي في الخلق أو تتبع عثراتهم.

وتلك القيم لا تغيب حين يُتحدث العالم أو الشيخ المفتي عن الانتحار، بل تُستحضر في سياقٍ متوازن يجمع بين التحذير والتعاطف.

لكن من المهم هنا أن نُعيد توجيه النقاش من اتهام النوايا إلى فهم المقاصد، فبدل أن يُسأل: لماذا يقسو العلماء في خطابهم؟

قد يكون الأجدر أن يُسأل: كيف نحمي الإنسان من الوصول إلى هذه النهاية المؤلمة؟ وعندها، سنجد أن التحذير الصارم هو جزء من منظومة أوسع تشمل التربية، والدعم النفسي، والتكافل الاجتماعي، وبناء المعنى في حياة الإنسان.

إن موقف العلماء من الانتحار لا يُفهم فهمًا صحيحًا إلا إذا وُضع في سياقه الكامل؛ سياق حفظ الحياة، ومنع انتشار الظاهرة، والتفريق بين الفعل وصاحبه.

إنه خطاب رغم كونه حازماً فهو يحمل في جوهره حرصًا على الإنسان، ورغبة في أن تبقى الحياة مُصانة، وأن يُفتح أمام كل إنسان بابٌ للأمل مهما اشتدت به الأزمات؛ فالغاية عند العلماء ليست إدانة من رحل، بل حماية من بقي، وصون من قد يقف يومًا على الحافة.

خلل ظاهر

انتحرت امرأة تحت وطء مشكلات بينها وبين زوجها، وعوضاً عن السير في بحث سبل الاستقرار الزوجي، غدا من يطالبون بتحول العلاقة إلى ضمانات مالية، فالعلاقة التي أساسها الرحمة والمودة، أصبحت رأسمالية المنزع والمآل.

والسؤال هنا: ماذا لو كان الانتحار ناتجاً عن الفقر؟ أو ناتجاً عن المرض؟ أو ناتجاً عن اليأس؟ ما التعويض الذي سنطلبه وممن نطلبه؟!

من هنا كان قول العلماء شديداً حيال الانتحار لئلا يتسع الخرق، وليحولوا يبينه وبين مئات ممن جال بخاطرهم، ثم في النهاية نراهم في مقدمة من يصلون عليه، ويشيعونه لقبره، لأنه وإن جاوز حدود الله، فإنه لا يزال تحت رجاء العفو في الآخرة.

ماذا لو خرجت المؤسسات الدينية تقول: إن من أحاط به الضيق أو اشتد به المرض أو أصيب بهم جاز له أن ينتحر، وله أن يتخذ من الوسائل ما يريد في إزهاق روحه؟ هل تتحمل المجتمعات المسلمة تصريحاً كهذا؟ وهل يؤيده المنكرون على العلماء؟!


اقرأ أيضا:

ظاهرة الانتحار.. والمسؤولية المجتمعية

الانتحار والانسحاب من المهمة الكبرى

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة